امتحنوا بوتين؛ إن كنتم صادقين؛ وسترون العجائب

د.-يحيى-العريضي11-300x200111

دخل حزب حسن نصرالله الإيراني في حرب “النظام السوري” على شعبه، فلخبط الذهن السوري قبل أن يلخبط أوراق الخير والشر في مقاومة الاستبداد والثورة عليه. في الذهن السوري قبل 2011، حزب الله مقاوم ممانع يقف في وجه المحتل، وله مكانه في العقل السوري النابذ للظلم بطبعه. وبعدها، عكس ذلك.

دخلت إيران على بلد طالما حلمت وخططت وانتظرت نفوق الأب لتنقض على ما أورثه لمن رأت فيه قاصراً لن يتمكن من الوقوف في وجه حقدها وأحلامها الامبراطورية المريضة؛ لتعده بالحماية والبقاء مقابل تحقيق حلمها الذي يدركه ولاحول ولا قوة له تجاهه. وستخرج مجرمة أبدية في الذهنية السورية.

دخل من سمّوا أنفسهم بـ “أصدقاء سورية”، فكانوا شاهد زور غير فاعل على عذابات قابلة للحسم تحولت إلى مرار يومي قارب عمره الخمسة أعوام.

استنفرت جامعة الدول العربية لإنقاذ سورية، وإذ ببعض أعضائها يبحثون بكل خساسة عن طريق يعيدون بها وشائج العلاقة مع عصابة القتل خوفاً من أن يصيبهم الشيء ذاته مع شعوبهم.

تقاطر مبعوثون دوليون بدءاً من “الدابة”- الذي كان له من إسمه نصيب- مروراً بزوج اليهودية “كوفي أنان” وبـ “الأخضر الابراهيمي” المصاب بـ / زهايمر ضميري / وصولاً إلى “دي مستورة” الذي حوّل المأساة السورية إلى (مؤسسة بحثية) في النقاش والتفاوض طويل الأمد معدوم الفاعلية ليته يشبه “المفاوضات العربية-الاسرائلية”.

وحده التدخل الأمريكي كان مدوياً بصمته ولافاعليته، وحتى تعطيله. فاقه فقط اليد الاخطبوطية الاسرائيلية التي أمْلت على الجميع فيتو غير مرئي تقاطع وتطابق مع شعار العصابة الحاكمة[الأسد أو نحرق البلد] بتعديل طفيف مفاده: [ الأسد أو تتحول سورية إلى شراذم مُقْعدة لا تقوم لها قائمة بعقود]. وكانت اللافاعلية واللايقينية الأمريكية سياسة تنفيذية للرؤية الإسرائلية؛ والكل في خدمتها؛ فحدث ما حدث لسورية وأهلها.

ياتي مؤخرا الدخول البوتيني  بصيغة مختلفة عن مبدأ التعطيل الإسرائلي، ولأسباب روسية بحتة؛ فبوتين قرر ربما أن يشتّي ويصيّف على سطح واحد: يبني تواجداً عسكرياً خطراً / كما رصدت صحيفة النيويورك تايمز/، وفي الوقت نفسه، يسعى لتنصيب نفسه ( في ظل الضعف الأوبامي الظاهر) منقذاً للعالم من شر داعش.

من هنا سنراه في خطابه أمام الأمم المتحدة في الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر ساعياً إلى إيجاد تحالف عالمي في وجه “الدولة الإسلامية” متجاهلاً التحالف القائم سلفا- وبقيادة الولايات المتحدة الأمريكية- وناسياً أن عسكرته لعميله المترنح في دمشق؛ حيث أن لا أحد يمكن أن يُخدَع بأن أسلحة بوتين ودعمه السياسي والدبلوماسي هي المساهمة الأكبر في عذابات السوريين؛ وأنه لو لم يكن من الفاعلين في سياسة العرقلة لوفر على سورية ما قارب النصف مليون ضحية وملايين المقتلعين من بيوتهم ودمار نصف البلد؛ ولأوقف عميله من شن حرب على شعب طالب بالحرية. سيخطب في الامم المتحدة ناسياً أن ذلك الاجرام المُدَعّم بأسلحته هو الذي خلق داعش.

ترى ” النيويورك تايمز” أن أوباما ينظر إلى بوتين كسفاح؛ والأخير يرى فيه شخصاً ضعيفا. معروف أن الرجلين لم يتواصلا منذ أن وضع بوتين يده على القرم. والآن، وبقدوم بوتين إلى نيويورك ونيته إطلاق مبادرة تحالف دولي جديدة، على أوباما برأي الصحيفة- المطلّة على دهاليز السياسة- ان يسبقه بخطوة في هذا الشان: إن كانت هذه نيّة بوتين فعلاً، فلينخرط مع العالم في إنهاء الحرب في سورية وإنهاء التطرف والارهاب أيضاً. تسِّرب الصحيفة أن الرجلين سيلتقيا، وبطلب من الكرملن. ترى الصحيفة أنه من الخطأ ألا يقبل أوباما الانخراط، فالامور على درجة عالية من الأهمية والخطر.

بوتين لن يأتي إلى اللقاء كحلّال للمشاكل؛ ولا بد أن أوباما يعرف ذلك؛ وعليه الانقضاض عليه في هذا الجانب؛ فكلاهما في مأزق: أوباما وفشله بسياسة “اللاسياسة، وبوتين وعملاؤه على شفى الانهيار بسياسة البطش بالجهة الخطأ… وهذا ما يجعل داعش تنتعش؛ فما ممكن من حل دون إزاحة منظومة الأسد. أفكار بوتين، ورسائله، ودوافعه “ملخبطة”؛ ولكن ليس هناك مبرر من عدم امتحانه.

رسائل النيويورك تايمز واضحة: بوتين رجل “ملخبط”، مشاكس، سفاح، مدعي، ولا بد من امتحانه؛ ولكن ما تعرفه النيويورك، ولم تقله، هو أن هاجس بوتين ليس سورية وعصابتها؛ ولا هو محاربة داعش أو الإرهاب، بل أن يشعر به الروس كرجل قوي وندٌّ للغرب لمرض خاص إسمه “الرئاسة الأبدية”. الاتحاد السوفييتي انتهى، ولكن عقل الأبدية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي لم تنته، وعدوى العالم بهذا الداء مستمرة. امتحنوا بوتين؛ إن كنتم صادقين؛ وسترون العجائب.

د.يحيي العريضي: كلنا شركاء

قد يعجبك ايضا