تجربة سريعة مع داعش

تجربة سريعة مع داعشتجربة سريعة مع داعش

علي اغوان

كانت الشمس مشرقة لكني لم اكن اشاهد سوى الظلام:
……….

في مثل هذا اليوم تحديدا ٢٠١٤/٦/٩ كان لدي امتحان نهاية الكورس الثاني لمرحلة الدكتوراه في بغداد جامعة النهرين كلية العلوم السياسية، تلقيت اتصالاً قبل هذا اليوم بضرورة الحضور في اليوم التالي الى اربيل لغرض اجراء مقابلة في جامعة اهلية اعمل بها لحد الان.
………

غادرت بغداد بعد اتمامي الامتحان وتحديداً في الساعة ١ ظهرا وانا لم انم لما يقارب ٢٠ ساعة ماضية بسبب الاستعداد للامتحان، وصلت اربيل الساعة ٨مساءً، ذهبنا لتناول العشاء انا وصديق طفولتي دلير الزيباري في احد مطاعم اربيل واخذنا بالحديث عن ايام الطفولة وسنوات اللعب والمدرسة والمنطقة والاصدقاء من ثم ذهبت معه الى بيته لابات عنده حتى الصباح من ثم لاذهب الى المقابلة المحددة.
………

وضعت راسي على المخدة واذا باخي محمد يتصل بي من الموصل وتحديدا في الساعة الثانية عشر وربع ويقول لي بالحرف الواحد (الجيش انهزمو وعافونا والارهابيين فاتوا عالموصل وكلشي غاح)، سقطت الموصل ، حقيقةً الخبر صعقني وصدمني صدمة عمري، لم اصدم هكذا صدمة على الاطلاق. بقيت مستيقظاً حتى الصباح لاتابع ما يجري مع انهيار كامل بالاعصاب والحالة النفسية.
……..

اتممت ما يقارب ٤٠ساعة من عدم النوم. ذهبت في الساعة العاشرة الى المقابلة وانا في حالة تعب شديد. اتممت المقابلة وتم قبولي فعلا في الجامعة. غادرت اربيل في الساعة الواحدة ظهرا متجها الى بغداد وعلي ان ادرس في الطريق مادة الامتحان التالي في اليوم التالي (كانت المادة اسمها التغيير في النظام الدولي).
……….

صعقت مرة اخرى حين وصلت الى كركوك متجها الى ديالى من ثم بغداد حينما شاهدت الجيش ينسحب ذلك الانسحاب الذليل حيث كانوا يركبون في سيارات كبيرة ومكدسين فوق بعضهم بملابس مدنية رثة ومنزوعي السلاح الا القليل منهم. شاهدت ما يقارب ٢٠٠ سيارة كل سيارة كانت تحمل ما يقارب ١٥الى ٢٥ جندي وضابط. (هذا فقط من خط واحد للانسحاب حيث كان هناك خط اخر باتجاه دهوك واربيل وبغداد ايضا).
……….

كان المنظر مؤلماً جداً حد البكاء لاني اؤمن بالدولة وبمؤسساتها (لا اقصد الدولة العراقية فحسب بل اقصد سلطة الدولة التي يجب ان تكون دائما فوق كل شيء) ، شعرت وكان الزمن سيتوقف حينها وفعلا كان شعوري صحيحاً فقد توقف فعلا. وصلت الى بغداد بحدود الساعة ٦عصرا لاشاهد بغداد في حالة هيجان امني كبير جدا. بقيت في بغداد ٥ ايام اخرى واتممت جميع امتحاناتي لاعود الى اربيل بطائرة بعد انهيار الوضع الامني في تكريت وانقطاع الطرق المؤدية الى الموصل وديالى وكركوك.
……….

بقيت في اربيل عشرة ايام لاعود بعدها الى الموصل، دخلتها بعد احتلالها وكانها مدينة يسكنها الموت في كل مكان ، كانت الشمس مشرقة لكني لم اكن اشاهد سوى الظلام وبعض الارهابيين بقلة منتشرين في الشوارع بشكل خفيف. لو كان لدينا قوة من ١٠ الف جندي مدربين تدريباً عالي المستوى حينها لاستعدنا المدينا بساعات قليلة بسبب هزلية التنظيم وعدم تحضيره اساسا لاحتلال المدينة بالكامل حينها.
………

وصلت الى البيت في الموصل وبدأت حالتي النفسية تتراجع اكثر من السابق. خرجت ما يقارب الخمس مرات لاتجول في المدينة ولكي اقيس ماذا يمكن ان يحدث فيها. كنت اشاهد اعلام داعش السوداء وكانها اعلام القراصنة والسراق والمجرمين الذين يظهرون في افلام هوليود.
………..

لم اتكلم ولو لمرة واحدة مع اي داعشي على الاطلاق لكني كنت اسمعهم يتكلمون اللهجات السورية والسعودية والتونسية والانكليزية، بقيت في المدينة (بوقتها كان كاس العالم قد بدأ وكنت اتابع المباريات لكي احاول ان انسى ما يجري) لكن لا فائدة ولا مفر.
………..

تحولت حياتي الى جحيم مع نهاية الاسبوع الاول في الموصل تحت حكم داعش. فجروا النبي يونس وهجروا المسيحيين وظهر خليفتهم المجرم ابو بكر البغدادي ليعلناها خلافة على منهاج النبوة. لكنها كانت خلافة على منهاج السرقة والقتل والنهب وقطع الطريق على الناس، بدأت الكفتريات تغلق وبدأت المتنفسات الترفيهية تنهار وبدأ التضيق على الناس يكثر .
………..

وصلت الى مرحلة اني قمت اتناول اقراص منومة لكي لا اشعر بما يدور وانا لم اتجاوز الى الان الايام العشرة الاولى لي في الموصل، كنت انام ما يقارب ١٦ساعة يوميا جميعها تقريبا في النهار وكنت استيقظ عصرا تقريبا. بقيت على أتناول هذه الحبوب المنومة حتى وصلت الى مرحلة اني لا استطيع النوم بدون اخذها من ثم بدأت الكمية التي اتناولها لا تكفيني فبدأت باخذ قرصين من ثم ثلاث. اتذكر اني نمت في يوم من الايام ١٨ساعة مع اني لا اقوم باي مجهود يذكر طوال تلك الفترة.
…………

امضيت الشهر الاول في الموصل من ثم نصف شهر ثاني حتى قررت المغادرة بشكل نهائي لكي التحق بعملي الجديد في اربيل لكن قبل مغادرتي الموصل شن التنظيم هجوم على اربيل ودهوك وبعض المناطق الثانية لتنقطع بعدها جميع الطرق تقريبا الا طريق واحد يؤدي الى كركوك لكن كان علي ان اذهب جنوبا الى تكريت من ثم العودة شمالا الى كركوك فاربيل. امضيت ما يقارب السبع ساعات بين تكريت وكركوك حتى وصلت الى اربيل. كان الوضع متازماً جدا في اربيل لم يسمحوا لي حينها بالدخول الى اربيل. واضطررت للعودة الى كركوك مرة اخرى لان الظلام قد حل وبقيت ليلة واحدة في كركوك.
………..

خرجت في الساعة السادسة صباحا في محاولة للعودة الى بغداد من ثم الى اربيل بطائرة حيث ان الدخول تقريبا اصبح حصريا للطائرات فقط لوجود تشديد امني اعلى في المطار. غادرت كركوك فعلا متجها الى بغداد عبر طريق عسكري قديم تابع للجيش العراقي ابان الحرب العراقية الايرانية الطريق على الحدود العراقية الايرانية من جهة نفط خانة ومندلي وخانقين .الطريق ذو اتجاه واحد وفيه مئات السيارات والشاحنات المزدحمة حيث كان هذا الطريق الوحيد المؤمن نسبيا. بقيت في هذا الطريق ما يعادل ١١ساعة بعد ان كان الطريق الطبيعي يستغرق ٥ ساعات الى بغداد.
………..

وصلت بغداد من ثم حجزت الى اربيل لاغادر بعد ثلاث ايام. كانت هذه الايام من اتعس واصعب ايام حياتي والتي كنت فيها اشعر وكان كل شيء كابوس وساستفيق بعد قليل، لكن للاسف لم استفق حتى بدأت عمليات تحرير الموصل.
………

اعترف ان :
تجربة داعش كانت تجربة مؤلمة جدا وقاسية.

غيرت في شخصيتي وافكاري كثير من الامور.

اضطررت لمراجعة عشرات المعتقدات في فكري ومنهج حياتي وقمت بقراءة عشرات الكتب والمصادر التي ساعدتني في استعادة توازني العقلي.

كانت ثلاث سنوات مظلمة جدا لكن كان هناك جانب مضيئ ايضا.

حصلت على الدكتوراه في هذه المدة المذكوة ونجحت والحمد لله في عملي وحققت انجازات كثيرة خلال هذه المرحلة وفشلت في تحقيق اخرى.

هي دعوة لنتعلم كيف نتعايش ونرتقي ببعضنا ونترك خلافاتنا لان داعش ستظهر من جديد وبأشكال مختلفة طالما كانت نوايانا غير صافية حيال بعضنا.

لنستفد من التجارب القاسية ونخرج من ركامنا كطائر العنقاء كما تقول الاسطورة ونعيد بناء كل شيء.

الامل موجود ان شاء الله والفرصة سانحة لاعادة البناء.

لنطوي صفحة داعش الى الابد ولنتطلع الى المستقبل الذي يجب ان نرسمه بايدينا والذي يحب ان يكون جميل.

قد يعجبك ايضا