بيروت وقد انفجرت .. سوريا وقد احترقت

 

 

في الفترة السوداء التي حكم فيها حافظ الأسد كلاً من سوريا ولبنان، كانت وسائل الإعلام في البلدين “الشقيقين” تتناقل عنه عباراته الشهيرة عن “تلازم المسارين” و”شعب واحد في بلدين”. والحال، أن هاتين العبارتين ما زالتا حاضرتين اليوم رغم مرور عقدين على موت المذكور، وكأن قدر البلدين هو ألا ينعما بخلاص إن لم يكن منه، فعلى الأقل من عباراته.

حرائق تجتاح سوريا، وحرائق وانفجار يضرب ميناء بيروت. ميناء طرطوس هو اليوم بيد الروس، وميناء بيروت هو بيد حسن نصر الله ونترات أمونيوم الأصفر الخميني. ليس أبلغ على فعل “التلازم” من هذه الكوارث التي تنكّل بالبلدين معاً.

ميشيل عون يصرح أن التعامل مع نترات الأمونيوم هو خارج صلاحياته، والنظام السوري يقف متفرجاً، بطبيعة الحال، على حرائق سوريا.

منذ اللحظات الأولى لانفجار مرفأ بيروت، وقبل أن تتضح ملابسات الحدث وبروز مادة الأمونيوم، أشار الكاتب حازم صاغية إلى الدلالة الفاقعة التي يحملها هذا الحدث. ففي أعقاب الكارثة اللبنانية تسابقت أقطاب السلطة السياسية إلى تأكيد عدم معرفتها المسبقة بوجود هذه المادة، كما أكد على سبيل المثال السيد حسن نصر الله في إحدى إطلالاته التي تكثفت في الآونة الأخيرة، مؤكداً عدم علاقته وحزبه بجميع القضايا المتعلقة بالمرفأ. وإمعاناً منه في دحض التهمة والمسؤولية عنه، قال علناً إنه يعرف عن مرفأ حيفا أكثر مما يعرف عن مرفأ بيروت.

من جانبه، أطلّ السيد جبران باسيل متقبلًا كل الاتهامات والسخرية من إحدى الإعلاميات على شبكة “CNN” الإخبارية، تقبل خلالها الاتهامات الصريحة من الصحفية بالمسؤولية التاريخية عن هذا الحدث، واستغل تلك المقابلة ليؤكد براءته من الجريمة، معتبراً أن التحقيقات سوف تتيح وضع المذنب أمام القضاء، بالإضافة إلى الابتسامة الراضية التي استطاعت أن ترصدها إحدى العدسات على محيّا السيد نبيه بري رئيس مجلس النواب.

في الجارة والشقيقة الكبرى سوريا، كان الوضع مختلفاً نسبياً. ففي لبنان ثمة حكومة، وفي سوريا ثمة نظام. والفارق بين المصطلحين شاسع كما من خلال تجليات ممارسات كل منهما، على كارثية تلك الممارسات. وقف النظام السوري متفرجاً أمام حرائق هائلة ابتلعت مساحات شاسعة من سوريا، جزء من تلك المساحات كانت قد أحرقتها نيران النظام ذاته سابقاً.

وتزامن ذلك التوسع في رقعة الأرض المحروقة مع تصريح لرأس النظام السوري، بشار الأسد، رحّب فيه بتوسع إضافي للروس في سوريا والمنطقة. هذا التزامن يقول الكثير، من حيث علاقة الروس مع الأرض المحروقة منذ عام 2015 وحتى اليوم.

وعطفاً على كل ما سبق، ثمّة مقاربة أخرى للشأنين السوري واللبناني على لسان وسائل إعلام روسية حين شبّهت زيارة لافروف لسوريا بزيارة ماكرون للبنان، في ظل سيطرة استعصاء التغيير في كلا البلدين.

وفي ظلِّ وجود نواة صلبة للسلطة في كل من سوريا ولبنان هي على التوالي: نظام الأسد وحزب الله. وها هو المخاض العسير الذي تمرّ فيه قضية ولادة حكومة لبنانية معبّرة عن إرادة الشعب اللبناني بعيداً عن رموز النهب والفساد والقمع التاريخي، وأيضاً، ولادة نظام جديد في سوريا عبّر عن ممانعته له، وعلناً، وزير خارجية الأسد وليد المعلم بقوله ما معناه أن لا علاقة للانتخابات الرئاسية المقبلة في البلاد بمسار اللجنة الدستورية. عموماً لم يخطئ السيد وزير الخارجية، فالحدث المرتقب في سوريا أبعد من أن يكون ذو صلة بأية فعالية سياسية سورية لا من جانب النظام ولا من جانب المعارضة، كما هو الحال بما يخص تشكيل الحكومة اللبنانية اليوم.

قبل 15 عاماً، كتب الشهيد سمير قصير نصوصاً بالغة الدقّة عن العلاقة بين قضية التغيير في سوريا ولبنان وتأثير كل منهما على الآخر في حال انطلقت عجلة التغيير في أي منهما. اليوم، تعود هذه الفكرة إلى الحضور بقوة لكن عبر استعصاء التغيير وليس عبر انطلاقته أو دوران عجلته، وكأن قدر الشعبين هو الإحباط، وليس العكس كما كتب سمير نفسه ذات مقال.

قد يعجبك ايضا