“الفتوحات المكّية” .. كيف فهم ابن عربي الوجود ؟ 

الاتحاد برس 

حسّان الشيخ

كان منذ بداياته شخصية خلافية تعددت حولها الآراء وكثر حولها النقاش، سماه محبوه بالشيخ الأكبر، بينما نعته كارهوه بالشيخ الأكفر، وحاز على الكثير من الألقاب أيضاً كسلطان العارفين وإمام المتقين وبحر الأسرار.

هو محمد بن علي بن محمد العربي، والمشهور في التاريخ الإسلامي باسم محي الدين بن عربي، الذي رأى فيه المتصوفة حكيمًا إلهيًا ووليًا من أولياء الله، بينما نظر له آخرون على أنه ضال، منحرف عن الدين، ومبتدع لتعاليمه.

حياة ابن العربي

كان ابن عربي متوجساً من أن يفهم بشكل خاطئ، وكان في مقدمة كتابه “الفتوحات المكية” يحذر من أن يطلع على هذا الكتاب من هو ليس من أهل الكشف الصوفي، لأنه علم إلهي لا يحصل بالنظر أو بالبحث العقلي.

ولد ابن عربي في الأندلس سنة 1665 لعائلة من قبيلة طي العربية. كان والده من أئمة الفقه والحديث، بينما كان جده حاكماً وقاضياً. تلقى ابن عربي علومه الدينية في مدينة إشبيليا، والتقى هناك بشيوخ الصوفية، ومرّ بأول تجاربه الروحية.

وبعد أن أنهى ابن عربي تعليمه قرر أن يبدأ التجوال، وكان ذلك بمثابة إيذان بسلك طريق التصوف، فجال كل مدن الأندلس والمغرب، من فاس إلى تونس ثم غرناطة والتقى بعارفيها وشيوخها، ثم وصل إلى قرطبة حيث التقى بابن رشد، وروى في كتابه “الفتوحات” قصة لقاءهما فيقول:

“مررت في قرطبة على قاضيها أبي الوليد ابن رشد، وكان يرغب بلقائي لما سمع وبلغه ما فتح الله عليّ في خلوتي وأنا صبي. ولما دخلت عليه قام من مكانه إلي وعانقني.”

كان هذا اللقاء الأول والأخير، فبعد عدة سنوات تصادف وجود ابن عربي بمراكش ساعة وفاة الفيلسوف الكبير ابن رشد، وشهد ابن العربي يومها نقل الجثمان من مراكش إلى مدينة قرطبة، وفي العام نفسه رأى ابن العربي رؤية قادته إلى المشرق الذي لن يعود منه أبداً.

بدأت رحلة ابن عربي بالحج إلى مكة المكرمة، هناك حيث بدأ بتدوين مؤلفه الضخم “الفتوحات المكية”، وحيث تعرف أيضاً على ابنة أحد العلماء الكبار وكتب فيها ديوانه الشعري الشهير “ترجمان الأشواق”.

صورة متخيلة للفيلسوف محي الدين ابن عربي

كانت شهرة ابن عربي تسبقه إلى أي مكان يحل فيه، فبعد مكة ذهب إلى الموصل، وقصد بعدها القاهرة فثار هناك فقهاء المدينة عليه، مما دفعه إلى تركها والذهاب إلى القدس، ومن ثم العودة إلى مكة. زار ابن عربي فيما بعد حلب وحمص، وفي عام 1223 دخل مدينة دمشق واستقر فيها إلى أن وافاه الأجل، ودفن في مقبرة عند سفح جبل قاسيون.

ترك ابن العربي عدداً كبيراً من المؤلفات، ومن أهمها كتاب “الفتوحات المكية” الذي وضع فيه يومياته وخلاصة تجاربه الروحية. وكتاب “فصوص الحكمة” والذي يعرض فيه ابن عربي تصوره لوحدة الوجود.

وكان لابن عربي أثر عظيم على جميع المذاهب والاتجاهات الصوفية وغيرها، حيث يذهب بعض الباحثين إلى القول أن دانتي إليغييري شاعر إيطاليا الأكبر تأثر بفكر ابن عربي في كتابته لمؤلفه “الكوميديا الإلهية”، وأكد آخرون أن باروخ سبينوزا المولود بعد قرون من وفاة ابن عربي كان متأثراً بنظريته في وحدة الوجود.

ابن عربي ووحدة الوجود

قال ابن عربي بالكشف الإلهي، والمعرفة المرتبطة بالغيب والتي تكمن في القلب وليس في العقل، حيث نراه يقول في كتابه “الفتوحات المكية”:

“إن المؤمن المتأدب بآداب ربه، المحافظ على شرعيته، إذا لزم الخلوة، وفرغ فكره مما سواه، حينئذ يمنحه الله وبعطيه من العلوم والأسرار الإلهية”.

وأقر ابن عربي أن العلم الإلهي هو علم خارج عن حدود العقل، لذلك يصعب على غير العارف التصديق به. وارتبط اسمه فيما بعد بمذهب يدعى “وحدة الوجود” ولم يذكر  ابن العربي هذه الكلمة في أي عمل من أعماله.

تهدف نظرية “وحدة الوجود” إلى توحيد كلّ الموجودات في وجود واحد، أي التوحيد ما بين الإنسان وخالقه، ومن أبرز بنود هذه النظرية هو القول بالحلول والاتحاد، فالحلول هو أن يحلّ الخالق بالمخلوق أو يحلّ بالعالم وأشيائه جميعها، والاتحاد هو اتحاد العالم والمخلوقات مع الخالق.

ومع أن ابن عربي حاول أن ينأى بمذهبه عن هذا القول، ووصل الأمر فيه إلى أن ينفي الحلول والاتحاد كي لا يتم تكفيره من قبل الناس، وصرح في عدة مؤلفات أن عقيدته هي الإسلام المنزه كما هو، إلا أنه لم ينجح في إخفاء ما يعتقد به حقيقة.

ظنّ ابن عربي أن العالم تجلٍ أزلي من تجليات الله، وأنه ليس حقيقياً أو واقعياً، بل مجرد صور خيالية أطلق عليها اسم “عالم البرزخ”، وشبهها بخيالات الأشجار ساعة تنعكس على بحيرة راكدة، فالعالم بكل ّ أجزائه تجلي خيالي وليس وجوداً مستقلاً عن الله.

أفضت فكرة ابن العربي هذه إلى نوع من الوحدة الوجودية التي تضمحل فيها جميع المخلوقات بوصفها مجرد تجليات، ولا يبقى من وجود حقيقي إلا لذات الله، فالأشياء لا تكون موجودة ولا تتصف بالوجود إلا على اعتبارها تجليات جوهر الإله الواحد، ونسبتها لله هي نسبة الظلّ للشخص.

ومع أن ابن عربي نفى قوله بالحلول والاتحاد إلا أن هذه النظرية كانت دليلاً على إيمانه بهما، وكان لدى ابن العربي قول مختلف حول فكرة الخلق، فقد قال أن الخلق هو انتقال من حالة وجودية هي “الأعيان الثابتة” ومعناها أن تكون جزءً غير متجزء من جوهر الله تعالى، إلى حالة وجودية أخرى نسميها نحن بالوجود، ويخلص ابن عربي إلى أن العالم أزلي وقديم ليس له بداية، وأنه خرج إلى الوجود هذا عبر التجلي.

وكان تجلي الله عند ابن عربي تجلٍ دائم ومستمر، فالعالم من وجهة نظره في حالة تجدد مستمر، وكما نتكلم فيضاً ومعناها عدد كبير من الكلمات، فإن الله يخلق فيضاً، حتّى أنه في كل ثانية هناك فناء وخلق جديد كما تظهر وتفنى الكلمات التي نقولها.

 

 

قد يعجبك ايضا