تشايكوفسكي: وراء كلّ رجل عظيم إمرأة

الاتحاد برس

إعداد: شام السبسبي

يعتبر “تشايكوفسكي” واحداً من أئمّة التأليف الموسيقي عبر التاريخ، وعلى الرغم من أنّ بعض النقّاد نعتوه بالتشاؤمي وقالوا أنّه مضطرب شاذ يدعو إلى الكآبة والتخلّف العاطفي، إلا أنّ ألحانه ظلّت حتّى اليوم جزءً من الثروة البشرية الموسيقية المتوارثة لما تحمله من تعابير أخّاذة وتشكيلات انفعالية تعتصر متلقّيها.

في الحقيقة لم يُهاجم تشايكوفسكي في عصره لموضوعات موسيقية بحتة، فقد تركّز جانب كبير من الهجوم على كونه موسيقياً غير قومي لأنّه لم ينضمّ إلى صفوف زملاؤه الكبار الذين تزعّموا الموسيقى القومية الروسية، حيث لم يتناول تشايكوفسكي ألحان بلاده الشعبية في مؤلّفات وطنية قومية، لكنّه استعملها فقط ساعة أحبّها ووجد بها وسيلة لتجديد نصّه الموسيقي.

موهبة “تشايكوفسكي” الموسيقية تتفجّر

ولد “بيتر تشايكوفسكي” في ولاية فياتكا الروسية عام 1840 لأبّ يعمل كمفتش حكومي في أحد المناجم، بدأ دروسه المنتظمة في البيانو منذ عمر السابعة وبعد سفر عائلته إلى مدينة بطرسبرغ تولّى تعليمه أستاذ كبير يسمّى “فيليبوف” وقد وجد فيه تلميذاً نشيطاً لكن غير خارق للعادة.

دخل الموسيقي المغمور مدرسة القانون، وكانت الموسيقى في ذلك الوقت هي أقرب الأشياء إلى قلبه مع أنّ نشاطه الموسيقي كان مقتصراً على الغناء بفرقة الكورال المدرسية ومواصلة دروس البيانو، لكن ما إن بلغ الفتى عمر العشرين حتّى تفجّرت نزعات التأليف عنده وبدأ بارتجال أعمال جميلة.

عام 1861 بدأ لأوّل مرّة بدراسة التأليف الموسيقي، وبعد سنتين من هذا التاريخ قرّر الاستقالة من وظيفته ككاتب في وزارة العدل ومواجهة الحياة كموسيقي محترف يترزّق من إعطاء الدروس بعد أن ماتت والدته بوباء الكوليرا وفقد والده كلّ ما يملك من ثروة.

كان تشايكوفسكي آنذاك ما يزال طالباً في معهد كنسرفتوار الموسيقي الكبير، لكنّه سرعان ما أصبح أستاذاً في المعهد نفسه بعد تخرّجه عام 1865، وقد كتب في هذه الفترة ثلاثة أعمال كبيرة أهمّها سيمفونيته الأولى “أحلام الشتاء”.

شهد عام 1868 أوّل علاقة عاطفية للموسيقي الروسي مع نجمة الأوبرا البلجيكية “ديزيريه آرتو” ساعة أتت لتقديم عرض مع فرقتها في مدينة بطرسبرغ، كانت “آرتو” تكبر تشايكوفسكي بخمس أعوام لكنّها أحبّته وأظهرت له ودّاً شديداً، إلا أنّ الموسيقي الشاب لم يقبل بالزواج من صاحبة الشهرة خشية على حياته الموسيقية، بينما فقدت “آرتو” الأمل منه بعد عام وتزوّجت بآخر، غير أنّ علاقتها بـتشايكوفسكي لم تنته بل استمرَّت بعد ذلك أعواماً طويلة.

وفي هذا الوقت كان “تشايكوفسكي”  قد أنجز العديد من روائعه أهمّها “كونشرتو البيانو” و”الأوركسترا 1″ لكن هذه النجاحات لم تدم، حيث أصيب عام 1875 بانهيار عصبي شديد وسافر إلى فرنسا لتلقّي العلاج، وزاد من تشاؤمه استخفاف الجمهور الأوروبي بموسيقاه “روميو وجولييت”.

وفي خضم مرضه أقدم تشايكوفسكي على حماقة كبيرة وهي زواج لم يدم إلا تسعة أسابيع، حيث هرب من زوجته هلعاً ووصل بطرسبرغ طالباً النجدة بينما أصابت دماغه حمى شوكية عرضت حياته للخطر.

“تشايكوفسكي” يخلد الصداقة ويرثي نفسه

ناديه فون ميك

أثناء زواجه، تعلّق الشاب بسيّدة تدعى “ناديه فون ميك” وكانت علاقته فيها بعيدة عن الواقع، لكنّ السيّدة أصبحت أمّه الروحية وملهمته مع أن الاثنين لم يلتقيا أبداً على أرض الواقع بل تبادلا الرسائل فقط.

كانت فون ميك تكبره بعشرة أعوام، ولها أحد عشر ابناً، ملكت ثروات طائلة وأحبَّت الموسيقى، عرفت السيّدة كلّ شيء عن مشاكل تشايكوفسكي النفسية، وكانت تطلب منه مؤلّفات خاصّة مقابل مبالغ كبيرة، وانتهى الأمر بأن تمنحه مبلغاً سنوياً يكفيه لكي يتفرَّغ للموسيقى وكانت “السيمفونية الرابعة” هي الثمرة الأولى لهذا التفرُّغ، وتبعها بأوبرا “أويجن أونيجن” وغيرها من الأعمال.

ويُحكى أنّ السيّدة “فون ميك” أرادت أن ترى “تشايكوفسكي” دون أن يراها فدعته إلى قصرها ليستجمّ بينما هي مسافرة، لكنّها ظلّت في القصر تراقب الموسيقي الشاب بعد أن وفَّرت له كلّ سبل الراحة والرفاه.

ورُوي عن هذه السيّدة الكثير من الروايات الحقيقية والأغرب من الخيال، حيث يقال أنّها عاشت في قصرها صحبة عدد من الموسيقيين الذين كانوا يعزفون لها مساء كل ّيوم مؤلّفاتهم، وكان من بينهم المؤلّف الفرنسي الشهير “ديبوسي”.

وبالعودة إلى تشايكوفسكي ففي عام 1885 كانت أعماله قد حقَّقت نجاحاً هائلاً في أوروبا وأمريكا، حيث انتشرت مؤلَّفاته وأَدرَّت عليه أموالاً كثيرة بعد جولة قام بها حول أوروبا وأحيا فيها حفلات عديدة، في حين كتب الموسيقي لصديقته “فون ميك”:

“كان النجاح كاملاً .. لم أتمنَّ أكثر من ذلك.. ولكني مع ذلك أشعر بالكآبة تغمرني، ولا أحسّ بغير اليأس والحزن والمرارة.”.

سكن تشايكوفسكي في مدينة ريفية على حدود مدينة بطرسبرغ هرباً من الشهرة التي لحقت به، ولم يترك منزله إلا ليقوم بجولته الثانية حول أوروبا والتي حصل بعدها على عرض نادر لإحياء ستّ حفلات في أمريكا، وهذا ما لم يحصل عليه أي موسيقي روسي قطّ..

وعندما كان يحزم حقيبته بغية السفر، وصلته رسالة من صديقته “فون ميك” تخبره فيها أنّها أفلست ولن تستطيع دفع دخله السنوي بعد الآن، شعر الموسيقي بالحزن الشديد وزاد حزنه ساعة علم أن “فون ميك” مريضةً جداً ولن تستطيع الكتابة له بعد الآن.

بعد تلقيه الخبر كتب تشايكوفسكي سيمفونيته السادسة المؤثِّرة والتي كانت بمثابة أغنية وداع لصداقة أسطورية بينه وبين “فون ميك”، وكانت هذه السيمفونية هي آخر ما كتب “تشايكوفسكي” والوصية التي حملت شعلة عبقريته، فقد انتشر وباء الكوليرا مرّة جديدة في روسيا وأنهى حياة الموسيقي الألمعيّ  في 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 1892.

قد يعجبك ايضا