تحويل الهزائم إلى انتصارات، خاصيةٌ عربية

 

عند دوار مساكن الشرطة في حمص، وفي أوائل شهر شباط- فبراير عام 2012، منعتني الحشود المجتمعة من إكمال طريقي باتجاه شارع الأهرام. حشود من المدنيين كانوا يتحلقون حول مجموعة من العسكريين بلباسهم الميداني الكامل، ويهتفون ( خلصت خلصت)، وما هي إلا لحظات حتى بدأت حلقات الدبكة والأهازيج والشعارات التي تجزم بالقضاء على (المؤامرة والمتآمرين) على أمن الوطن وقائد الوطن.

وكوني لا استطيع التقدم أو الرجوع من حيث أتيت، بسبب طابور من السيارات التي خلفي وأمامي، فقد اضطررت على البقاء خلف مقود سيارتي أشاهد هذا (العرس الوطني) بالخلاص من هؤلاء (المتآمرين). وعلمت فيما بعد أن هؤلاء العسكريين قد عادوا لتوهم من اقتحام حي بابا عمرو مخلّفين وراءهم العديد من القتلى والجرحى.

الحقيقة أن التاريخ العربي، والسوري خاصة، حافل بتحويل الهزائم إلى انتصارات مزعومة، بل أن هناك حاجة ماسة لهذا الأمر من قبل السلطة، وذلك للهروب من المسؤولية والمحاسبة وكذلك للحفاظ على السلطة ومنع التغيير الذي تفترضه النتائج الكارثية للهزيمة، كما أن هذه الحاجة مرتبطة إلى حد ما بتلبية تطلعات الجماهير، التي تغذت على الحلم بالانتصارات والتحرير واسترجاع الأراضي المغتصبة.

أول هزيمة في التاريخ الحديث، كانت هزيمة حرب 1948 والتي هُزمت فيها الجيوش العربية، حيث جري تسميتها ب (النكبة).

والهزيمة الثانية والفظيعة، كانت هزيمة حزيران عام 1967 أو حرب الأيام الستة أو الغفران، كما تسميها اسرائيل. والتي احتلت فيها اسرائيل ثلاثة أضعاف مساحتها منذ تأسيس الكيان الصهيوني. لكن القيادة البعثية آنذاك، والتي كانت مشغولة بالصراع على السلطة وبالتصفيات فيما بينها، لم يرق لها الأمر فأطلقت على الهزيمة اسم (النكسة)، وذلك تلافياً لأي استحقاقات تفترضها الهزيمة والتي ستؤدي حتما إلى كشف الغطاء عن هذه القيادة وتخبطاتها في قيادة البلد.

من جهة أخرى، فقد استجاب الشعب السوري لهذه التسمية واعتبارها نكسة وليست هزيمة، وذلك بسبب قوة الحلم المزروع في الوجدان والرغبة والتوق للانتصار وكذلك قوة الرفض العميق للهزيمة.

هذا الشعب، الذي كان يُمنّي النفس، بأن الجيش السوري سيتناول فطوره في تل أبيب وعشاءه في حيفا، خاصة بعد الاستماع إلى تصريح وزير الدفاع، آنذاك، حافظ الأسد، الذي قال، قبل إسبوعين من الهزيمة : (معرفتي لإمكانياتنا تجعلني أؤكد أن أي عملية يقوم بها العدو هي مغامرة فاشلة. وقد أصبحت قواتنا جاهزة ومستعدة ليس فقط لرد العدوان وإنما للمبادرة لعملية التحرير بالذات ونسف الوجود الصهيوني من وطننا العربي.) مذكرات أكرم الحوراني الجزء الرابع.

لم تكتف القيادة البعثية بتحويل الهزيمة إلى نكسة، لأن كلمة نكسة تتضمن شيء من الاعتراف بالهزيمة، لذلك قررت تحويل الهزيمة (النكسة) إلى انتصار، لذلك خرجت الصحف السورية بعد الهزيمة، بتصريحات لبعض أعضاء القيادة تعلن الانتصار على العدو حيث قال رئيس الأركان السوري آنذاك أحمد سويداني : (إن المعركة لا تُقاس نتائجها بعدد الكيلومترات التي خسرناها، بل بأهدافها وما استطاعت أن تحقق. فقد كان هدف إسرائيل، ليس احتلال بضعة كيلومترات من سوريا، بل إسقاط الحكم التقدمي فيها، وهذا ما لم يتم لها، لذلك يجب أن نعتبر أنفسنا الرابحين في هذه المعركة).

كما أن إبراهيم ماخوس، وزير الخارجية في ذلك الوقت، لم يبتعد في تصريحاته عن المعنى الذي ذكره رئيس الأركان، إذ ينسب الكاتب المصري خالد منصور، في سلسلة مقالاته التي نشرها عن هزيمة حزيران أن ابراهيم ماخوس قال : (لا يهم لو سقطت دمشق أو حتى حلب، فهذه ليست سوى أراضٍ يمكن استرجاعها وأبنية يمكن بناؤها، لكن حزب البعث، أمل الأمة العربية، إذا سقط لا يمكن استرجاعه).

لا يخفى على أحد أن هذه التصريحات وهذا الإصرار على رفض تحمّل المسؤولية، وتحويل الهزيمة إلى انتصار، كان الهدف منه هو الحفاظ على سلطة الأمر الواقع وتجنب أية محاسبة يمكن أن تطال أحدهم. وهذا ما فعله وزير دفاع الهزيمة، حافظ الأسد، الذي وثب إلى السلطة ووضع رفاقه في السجن وتحول من وزير دفاع مهزوم إلى بطل التشرينين بقدرة قادر.

جميع الخبراء العسكريين يعرفون أن القوات السورية تمت هزيمتها في حرب تشرين 1973، وأن الجيش الاسرائيلي وصل إلى منطقة سعسع بالقرب من العاصمة دمشق، وسوريا خسرت عشرات القرى في الجولان في تلك الحرب، لكن حافظ الأسد، وفي لعبة مفاوضات معروفة ومكشوفة استطاع استرجاع مدينة القنيطرة المهدّمة بعد انسحاب اسرائيل منها، ليعلن أن (الانتصار في حرب تشرين التحريرية) كان بمثابة الرد الحاسم على (نكسة) 1967، وأصبحت مدينة القنيطرة المهدّمة مزاراً تحج إليها الوفود من كل حدب وصوب ليشاهدوا بأم أعينهم وحشية العدو الاسرائيلي (وشجاعة وبطولة) حافظ الأسد، الذي نسي الناس أنه وزير دفاع الهزيمة الذي لم تتم محاسبته، وصاحب البيان رقم 66، الذي أعلن فيه سقوط القنيطرة قبل وصول العدو إليها بأكثر من سبعة عشر ساعة، وصاحب الأمر بانسحاب الضباط والجنود كيفياً تاركين وراءهم الأسلحة والعتاد الثقيل، كما ذكر ضابط المخابرات السوري، خليل مصطفى، صاحب كتاب (سقوط الجولان) الذي يتهم فيه حافظ الأسد بالمسؤولية عن هزيمة حزيران. (تم خطف خليل مصطفى من لبنان وزُج في سجن المزة العسكري، لكن سجن المزة تم إغلاقه ومصير الضابط مصطفى خليل مازال مجهولاً حتى الآن).

بعد حرب تشرين التحريكية، وبعد تحويل الخسارة العسكرية في الجولان إلى انتصار، تعزز موقع حافظ الأسد في الحكم وأصبح فوق القانون وفوق المحاسبة.

ويبدو أن بشار الأسد يسير على منوال أبيه في تحويل الهزيمة إلى (انتصارات وأعراس وطنية)، مثل (خلصت، القضاء على الإرهاب، القضاء على المندسين، الانتصار على المؤامرة). أما آخر صيحة من صيحات (الانتصار) فقد جاءت بعد الخسارة المريعة لقيمة الليرة السورية أمام الدولار، حيث خرج علينا إعلام النظام بحملة (ليرتنا عزتنا) وذلك في محاولة بائسة لدعم الليرة السورية، ومحاولة يائسة لصرف الأنظار عن تجار الحرب الذين استباحوا ونهبوا الاقتصاد السوري.

اعتقد أن سياسة النظام السوري في تحويل الهزائم إلى انتصارات ستستمر إلى أن يدرك الناس أن حقهم في العمل السياسي ونقد النخب الحاكمة مصان في دولة يحكمها القانون، لا أن يقتصر دورهم على النزول إلى الشوارع والتصفيق والمشاركة في الرقص وحلقات الدبكة حتى عندما تقصف اسرائيل مواقع سورية.

 

بسام جوهر: ناشط سياسي ويكتب لبعض الصحف والمواقع ،ضابط سابق ومعتقل سياسي سابق مقيم في فرنسا. 

قد يعجبك ايضا