انقلاب تركيا وتخبط المحادثات الدولية بشأن سورية

انقلاب تركيا وتخبط المحادثات الدولية بشأن سوريةانقلاب تركيا وتخبط المحادثات الدولية بشأن سورية

خاص: الاتحاد برس

شكلت العملية العسكرية الأخيرة في حلب انعكاساً للتخبط الدولي في الشأن السوري، وأوردت لاذهان المهتمين في حل المسألة السورية مدى عمق الخلافات في وجهات النظر بين القائمين على العملية السياسية من دول مجموعة أصدقاء سوريا من طرف، والمجموعة الإقليمية التي ترى نفسها معنية بحل الموضوع السوري بشكل مباشر من طرف آخر؛ ومن حيث الواقع المفروض فإن الدول التي يطلق عليها اسم “مجموعة أصدقاء سوريا” والتي تضم تحالفاً سياسياً دولياً واسعاً، تسعى بشتى الوسائل لإيجاد حل سياسي وبشكل سريع للموضوع السوري، قبل نهاية العام وانطلاقاً من الشهر الجاري، نظراً لتضررها من الأحداث السورية بشكل أو بآخر، فالقضية السورية التي تصدرت المشهد السياسي العالمي على مدى خمس سنوات، أرهقت أمن أوروبا نتيجة اعتبار سوريا وكراً للمجموعات المتشددة، وأنهكت اقتصاد دول الشرق الأوسط نظراً لتوتر الجغرافية السورية التي تعتبر صلة وصل بين أوروبا وآسيا، ما يجعل الدول الحلفاء يلهثون بحثاً عن حل سياسي سريع يجعل البلاد أكثر هدوءاً وقادرةً على النهوض في المدى الطويل.




ومن جهة أخرى نجد جهداً إقليمياً من الدول المعنية بشكل مباشر في الشأن السوري، في البحث عن مكاسبهم ومصالحهم بشكل يحافظون فيه على ورقة ضغط في سوريا، تضمن لهم المساومة عليها سياسياً، وربما ما أشعل الخلاف الدولي بشكل واضح هو محاولة الانقلاب العسكري في تركيا وما رافقه من اتهامات صريحة للولايات المتحدة الأمريكية بالوقوف خلف التخطيط لها، وبعد ذلك ظهرت الجمهورية التركية بوجه مختلف تماماً في علاقتها مع الدولة الأقوى في العالم، حيث تعهدت قبل ذلك بوقف دعم المعارضة السورية وتعبيد الطريق نحو الحل السياسي، وظهر تراجع الموقف التركي مؤخراً عبر الدعم غير المحدود التي قدمته تركيا عسكرياً وتكتيكياً في عمليات ريف حلب الجنوبي، والتي وجهت من خلالها ضربة لخطط وتوجهات النظام نحو استرجاع العاصمة الاقتصادية للبلاد شمالاً، والتي تعتبر نقطة أساسية في سوريا على حدود العمق التركي.

من ناحية أخرى يبدو أن محاولة الانقلاب في تركيا لا تتوقف فقط على عرقلة الحل السياسي من خلال تقليص نفوذ النظام السوري فحسب؛ بل يتعلق بضرب حلفاء الأمريكيين في سوريا، حيث تسعى تركيا في الوقت الحالي ومن خلفهم الإخوان المسلمين لتوجيه ضربة قوية للأكراد في حلب، من خلال تجهيز غرفة عمليات تقصي الأكراد تماماً من أي حلم لهم في إنشاء دولتهم على الحدود التركية السورية، بل ويتعدى الأمر ذلك نحو تلقين الاكراد درساً لن ينسوه؛ عبر تهديدات أطلقها علناً الرائد باسر عبد الرحيم، رئيس غرفة عمليات “فتح حلب”، والذي يعتبر اهم حلفاء تركيا عبر فيلق الشام، حيث هدد الأكراد بدفنهم في حلب خلال أيام قريبة، نتيجة دعمهم للنظام وطعنهم للمعارضة في ريف حلب الشمالي وطريق الكاستيلو شمال مدينة حلب، ويبدو أن المستفيد الأول من هذا التحرك التركي الواسع هم الحلفاء الجدد المتمثلون بروسيا، حيث تسعى روسيا لتقليص نفوذ إيران المسيطر على سوريا وضرب حلفاء الأمريكيين المتمثلين بالأكراد، ويبدو ان الرئيس التركي اردوغان لن يتوجه نحو موسكو قبل إتمام مهمة واحدة على الأقل، لتكون المباحثات بين الجانبين في موسكو على قدر واسع من الأهمية.

ويبدو لمتابعي الشأن السياسي السوري أن المتضرر الأكبر من هذه التطورات هي محادثات جينيف، والتي تبدو أنها دخلت مرحلة الثُبات العميق في ظل تراجع نفوذ قوات النظام السوري، وإطلاق عمليات جديدة ضده في ريف دمشق ودرعا وريف حلب الشمالي، يظهر هذا اندفاعاً كبيراً للمعارضة نحو تحقيق مكاسب عسكرية تنعكس على مكاسب سياسية في المحادثات السياسية في جينيف، وينعكس تماماً الأمر لدى النظام السوري، الذي كان ينوي التوجه نحو المحادثات بمكاسب عسكرية تجعله يمسك بأوراق اللعبة السياسية بشكل جيد، والتراجع الأخير سيجعل النظام يتعنت في العمل السياسي في جينيف بل ومن الوارد بقوة أن يتم تأجيل محادثات جينيف في الوقت الحالي، لأن الواقع يتعارض مع مصالح النظام السوري، في ظل دفع أوروبي كبير نحو إنجاح العملية السياسية، لأن الأوربيين يرون أنفسهم الخاسر الأكبر إقليمياً من الوضع السوري.

قد يعجبك ايضا