سائقو السرافيس في اللاذقية يبيعون مخخصات المازوت .. لم تعد الإجرة جايبة همها

مستثمرو الكراجات عرّابو المخالفات .. سرقة على المكشوف

الاتحاد برس_خاص
سام نصر

 

  • الناس مكدوس مرصوص في الكراجات
  • عملية البيع والشراءللمازوت
  • دور مستثمرو الكراجات
  • حساب الأرباح

تُعاني جميع المدن والقرى والمناطق الواقعة تحت سيطرة حكومة دمشق من أزمات ازدحامٍ تُنهِكُ مُنتظري السرافيس ووسائل النقل العامّة من جهة، وأزمة “طوابير” أمام محطات الوقود لتلك الوسائل ذاتها والسيارات التي تعمل بواسطة مادة المازوت من جهةٍ أخرى.

الأزمات تلك يُرجعها سُكّان الداخل السوري للقرارات الحكومية التي خصّصت كميّةً محدّودًة لكل وسيلة نقلٍ، إضافةً لقطع المادة عن السوق قبيل كل إعلان عن رفع أسعارِ الوقود، ومن ثمَّ تظهرُ المادة من جديد مع ارتفاعٍ بالسعر حتى الوصول لأزمةٍ جديدة وتعود الحكاية من البداية.

تجارة المازوت “ببيع وبقعد ببيتي مرتاح!”

قرارات الحكومةِ ليست وحدها أمام تلك الأزمات والمآسي، فما يحصل اليوم على خطوط السير والغياب شبه الكامل لوسائل النقل يبدو غيرَ مفهومٍ للكثيرين، مادفعَ مراسل “الاتحاد برس” للتحقيق وراء ذلك في محافظة اللاذقيه ومدينة جبلة ورصد مايجري.

تعبئة المازوت في كراج جبلة/ خاص الاتحاد برس
تعبئة المازوت في كراج جبلة/ خاص الاتحاد برس

بعد لقاءاتٍ كثيرةٍ وسماع الآراء ومراقبة مايحصل في كراج مدينة جبلة، تبيّنَ أن مخصّصات كل “سرفيسٍ” هي ٤٥ ليترًا بشكل يومي، يتم تعبئتها من الكراج الجديد عند مدخل المدينة ومن ثمَّ ينطلقوا للعمل اليومي.

الأزمة تبدأ عندما يخرجُ سائقو السرافيس للبدء بأول نقلة ركّاب أو حتى بدونِ أيّ راكبٍ، ومن ثمَّ يبيعون مخصصاتهم ويجلسون في منازلهم، مُتناسينَ كل الناس الذين يجلسون على الطرقات دونَ آذانٍ حكوميةٍ صاغية.

أحد أصحاب الكولبات داخل الكراج المُتابع باستمرار لجميع وسائل النقل التي تدخل وتخرج، في حديثه لـ “الاتحاد برس” أكّدَ أن أكثر من ٩٠٪؜ من السرافيس تقوم بالتعبئة ومن ثمَّ تغيب حتى اليوم التالي وقت التعبئة الجديدة، دونَ أي حسيب أو رقيب.

الشّاب الذي فضّل عدم الكشف عن نفسه، أضاف: “مئات الأشخاص على جميع الخطوط يقبعون على مواقف الانتظار تحت الشمس والمطر وكثير من الأحيان لايأتي أي سرفيس لينقلهم إلى بيوتهم أو أماكن عملهم، مما يجبرهم على الركوب بتكسي ودفع مبلغ أكبر من طاقة الكثيرين منهم مُجبرين”.

عناصر الشرطة اللاعب الأهم

تلك الممارسات التي يقوم بها سائقو السرافيس ببيعهم حصص المازوت الخاصة بهم، وترك الركّاب قابعين في الشوارع، لا تقلُّ سوءًا عمّا يفعله المراقبون في الكراجات وعناصر الشرطة المسؤولون عن دخول وخروج جميع وسائل النقل من الكراجات، حيثُ يُفرض على الضابطُ المسؤول عنهم وضع ختم واحد في كلِّ مرّةٍ يخرج فيها السائق برحلةٍ جديدة، بهدف “مكافحة تلك الممارسات”.

“أبو علي/اسم مستعار” أحد سائقي السرافيس على خط جبلة اللاذقية، شرحَ لمراسل “الاتحاد برس” كيف تتم عمليات البيع والشراء، “مُفتخرًا بما يفعله”، حيثُ أوضح: “نحصل على 45 ليترًا كل يوم بمبلغ 180 ليرةً وندفع 400 أو 900 للشخص المسؤول عن التعبئة من أجل السرعة في أخذ الدّور، أي أننا ندفع 8500 أو 9000 يوميًا ثمن مخصصاتنا”.

ازدحام الركّاب في اللاذقية/خاص الاتحاد برس
ازدحام الركّاب في اللاذقية/خاص الاتحاد برس

يتابع “أبو علي/اسم مستعار”: “أجرة النقل كانت 200 وأصبحت اليوم 250، أي أننا نحصل في كل نقلة على 3500 ليرة من الركّاب، وهذا مبلغ قليل جدًا، لأننا ندفع ثمن مازوت وزيت وعجلات وتصليح وعمولة للخروج والدخول من الكراج في جبلة واللاذقية (كراجيّة) ورشاوى لشرطة المرور يوميًا، أي أننا تقريبًا نخرج خاسرين بعد عمل يوم كامل”.

ويضيف السائق ذو الـ45 عامًا: “قلّة الأُجرة وعدم رفعها يدفعنا لبيع تلك المخصصات، والجلوس في منازلنا بدون تعب ودونَ الحاجة لأي مصاريف أخرى”، مُوضحًا أن العملية تتم عن طريق دفع مبلغ قيمتهُ 3000 ليرة يوميًا للضابط المسؤول عن الخروج من الكراج مُقابل أن يقوم بوضع 8 أختام يوميًا، بمعنى أنني قادر على إثبات أنني خرجت ودخلت من الكراج 8 مرّات، في حال تعرّضت للمسائلة”.

لمن البيع ؟

لقاءٌ آخر مع أحد أصحاب صالات الألعاب في حي الزراعة، أوضحَ أنه: “من الصعب جدًا الحصول على المازوت لتشغيل المولّدة الكهربائية في ظلِّ تخصيص كميّات مُحدّدة لكل فردٍ أو عائلةٍ وبوجود تقنينٍ كهربائيٍّ جائرٍ، لذلك منذُ نحو أسبوعين اتّفقت مع سائق سرفيس يعمل على خط اللاذقية صلنفة. يبيعني كل يوم كميّة معيّنة مقابل 1500 ليرة للّيتر الواحد، وهوي يشتريه بـ180 ليرة، وبذلك تكون الفائدة للطرفين، أنا لاأُغلق صالتي ولا يتوقف عملي، وهو يحصل على فائدةٍ كبيرةٍ”.

الشابُّ يتابع: “السائق قالَ لي أنه سيبقى يبيعني هذه الكميّة دائمًا، كما أنه يبيع الكمية المُتبقية لديه لأصحاب الشاحنات الكبيرة بدلًا من شرائهم لمازوت الأوكتان بـ2000 ليرة، وبذلك يحصل على الرّبح ذاته، وبأقل مجهودٍ”.

ازدحام الركّاب في اللاذقية/خاص الاتحاد برس
ازدحام الركّاب في اللاذقية/خاص الاتحاد برس

وفي حساب تلك العملية، فإن كل سائق يبيع مخصصاته (45 ليترًا) بـ67.500، مقابل شرائه مخصصاته بـ9000 ليرة، أي أنه يربح 58.500، إضافة لـ 3000 ليرة تذهب يوميًا لضابط الكراج أي أن ربح السائق اليومي النهائي 55.500 ليرة دونَ أي مجهودٍ، وكلما كانَ الخطُ أطول، كلما زادت الكمية المُخصصّة من المازوت، وهذا يتناسب طردًا مع نسبة الربح.

في المُقابل، فإن الضابط المسؤول يحصل على 3000 ليرة من كل سرفيس، علمًا أن خط جبلة اللاذقية “مثلًا” يعمل عليه أكثر من 150 سرفيس، ناهيك عن الخطوط الأخرى التي تتم فيها العملية ذاتها، أي أنه بأقل تقدير فإن ربح الضابط يوميًا لايقل عن نصف مليون ليرة سورية.

العملية تلك لاتتم فقط على خطوط جبلة اللاذقية فحسب، بل وتجري في اللاذقية أيضًا، وفقَ ماأكّده شابٌّ يعمل على خط سقوبين. الشاب شرحَ العملية ذاتها وبالمبالغ ذاتها بالضبط، ولكن بدلًا من حصولهم على 45 ليترًا، فإنهم يحصلون على 40 ليترًا ويبيعونهم بالمبلغ ذاته، ولمن لديه شاحنات أو سيارات مازوت أو مولّدات وغيرها.

مخالفات أصحاب السرافيس تسبب معاناةِ كبيرةٍ للسكّان الذين ينتظرون يوميًا أيةَ وسيلة نقلٍ للوصول إلى أماكن عملهم ومن ثم العودة لمنازلهم، وكل ذلك أمام أعيُنِ مسؤولي السلطات المحلية وأمامَ غضِّ نظرٍ واضحٍ (لربما مُقابلَ حصّةٍ مُعينة)، مُتناسيين مآسي هؤلاء السوريين الذين تضربهم اليوم أفظعَ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في ظلِّ وصول الدولار الأميركي للـ4500 وارتفاع جميع السلع والمُنتجات.

قد يعجبك ايضا