بوبي الصغير “الإمبراطور الأخير” في المدينة المحرمة إلى بستاني في بكين

الاتحاد برس

راما الشيخ

 

كان فيلم “الإمبراطور الأخير” المنتج عام 1987 لمخرجه الإيطالي برناردو بيرولوتشي حدثاً سينمائياً ضخماً آنذاك، حيث حصد في سنة إنتاجه تسع جوائز أوسكار من ضمنها جائزة أفضل فيلم، ولم يكن غريباً أن صيته ما زال ذائعاً حتّى يومنا هذا.

تقع أحداث الفيلم في الشرق الأقصى، وتمتد على 5 عقود زمنية، وتحكي قصة بوبي الذي كان صبياً في الثالثة من عمره عندما جلس لأول مرة على عرش التنين كإمبراطور للصين، وسبع سنوات عندما تنازل عن عرشه.

يركز الفيلم على كلّ تلك الأحداث التي كانت خارجة عن إرادة الطفل من جهة، وكفيلة بتشكيل حياته إلى الأبد من جهة أخرى، ويشير من خلالها إلى انتقال الصين من عهد الإقطاع بعد الثورة ودخولها عهداً جديداً.

 

امبراطور العدم

عَوّدتنا السينما على ملاحم تتناول حياة أبطال خارقين وخيرين، لكن بوبي، على خلاف غيره من الأبطال، وُلد في عالم لم يسمح له بأي مبادرة، أي أنه كان إمبراطور اللاشيء، جاء لقبه من فراغ، وكانت كلّ شخصيات الفيلم تنظر إليه على أنه بيدق تحركه الأيادي الأخرى، أو على أنه ضحية تُستغل لأغراض الآخرين.

تتقاطع مشاهد الفيلم، بين مشاهد تتناول طفولة بوبي الذي أصبح إمبراطوراً للصين عام 1908 في مدينة تسمى “المدينة المحرمة”، وبين مشاهد جاءت في وقت لاحق من حياته بعد تولي الشيوعيين الصينيين للسلطة، واستيلائهم على بوبي واحتجازه في أحد المعسكرات.

ومع أن بوبي لم يسجن إلا على يدّ الشيوعيين إلا أنه، طوال سنواته كإمبراطور، كان مسجوناً، حيث يظهر في أحد المشاهد وهو يركب دراجة ويدور بها حول المدينة المحرمة، وعندما يقرر الخروج من المدينة نرى الحراس يستوقفونه مانعين إياه من الخروج، إنه إمبراطور لا يستطيع فعل شيء، وطفل لا يستطيع اللعب كالأطفال.

تمّ تصوير فيلم بيرتولوتشي في المدينة المحرمة داخل جمهورية الصين الشعبية، بعد أن منحته الحكومة الصينية إذن تصوير، والمدينة المحرمة هي مجمع كبير يعود بتاريخه إلى العصور الوسطى ويغطي مساحة 250 فداناً، بينما يحوي على 9999 غرفة.

في حالة هذا الفيلم، كان من الصعب فصل السرد عن الوجود الرائع لهذه المدينة المحرمة، وعن استخدام برتولوتشي المذهل للموقع والأزياء الأصيلة والآلاف من الإضافات لخلق واقع يومي يحاكي حياة هذا الطفل الصغير الغريب.

نرى مثلاً في بداية الفيلم الإمبراطور الطفل يحضر رعاياه مضطرباً، ثم يقفز عن عرشه بفارغ الصبر ويركض نحو الباب، وخلفه ستارة واسعة لونها أصفر، هذا اللون الذي كان مخصصاً لستائر الإمبراطور في الماضي. كما نرى في مشهد آخر مجموعة من الأتباع المخصيين، وهم مصطفين بدقة على مدّ البصر منتظرين أوامر الإمبراطور.

 

الإمبراطور البستاني

بعد أن تخلى بوبي عن السلطة رسمياً في عام 1912، ظلّ على عرشه لبضع سنوات كحاكم صوري ينفذ أجندات وأهداف حكام الصين الحقيقيين إلى أن تمّ طرده من المدينة المحرمة عام 1924 وهرب مع حاشيته إلى موطنه الأصلي منشوريا التي سيطر عليها اليابانيون فيما بعد.

ومع اقتراب الحرب العالمية الثانية، كان بوبي بمثابة دمية يحركها اليابانيون، بينما كانت زوجته (جوان تشين) قد أصبحت مدمنة على الأفيون، وعشيقة لإحدى الجاسوسات اليابانيات.

وبقي الوضع على حاله هذا حتّى سيطرة الشيوعيين على الصين، فقبض الروس على بوبي، وسلموه لحلفائهم الجدد؛ لكن الشيوعيين لم يعدموا بوبي، الصبي الذي لا يعرف كيف يربط حذائه أو يغلق صنبور ماء، بل أعادوا تأهيله بعد احتجازه في أحد المعسكرات، فنراه في آخر الفيلم يعمل بستانياً في بكين، ويعيش حياة طيبة بعد أن قضى سنواته كلها رجلاً عاجزاً لا يعرف فعل شيء.

وينتهي فيلم الإمبراطور الأخير بزيارة يذهب فيها بوبي المسن لزيارة المدينة المحرمة التي أصبحت قبلة للسياح، يرى بوبي طفلاً صغيراً يتسلل عبر الحبل المخملي ويتسلق إلى عرش التنين، ويطيل النظر بمزيج من المشاعر المعقدة فهو كان يوماً فتى هذا العرش، لكن حياته أصبحت بمثابة مفارقة حزينة، لم تتخذ نهاية إلا هذه المرثية الحلوة والمرة في آن.

ومع ان الفيلم لم يتحول إلى نقد لاذع للتاريخ السياسي الصيني لأن تصويره تم بمباركة الحكومة الصينية، لكننا لو تأملنا فيه قليلاً لوجدنا أوجه التشابه بين البلاط الإمبراطوري والصين الماوية ضخمة وواضحة، خاصة وأن كل أتباع الإمبراطور كانوا مخصيين، وربما أراد المخرج بإشارته إلى هذا التشابه أن يقول أن شكل الاستبداد قد يتغير، لكن الجوهر واحد.

 

قائمة المراجع:

  • https://www.theguardian.com/film/2009/apr/15/the-last-emperor
  • https://www.rogerebert.com/reviews/the-last-emperor-1987
قد يعجبك ايضا