تاريخ الجنس من المشاع الجنسي وحتّى الثورة الجنسية

 

الإثارة الجنسية، الشذوذ الجنسي، النرجسية، الشهوة الجنسية، لقد اشتقت كلّ هذه الاصطلاحات من لغة اليونان القديمة، وكان بوسعها أن تخبرنا الكثير من الحكايات عن حياة اليونانيين القدماء، فهم من كتبوا أسطورة “أفروديت”، آلهة الجنس التي خرجت من السائل المنوي لخصيتي والدها، وهم من كتبوا أيضاً قصة “هرقل” الذي كان يأتي 50 عذراء في الليلة الواحدة.

 من المشاع الجنسي إلى التأثيم

ازدهرت ثقافة ممارسة الشذوذ الجنسي في أثينا منذ أوائل القرن السادس، حيث اتخذ الرجال البالغون من الأولاد المراهقين أحباءً لهم، بينما كانت النساء عموماً ملكاً للرجال وكانت المحظيات منهن يتمتعن بالسلطة والثروة، بينما وجدت الزوجات المهملات بدورهن طرقاً لإشباع رغباتهن حيث عرف اليونان القديم القضبان الاصطناعية.

أما في روما كما في أي مكان في العالم القديم، تبعت الزوجات والأطفال رجل الأسرة، وكان من الممكن أن تُقتل المرأة المتلبسة بفعل الزنا فوراً على يدّ زوجها، في حين كانت تُطلق وتُسلب أطفالها إذا شربت كحولاً بكميات كبيرة، مع ذلك كان البغاء منتشراً وقانونياً وكانت تقام له المهرجانات التي يخرج كلّ سكان روما في خضمها عن أعرافهم وعن قوانينهم وعاداتهم الاجتماعية.

في سنوات ما بين 400 و1000 بعد الميلاد سيطرت الأخلاق المسيحية على الفكر الغربي، والتي ربطت الشهوة والجنس بالخطيئة الأصلية لآدم وحواء، ومن ثم تم اعتبار سفاح القربى والاستمناء والجنس الفموي والمثلية الجنسية جميعها آثاماً تعاقب عليها الكنيسة، ولم يتم التسامح مع الجنس إلا ضمن إطار الزواج ولأغراض إنجابية، فتحول بعدها إلى نشاط محفوف بالخطر والخوف.

 الكنيسة مكتوفة الأيدي

بعد انتشار مرض الزهري في جميع أنحاء أوروبا في القرن السادس عشر اتضح أن العديد من الرجال والنساء لم يتحلوا العفة كما اعتقدت الكنيسة، حيث كانت بيوت الدعارة تملئ القارة الأوروبية وقد قبلت الكنيسة الموقف على اعتباره شراً لا بدّ منه.

لكن الأمور أخذت منحى آخر، إذ يكشف الرسم والنحت الإيطاليان في عصر النهضة إعادة إحياء فن العصور القديمة عندما كان يتم تعبد الجسد العاري والدعوة إلى الغرق بالملذات بدلاً من اعتبارها آثاماً، كما وتمّ التسامح مع المثلية الجنسية بينما عرض ملك لندن “جيمس الأول” في سابقة من نوعها عشيقته دوق باكنغهام على العامة.

وعلى الرغم من أنه تمّ إصدار قانون يعاقب مثليي الجنس بالإعدام إلا أنّه لم يدخل حيز التنفيذ فعلاً، وتمكن دوق ساذرلاند مثلي الجنس من الارتقاء إلى منصب رئيس الوزراء ولم يجبرعلى الاستقالة إلا عندما بدأ وأصدقائه نشر قصص عن المثلية الجنسية، ولم يمنع هذا الأدباء أمثال “ماركيز دو ساد”  من الكتابة عن الجنس، حتّى أن “السادية الجنسية” اشتقت فيما بعد من اسمه.

في القرن التاسع عشر أصبحت الدعارة أكثر انتشاراً مما مضى، وفي عام 1839، في لندن، المدينة التي يبلغ تعداد سكانها مليوني نسمة تم تقدير عدد البغايا بحوالي 80 ألف فتاة، وقد وصلت بعض المحظيات منهن إلى أعلى المستويات في المجتمع، لكن المرض التناسلي كان منتشراً وأصاب عدد كبيراً من سكان البلاد من بينهم “راندولف تشرشل” والد “وينستون تشرشل”.

وبحلول ثمانينيات القرن التاسع عشر كانت الأحكام المخففة على مثليي الجنس قد صدرت فعلاً، وكان لموقف الفيكتوريين المرتبك اتجاه القضايا الجنسية تداعيات طويلة الأمد ستستمر حتّى القرن العشرين.

الثورة الجنسية

لم تظهر أي تصدعات حقيقية بقانون العفة الفيكتوري إلا بعد الحرب العالمية الثانية، فقد كشفت إحصاءات أُصدرت عام 1948 أن 69% من الرجال في الولايات المتحدة الأمريكية قد زاروا بيوت الدعارة، وأن 50% من الأزواج لم يخلصوا لزوجاتهم، وانتشرت بعد ذلك بفترة قصيرة حبوب منع الحمل فاستطاعت النساء الانغماس في الجنس من أجل المتعة بشكل أكبر، وأدت كلّ هذه الأمور مجتمعة إلى انطلاق ما نسميه بـ “الثورة الجنسية”.

أثر وصول فايروس الإيدز المميت إلى الغرب أيما تأثير على الحريات الجنسية في الثمانينات، ما دفع الجماهير الغربية إلى إرسال رسالة لمجلة التايم عام 1988 تحت عنوان “دعوة إلى العودة للمعيار الأخلاقي المتخوف من الله في الأمس” لكن معركة هؤلاء المحافظين كانت خاسرة.

اليوم، تُظهر الأرقام الجديدة لمنظمة الصحة العالمية أن 39% من الفتيات البريطانيات يمارسن الجنس دون السنّ القانونية، أما في أوروبا فالنسبة هي 34%، قد لا يتفق العديد منا مع هذه الممارسات، لكنها كفيلة بتأكيد أن الثورة الجنسية ما زالت مستمرة وقائمة.

قد يعجبك ايضا