القنصلية الروسية في دمشق.. سوق حُرّة ودور الانتظار ب 50 ألف!

الاتحاد برس _ مراسلون
سام نصر

 

يضطر سليم طالبُ هندسة التكنولوجيا في روسيا عند كل زيارةٍ إلى القنصلية الروسية في دمشق أن يصطحبَ في جيبه رشوةً بعشرات الآلاف ليتمكّن من دخولها وتسيير أوراقه الدراسية والشخصية.

كثرةُ الطّلاب السوريين في روسيا من جهة، والمواطنون الروس المُقيمين في الداخل السوري من جهة أخرى، تتسبّب بحالاتِ ازدحامٍ شبهَ مُستمرّة أمام مبنى القنصلية، ماأدى لخلقِ طرقٍ ووسائل تصبُّ في مصلحة طرفين على حسابِ طرفٍ ثالث.

يوضح سليم لمراسل “الاتحاد برس” مايحدث، بقوله: “آلية حجزِ الدور التقليدية بسيطة جداً.. نأتي باكراً ونقوم بتسجيل أسماءنا لدى العساكر السوريين المتواجدين أمام مبنى القنصلية. هناك أشخاص يصلون منذُ الخامسة صباحاً، فيما تفتح القنصلية أبوابها عند العاشرة والنصف”.

يُتابع سمير كلامه: “هنا تبدأ المشكلة، فوصولك كأول شخص وحجزك للدور، لايعني أنك ستدخل أولاً، فمن يدفع الرشاوى هو من يدخل، حتى ولو وصلَ قبلَ فتح باب القنصلية بدقيقة واحدة”.

كيفَ تتم العملية؟

بعد التحرّي على الموضوع والتواصل مع العديد من الأشخاص المراجعين والعاملين قرب السفارة، توصّل “الاتحاد برس” إلى الوسائل والسيناريوهات المُتّبعة، وأبطالها 3 أشخاص أبرزهم العسكري “أحمد شعبان”.

السفارة الروسية في دمشق
السفارة الروسية في دمشق

تفتح السفارة الروسية في دمشق أبوابها في جميع أيام الأسبوع عدا أيام الجمعة والسبت والأربعاء، وتعمل منذُ العاشرة ونصف صباحاً حتى الواحدة ظهراً فقط”.

ساعات العمل القليلة وبطء إنجاز المعاملات في الداخل، يُجبر الكثير من المُنتظرين على العودة إلى منازلهم ومراجعة القنصلية في اليوم التالي، ومنهم من يعيش بمحافظة دمشق ذاتها، ومنهم من يأتي من محافظات أخرى، ويبعد منزله مئات الكيلومترات.

استغلالاً لتلك الحالات، ابتدعَ الحراس الذين يقفون قرب باب القنصلية فكرة وهي وضع نحوِ 15 اسمٍ وهميٍّ في رأس القائمة، ومن يصل ولايستطيع الانتظار أو يجهل مايحصل، يطالبوه ب50 ألفاً لوضع أسمه بدلاً من إحدى تلك الأسماء الوهمية، وفور فتح السفارة عند ال10 والنصف، يبدأ الأشخاص الذين دفعوا أموالاً بالدخول، فيما يتنظر الآخرون لساعات وربما لأيام.

اقرأ المزيد: المنح الدراسية الأجنبية تصبح “مَكرُمة” للطلاب السوريين بعد فلاتر الفساد والمحسوبيات

استغلال من نوع آخر

دخول السفارة دون جهد وانتظار مقابل مبلغٍ مادّي ليسَ القصة الوحيدة التي تجري، فزيارة الطّلاب والمراجعين الذين لايعرفون الشروط يوقعهم فريسةً في كمين هؤلاء العساكر ومن يتعاملون معه، والذي يعمل بشكل دائم داخل القنصلية ويُدعى “أبو عادل”.

مبالغٌ كبيرة تفوقُ رواتب الموظفين الحكوميين في الداخل السوري، يتقاضاها “أبو عادل” وفريقه لإنجازِ كل ورقةٍ واحدةٍ من الأوراق البسيطة منها والمُعقدة، وحتى أحياناً يدفع الشخص عشرات الآلاف مُقابل أن يملأوا له بضع الكلمات باللغة الروسية، كونه لايعرف أو لايتحدّث اللغة الروسية.

سفارة روسيا في دمشق
سفارة روسيا في دمشق

مكتبة “أبو عادل” ومكتبة “إيفرست” اللواتي تقعن قرب السفارة في حي المزرعة، وتهتمان بتسيير شؤون الطلاب السوريين الدارسين في روسيا، تتقاضيان مقابل مبالغ كبيرة، فمثلاً الختم من داخل القنصلية يُكلّف 90 ألفاً، وهم يتقاضون 150 ألفاً، بزيادة 60 ألفًا للورقة الواحدة.

أما الأسعار الأخرى لديهم فهي مُتفاوتة، فمثلاً وضع الفيزا على الجواز بعد وصول الدعوى من روسيا، تُكلّف في القنصلية 75 للفيزا العادية، و 150 للفيزا المستعجلة، وإذا لم يعرف الشخص وطلب مُساعدة المكتبة فيأخذون 75 ألف زيادة، مقابل إدخال الجواز ووضع الفيزا عليه وإرجاعه، علماً أن العملية تحتاج لربع ساعة فقط في الدّاخل.

تلك المكتبات تُشكل مع العساكر في الخارج “شبكة” واحدة، ففور وصول موظف إحدى المكتبات إلى القنصلية يتم إدخاله أولاً وقبل الجميع ليتمكّن من إنجاز جميع الأوراق، علماً أن هذا الموظف ذو علاقة جيّدة مع موظفي السفارة في الداخل، فلا حاجة له لوكالة من أجلِ إنجازِ أوراق الآخرين، بدعم من “أبو عادل” في الداخل.

أحد الطلاب “فضّل عدم ذكر اسمه”، أكّد أنه اشتكى للقنصل بعد دخوله القنصلية وشرحَ له كل مايحصل في الخارج، مُشيراً إلى أن إجابة القنصل كانت “Это не наша проблема” (هذه ليست مُشكلتنا)، دونَ أن يهتم لمعاناة الطالب وانتظاره 3 أيام للدخول في وقت كانَ يدخل الجميع حسب الدور باستثنائه.

مبالغ كبيرة يتم أخذها من المُراجعين سواء بعلمهم أو بدون علم، وطوابير انتظار يقعُ ضحيّتها غير القادرين على الدفع أو الجاهلين لما يحدث خلف تلك الكواليس، ويبقى السؤال الأهم، هل هناك حصّة مستمرة لموظفي السفارة في الداخل، كونهم يعلمون بكل مايحصل، بل ويشتركون في أغلب الحالات بتسهيل تلك العمليات اليومية؟

قد يعجبك ايضا