بيروت .. واجهة ثقافية أو مدينة للطائفية؟

الاتحاد برس

إعداد: هيام العبدلله

بدأ العصر الذهبي لمدينة بيروت، عاصمة اللبنان، مطلع أربعينيات القرن المنصرم فأصبحت المدينة تمثيلاً صادقاً للروح التقدّمية في العالم العربي ومثالاً حيّاً على الحياة متعدّدة الثقافات أيضاً، كانت بيروت مركزاً للنشاط الفكري العربي لعدّة عقود، وحاضنة لجامعتين من أفضل الجامعات في البلاد العربية.

لكنّ الحالة الثقافية الاستثنائية لم تستطع أن تتفلَّت من ويلات الحروب، حيث فقدت المدينة طابعها القديم بالنسبة للعديد من روادها القدامى، أمّا اليوم فهناك وجّهتا نظر مختلفتين، إحداهما تتحدَّث باعتزاز عمّا كانت عليه بيروت في السابق عندما كانت مقصداً لمعظم صانعي السياسات والكتّاب المسرحيين والروائيين والشعراء والفنّانين في الشرق الأوسط، والآخر صوت شبابي أكثر راديكالية لا يزال يؤمن بروح بيروت وقدرتها على أن تظلّ الوجه النشط للعالم العربي، فأي الوجهتين تصدق؟

واجهة ثقافية أو مدينة للطائفية؟

مقابل وجهة النظر التي سادت بعدَ أن دوّى انفجار المرفأ في 4 أغسطس/آب 2020، والتي ترى أنّ “أسطورة بيروت” كسويسرا الشرق أو فسحة الحرّية والأمان والتعايش السلمي قد ولّت إلى غير رجعة وتمّ استبدالها ببيروت الاقتتال والخوف والتناحر الطائفي، ثمّة وجهة نظر أخرى لا تزال متشبّثة ببيروت المدينة الراقية والمنفتحة والمتنوّعة.

و الفنّان التشكيلي اللبناني أحمد السيّد (33 عاماً) واحد من القائلين بهذه الوجهة، وهو أحد الشبّان الذين لا يزالون يؤمنون بأنَّ بيروت هي الواجهة الثقافية الأولى في العالم العربي رغم كلّ ما مرّت به من مصائب وأزمات في الآونة الأخيرة، فيقول: “ما زالت بيروت محجاً للشباب والنخب المثقَّفة، وهذا يعود لتاريخها الطويل كملاذ ورقعة جغرافية لتعاطي الثقافة والفنّ بعيداً عن أنظمة الاستبداد، فهي تحوي العديد من المراكز الثقافية والفنّية، إلى جانب جامعتين من أهمّ الجامعات العربية: الجامعة الأمريكية في بيروت (AUB) والجامعة اللبنانية الأمريكية (LAU)، يمكنكِ القول أنّ الحياة عادت للمدينة بعد تفجير المرفأ، ولو أنَّ العديد من أهلها وسكّانها كانوا قد سافروا. “

يرى أحمد أن بيروت، ومنذ القدم، هي بمثابة حاضنة لجميع الشرائح والطبقات في المجتمع اللبناني وفي العالم العربي على وجوه العموم، فيقول: “لم يحدث أيَّ تحوُّل في حال المدينة، فما زالت مقصداً للجميع من فنّانين وسياسيين ومثقَّفين ومفكّرين وصحافيين وعائلات وسيّاح بمتاجرها المتنوّعة ومطاعمها، حيث ترين فيها المحال الغالية والمحال الشبابية ذات الأسعار المقبولة جنباً إلى جنب، هذا عدا عن المراكز الثقافية ودور النشر وغيرها، بيروت بدون مبالغة مركز ومقصد لكلّ من يريد الحياة.”.

ليست هذه التشكيلة وحدها هي ما يميّز بيروت من وجهة نظر أحمد، فيحدّثنا عن طابع خاص من العلاقات يتكوّن بين سكّان المدينة والوافدين إليها: “للعلاقات في بيروت طابع خاص نرى فيه الفنّانين والمثقَّفين والشباب يتكتَّلون في مجموعات لارتياد محالها بشكل دوري، بالنسبة لنا كلبنانيين أو حتّى كعرب فبيروت فسحة للحرّية والفرح، حتّى في عزّ الحرب الأهلية اشتهرت بيروت بمقاهيها التي كانت تعجّ بالمثقَّفين الأحرار في وطن الطائفية، وأظنُّ أن تفجير المرفأ لم يغيِّر كثيراً من حال المدينة، إذ سرعان ما استعادت رونقها.”.

“لا حلّ لنا سوى الهجرة”

كان لسلمان حمود (30 عاماً)، مصوِّر في إحدى القنوات اللبنانية، رأي آخر عن الحياة في بيروت بعد ثورة 17 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2019 وبعد حادثة انفجار المرفأ: “لقد كنت فرداً من الأفراد اللبنانيين الذين اتّخذوا قراراً بالنزول إلى الشارع في 17 أكتوبر، لكنّني كنت أدرك جيّداً أنّنا لن نستطيع تغيير الحال، لبنان بلد غارق بالطائفية والفساد ولا حلّ لنا سوى الهجرة.”.

لا ينظر سلمان إلى القضية اللبنانية كقضية صراع بين شعب وسلطة فقط، فيقول: “اللبنان أشبه بقالب الحلوى الذي يودّ جميع من في المنطقة تقاسمه حالها حال سوريا والعراق، الهجرة ستجعلنا نحظى بحياة أفضل كأفراد لكنّها لن تكون سبيلاً للعمل وإحداث التغيير كما يعتقد ويروّج البعض.”.

لا تعني عودة الحياة لبيروت بعد تفجير المرفأ عودة إلى ما كانت عليه حياة الشاب اللبناني قبل الحادث، فيحكي لنا سلمان: “كنا نعاني من مشاكل في السابق لكنّ الانهيار الاقتصادي جعل مشاكلنا مضاعفة، الأمر غير متعلّق بقدرتنا كشباب على قضاء ليال جميلة، فعلى الجهة الأخرى هناك انعدام في فرص العمل، بينما البنية التحتية للبلاد منهارة ذلك ناهيكِ عن هجرة العديد من الأصدقاء والذين كانوا جزءً لا يتجزَّأ من الحياة في هذه المدينة.”.

هل غاب الماضي الذهبي لمدينة بيروت؟

“بيروت أصبحت عبارة عن مكان آخر، وتفجير المرفأ لم يكن نقطة الفصل”

هكذا كان لهاني الدبس (61 عام) رأي مخالف لأحمد السيّد، وهاني شأنه شأن العديد من اللبنانيين القدامى لا يرى ببيروت اليوم تلك المدينة نفسها التي قامت على أنقاض الحرب الأهلية في الماضي، فيقول: “نشأت في بيروت ثقافات جديدة ومتنوّعة بأذواق وأساليب حياة مختلفة لم نعتدّ _نحن المحاربون القدامى_ عليها، كلّ يوم ألقي نظرة على مدينة بيروت ولا أرى فيها أيَّاً من الوجوه التي أعرفها فأشعر بحزن عميق.”.

ليس غياب الأصدقاء فقط هو ما يحزن هاني، فيضيف:

“لقد رحل الأصدقاء ولم يتوقَّف الأمر هنا، أُغلقت أيضاً كلّ المقاهي التي اعتدت على زيارتها، حتّى “مقهى المدينة” آخر ما تبقى من بيروت القديمة تمّ إغلاقه وتحويله إلى متجر للملابس”.

ويعود مقهى المدينة الذي تحدَّث عنه هاني إلى عام 1959، وهو أوّل مقهى رصيف في الشارع وأهمّ ملتقى للمثقَّفين اللبنانيين والعرب في الماضي على اختلاف مشاربهم وعقائدهم، حيث كان لفقدانه وفقدان بيروت القديمة أثراً كبيراً في نفس هاني:
“إنَّ فقدان الأصدقاء والمقاهي يعني لأمثالي فقداناً للماضي الذهبي الذي شهدته مدينة بيروت.”.
ومع أنّ هناك جدلاً محموماً يدور بين أجيال من اللبنانيين حول بيروت وطبيعتها كمدينة، إلا أنّها ما زالت مكاناً يقدّم بنسيجه الثقافي والاجتماعي المتباين تجربة عاطفية وجمالية لكلّ من يزوها.

قد يعجبك ايضا