تايوان و”الرقائق الإلكترونية”.. حرب متجددة بين الولايات المتحدة والصين

الاتحاد برس_ حنين جابر

 

  • الصين والولايات المتحدة مناوشات مستمرة
  • حرب “الرقائق الالكترونية” الباردة
  • أزمة نقص الرقائق الإلكترونية

 

الحرب على شركات التكنولوجيا الصينية تمثل أحد أهم سمات المواجهة الأميركية الصينية منذ أن بدأت إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب في تصنيف عدد من شركات التكنولوجيا الصينية بأنها تهديد للأمن القومي الأميركي. ويشبه التحكم في تصنيع الرقائق /أشباه الموصلات/ خلال القرن الحادي والعشرين التحكم في إمدادات النفط بالقرن العشرين. يمكن للدولة التي تتحكم في هذه الصناعة أن تخنق  القوة العسكرية والاقتصادية للدول الأخرى.

يولي مسؤولو إدارة بايدن الملف الصيني، اهتمامًا خاصًا ولاسيما مسألة تايوان. ويحاولون تحديد ما إذا كان “الغموض الاستراتيجي” كافيًا لحماية الجزيرة المعرضة للخطر بشكل متزايد من مخططات بكين. و”الغموض الاستراتيجي”، هو توازن دقيق يهدف إلى تجنب استفزاز بكين أو تشجيع تايوان على إعلان رسمي للاستقلال يمكن أن يؤدي إلى غزو صيني.

يتجاوز إنتاج تايوان 70 بالمئة، من الإنتاج العالمي لأشباه النواقل. وتمثل أشباه الموصلات “النواقل” (Semi Conductors) ورقائقها، محور الطموحات التكنولوجية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة والصين بشكل متبادل، فكل شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى تعتمد على الرقائق الأميركية، في الوقت ذاته لا يمكن للشركات الأميركية النجاح وتحقيق نمو من دون العملاء الصينيين.

لقد تعهدت وزيرة التجارة الأمريكية جينا ريموندو يوم أمس الأربعاء بمواصلة الحرب التجارية العدوانية لإدارة ترمب مع الصين، قائلة إنها ستعمل “بقوة قدر الإمكان لحماية العمال والشركات الأمريكية من الممارسات الصينية غير العادلة”.   

الصين والولايات المتحدة مناوشات مستمرة

على إثر ذلك، تستمر المناوشات الصينية الأميركية، بشأن هذه الجزيرة، إذ ألقت بكين اليوم الخميس، المسؤولية في نشوب توتر بشأن تايوان، على الولايات المتحدة بعد أن أبحرت سفينة حربية أمريكية قرب الجزيرة (تايوان) التي تعتبرها الصين جزءًا من أراضيها. ظهر رد الصين على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، تشاو ليجيان، في إفادة يومية، أن السفن الأمريكية التي تشارك في “استفزازات، تبعث برسائل خاطئة وخطرة لقوى الاستقلال في تايوان وتهدد السلام والأمن في مضيق تايوان”.

مع تنامي قوة الصين وطموحها ، وتقييم بكين أن واشنطن ضعيفة ومشتتة ، يدور نقاش حول ما إذا كان ينبغي على الولايات المتحدة أن تلتزم بشكل أوضح بالدفاع عن الجزيرة ، جزئيًا لتقليل مخاطر سوء التقدير من قبل الصين التي يمكن أن تؤدي إلى حرب غير مرغوب فيها. لطالما تجنبت الولايات المتحدة قول كيف سترد على مثل هذا الهجوم. بينما تدعم واشنطن تايوان بالاتصالات الدبلوماسية ومبيعات الأسلحة وحتى المناورات العسكرية. لا يوجد  اتفاقية أمنية تجبر الولايات المتحدة على إنقاذ تايوان.

ينص قانون الكونغرس لعام 1979 على أن “أي جهد لتحديد مستقبل تايوان بطرق أخرى غير الوسائل السلمية” سيكون مصدر قلق شديد للولايات المتحدة.

يحذر المسؤولون الأمريكيون من أن الصين تزداد قدرتها على انتهاك ديمقراطية تايوان، التي يبلغ عدد سكانها ما يقرب من 24 مليون شخص ، وتقع على بعد حوالي 100 ميل من ساحل الصين، والتي استحوذت وضعها على بكين منذ انسحاب القوميين الصينيين وشكلوا حكومة هناك بعد الدولة الشيوعية عام 1949. ثورة.

قال ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية: “اعتقد أنه كان هناك تحول في تفكير الناس”. “ما رأيته خلال العام الماضي هو تسارع القلق في الولايات المتحدة بشأن تايوان.” ووصف إحساسًا بأن “هذا الوضع الحساس الذي بدا أنه تمت إدارته بنجاح أو تم ضبطه لعقود من الزمان ، استيقظ الناس فجأة على احتمال أن تلك الحقبة قد وصلت إلى نهايتها”.

حرب “الرقائق الالكترونية” الباردة

إن المعركة على الرقائق الإلكترونية، والاهتمام الكبير الذي تمَّ إعطاؤه لهذه المسألة خلال الأيام الأولى لإدارة بايدن فُرض على البيت الأبيض الجديد بحكم الضرورة. فقد أجبر النقص العالمي في الرقائق، الذي يرجع جزئياً إلى تخزين الصين هذه الرقائق، بالإضافة إلى ارتفاع الطلب عليها خلال الوباء، بعض شركات صناعة السيارات الأمريكية والأوروبية على إغلاق المصانع. وكشف أيضاً نقاط الضعف في سلاسل التوريد الأمريكية، في ظل اعتمادها الشديد على عدد قليل من الشركات المصنعة في آسيا.

فقد بدأت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تتحرك لوضع أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل التالي في صلب استراتيجية الولايات المتحدة تجاه آسيا، في محاولةٍ لحشد ما يسميه مسؤولو الإدارة “الديمقراطيات التكنولوجية” بغرض الوقوف في وجه الصين وغيرها من “أنظمة الاستبداد التكنولوجية”.

وأصبح هذا الإطار الجديد للتنافس الأمريكي مع الصين ملحَّاً بسبب النقص المفاجئ على مستوى العالم في الرقائق الدقيقة اللازمة في منتجات، مثل: السيارات والهواتف المحمولة، الأجهزة الإلكترونية المختلفة وحتى الطائرات والصواريخ. لذلك ستسعى هذه الاستراتيجية إلى حشد تحالف من الدول التي تحاول جاهدةً لتتفوَّق في تصنيع أشباه الموصلات، والحوسبة السحابية، مما يؤدي إلى التأثير بشدة على ساحات المنافسة التقليدية التي تتعلق بمخزونات الصواريخ، وأعداد القوات.

أزمة نقص الرقائق الإلكترونية

منذ أشهر وأزمة نقص الرقائق الإلكترونية تشغل بال الدول الصناعية الكبرى، لتهديدها بخسائر كبرى في قطاعات عديدة، من السيارات إلى الهواتف الذكية والأجهزة المحمولة والصناعات التحويلية عمومًا.

كان بارزاً ما صرح به مسؤول كبير في جمعية صناعة أشباه الموصلات الصينية في 17 مارس/ آذار الجاري، وقوله إن العالم يمر بنقص غير مسبوق في الرقائق، بعد نمو مبيعات أشباه الموصلات 18% خلال العام الماضي. يقول تشو زي شيوي، رئيس الشركة الدولية لتصنيع أشباه الموصلات، في تصريحات خلال مؤتمر “سيميكون الصين”: “يتعين علينا تعزيز تعاوننا، وأن نولي اهتمامًا أكبر بالابتكار. هذه هي الطريقة الوحيدة حتى تتمكن صناعتنا من إدارة التحديات التي تواجهنا”.

بدورها، أشارت “بلومبيرغ” إلى أن كميات بعض الطرازات من هاتف “آيفون 12” كانت محدودة بسبب نقص المكونات، بينما عُزيَت الصعوبات في الحصول على جهاز “بلاي ستايشن 5” من “سوني” وجهاز “إكس بوكس” الأخير من “مايكروسوفت” إلى النقص في بعض الرقائق.

وتتسم سلسلة توريد أشباه الموصلات بالتعقيد. فالشركات الأميركية العملاقة التي تزود الشركات المصنعة للإلكترونيات الاستهلاكية بهذه الشرائح، تصمم المكونات ولكن في الغالب لا تصنعها. حيث تصنع معظمها في آسيا. تحوز الشركات التايوانية كشركة “تي إس إم سي” و شركة “سامسونغ” الكورية الجنوبية، معظم خطوط الإنتاج. حيث تحوز الشركات التايوانية على ما يزيد عن 70 بالمئة من الإنتاج العالمي للرقائق الإلكترونية في العالم عبر شركتين، بينما تحوز شركة سامسونغ على نسبة 18بالمئة.

ويواجه المصنعون أيضًا صعوبة في تلبية الطلب من القطاعات المختلفة، إذ إن التغيير في وضع الإنتاج والظروف المناخية المختلفة يؤثر بشكل كبير على معدلات الإنتاج والتي قد يستغرق إعادتها لمستواها المعتاد شهورًا. في ظل هذا الواقع، فإن تايوان، التي تضم بعض أحدث مسابك أشباه الموصلات، وجدت نفسها تحت ضغط من شركات صناعة السيارات والحكومات. بالإضافة لما تواجهه تايوان حالياً من أزمة جفاف حادة لم تصبها منذ منتصف القرن الماضي، الأمر الذي أدى إلى انخفاض توريدات الرقاقات الإلكترونية كونها تتطلب كميات كبيرة من المياه لإنتاجها.

وفي الوقت نفسه، وفقاً لتقرير نشرته رابطة صناعة أشباه الموصلات ،، فإن الأمر يتطلب ما  لايقل عن20 مليار دولار لبناء مصنع رقاقات كبير بمعدات أكثر حداثة. وهو أكثر من مجرد حاملة طائرات جديدة أو محطة طاقة نووية.

ستظل صناعة أشباه الموصلات قطاعًا بالغ الأهمية، على الأقل في المستقبل المنظور، ومسألة جيوسياسية عالية المخاطر ، ومصدرًا للتوتر بين بكين وواشنطن وتايوان.

يجادل الكثيرون بأن الضغط الأمريكي على الصين في مجال أشباه الموصلات سيعني في النهاية أن الشركات المحلية ستكثف جهودها وتتغلب على التحديات العديدة. لكن التقدم في هذا المجال والاستغناء عن الاعتماد على الشركات الخارجية يواجه تقدمًا أبطأ، كون عمليات التصنيع ستستمر  لفترة زمنية طويلة عقدًا على الأقل أو أكثر.

هذا تحديدًا ما يجعل تايوان جزءًا مهمًا في المواجهة الاقتصادية بين العملاقين الأمريكي والصيني، وبغض النظر عن معركة استقلال تايوان عن الصين، وما يرافقها من ضجيج دبلوماسي وإعلامي أحيانًا وصمت وسكون أحيانًا أخرى، فإن المعطيات تشير إلى أن الصين تستثمر وبكثافة في تايوان، واضعة نصب عينها صناعة الرقائق الإلكترونية، ودورها الراهن والمستقبلي في حسم الصراع المتعلق ب لمن ستؤول قيادة الاقتصاد العالمي.

 

قد يعجبك ايضا