الفن العربي .. نزوع مستمر إلى تصوير الموجودات

الاتحاد برس

 

تعد الجمالية العربية وليدة لمواقف فكرية قديمة عاشها العرب منذ بداية التاريخ ساعة كانوا يرقبون الكواكب والنجوم ويستطلعون المستقبل والغامض، ويصبون إلى ذلك العالم السماوي وكأن عالمهم الأرضي مجرد عرض زائل.

تعاقبت على الأرض العربية أفكار وقيم وعقائد مختلفة، وكان الفنّ هو الوسيلة المطلقة للتعبير عن جوهرها وعن فلسفة الحياة في صيغه المتنوعة، فكان بذلك ذا تطور عضوي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتطور العضوي للأمة العربية.

 

فن الفسيفساء العربي .. الجامع الأموي وقصر الحير نموذجاً

أُنشأ الجامع الأموي في دمشق على عهد الوليد بن عبد الملك، امتازت الفسيفساء التي تزين هذا الجامع عن كلّ الأعمال الجدارية التصويرية بموضوعاتها، ففي الجامع اقتصرت الأعمال الفسيفسائية على تصوير قصور ومنشآت وجسور وأبراج وأروقة، ولم يكن هناك أي تصوير لإنسان أو حيوان، وربما يعود هذا إلى أن هذه الرسوم تزين مكاناً مقدساً.

اعتقد البعض أن هذه الرسومات تمثل دمشق ونهر بردى، أما المؤرخ الجغرافي “المقدسي” 985م فرأى أنّها صورة العالم لأنه ما من شجرة أو مدينة لم تصور على تلك الجدران، وبدوره فقد قال “غرابار” في كتابه “تكوين الفنّ الإسلامي” أنّ هذه الصور تعبير عن الجنة التي وعد الله بها المؤمنين الأتقياء.

وإذا تابعنا الحديث عن التصوير الفسيفسائي لابدّ لنا أنّ نذكر شجرة التفاح التي تزين أرضية حمام قصر المفجر في فلسطين، إنّ صورة هذه الشجرة واقعية الأسلوب تبدو أوراقها ذات أبعاد في الفراغ وذلك بسبب ترتيب الألوان وتركيز تضادها.

يبدو التحجيم دقيقاً في تكوين الأسد والغزلان الثلاثة أسفل الشجرة، لأن التظليل كان شديد الوضوح مفيداً في التعبير عن الحركات، إن أرضية حمام القصر هي بمثابة رائعة لا مثيل لها في صميم الفنّ البشري، لم يستطع العلماء حتّى اليوم تحديد المصدر الأصلي لهذا النوع من التصوير لأنه ما من مثيل له بين آثار التصوير العربي.

 

الفنّ العربي وتصوير الموجودات

مع انتشار الإسلام دخل فن النحت نطاق التحريم لأنّه كان أقرب إلى صناعة الأصنام، ومع فإن الخلفاء الأمويين الأوائل لم يأبهوا أبداً بخطورة النحت لذلك فإن قصورهم كانت حافلة بالتماثيل، وبخاصة قصر الحير الغربي في بادية الشام وقصر خربة المفجر في الأردن، وهما من بناء هشام بن عبد الملك.

وفي الواقع كانت هذه القصور من آثار الثقافة الهلنستية البازلتية والتي كانت سائدة في بلاد الشام آنذاك، حيث كانت هذه التماثيل من صنع سكان البلاد الأصليين الذين دخلوا الإسلام أو استمروا على دينهم.

يمتاز قصر الحير الغربي باحتوائه على نوعين من النحت، النحت الزخرفي وهو عبارة عن أشكال نباتية محولة أو هندسية مجردة مصنوعة من الجصّ البارز أو المفرغ المستوحى من عناصر رومانية وساسانية. والنحت التشبيهي وهو التماثيل التي صورت الإنسان.

عثر في قصر المفجر على تماثيل نصفية تصور نساء عاريات، وعلى تمثالين أحدهما رجل مضجع وإلى جانبه تجلس امرأة في وضع يشبه أوضاع التماثيل التدمرية الجنائزية، والثاني هو لفارس فقد رأسه بينما بقي معطفه عليه. ثمة في القصر أيضاً تماثيل أخرى كتمثال امرأة في وضع متحرك ترتدي ثوباً شفافاً ملتصقاً على جسمها المكتنز.

ومع إن الفنّ عدّ دائماً بمثابة لغة تشكيلية لأفكار عامة ذات دلالات فكرية وأدبية، لكن الفنّ العربي كان على النقيض من هذا متحرراً من هذه الوظيفة، مستقلاً بذاته، فنرى العمل وهو في نزوع مستمر للتحرر من الدلالة المحددة وتصوير الأشياء من حيث هي موجودة بذاتها.

قد يعجبك ايضا