تهدئة مؤقتة في شرق المتوسط تحت وطأة ضغوطات حلف الناتو والعقوبات الأوروبية

الاتحاد برس_ حنين جابر

 

في خضم التوترات المتصاعدة في شرق المتوسط، تسعى اليونان المثقلة بالمديونية وعجز في الميزانية لزيادة إنفاقها العسكري الذي بدأ متصاعدا منذ عام 2008 ليبلغ ذروته عام 2010 ب 7 مليار دولار تقريبا. انخفض منحنى الإنفاق اليوناني على التسليح تدريجيا منذ عام 2011 ليصل إلى أقل مستوياته في عام 2014 ب قيمة تقديرية 4.6 مليار دولار لتعود للصعود إلى ما يقارب 4.953 مليار دولار حتى عام 2018 بمقدار قطع من الدخل القومي الإجمالي بنسبة 2.8353%.

تتسابق الدول في حلف الناتو لعقد صفقات بيع السلاح بلاد الإغريق، رغم الدفع باتجاه التهدئة عبر زيارات دبلوماسية ومكوكية من دول الحلف، تخوفًا من انفراط عقد الناتو، ولاسيما، أنّ أميركا تسعى لنقل قاعدة أنجرليك إلى اليونان، فيما يشبه التكتل الغربي المسيحي تجاه تركيا الإسلامية.

حجم الإنفاق الذي بدأ يستعيد عافيته نوعا ما في حدود 5 مليار عما كان عليه عام 2014 يؤكد حرص اليونان وخوفها من مطامع تركية محتملة والسعي للإبقاء قدر الإمكان على معادلة الردع مقبولة رغم رجحان الكفة التركية، بيد أن اليونان تعول على حلفاء غربيين في دعم إنفاقها وزيادته من أجل أي مواجهة فعلية محتملة مع جدية الطرف التركي في العودة لتركيا الزرقاء التي رسمها الطورانيون الجدد وتشمل نفوذ وسيطرة يشمل بعض الجزر اليونانية المقابلة للشواطئ التركية.

مخطط بياني لحجم الإنفاق العسكري لليونان منذ عام 2010 حتى عام 2018
مخطط بياني لحجم الإنفاق العسكري لليونان منذ عام 2010 حتى عام 2018

 

يبدو أنّ عملية الضغط التي مارسها الناتو، أدّت هدفها، لقد سحبت السلطات التركية اليوم الأحد 13 أيلول، سفينة التنقيب “أوروتش رئيس” من منطقة شرق المتوسط، وأعادتها إلى ميناء أنطاليا، بعد مباحثات عقدت بين أنقرة وأثينا برعاية حلف شمال الأطلسي “الناتو”.

سبق، أن تصاعد التوتر في الآونة الأخيرة بين اليونان وتركيا بسبب التنقيب عن موارد النفط والغاز في منطقة شرق البحر المتوسط. وتختلف الدولتان العضوان في حلف شمال الأطلسي على بداية ونهاية الجرف القاري لكل منهما.

يسعى أردوغان للتحول إلى مركز للطاقة يستطيع من خلالها التسعير والتحكم في الصادرات إلى أوروبا، وليس فقط أن تبقى تركيا مجرّد ممر تحصل على الفتات من عائدات العبور.

ولاسيما، بعد أنّ قدّر تقرير هيئة المسح الجيولوجي الأميركية عام 2010 ، أن حوض المشرق لديه من موارد النفط غير المكتشفة المحتملة بمقدار 7.1 مليار برميل، والأهم من ذلك، موارد الغاز الطبيعي غير المكتشفة المحتملة 122 تريليون قدم مكعب.

كانت فرنسا داعمًا قويًا لليونان وقبرص في النزاع مع تركيا بشأن الحدود البحرية، بعد أن أرسلت أنقرة السفينة أوروتش ريس التي ترافقها البحرية إلى منطقة متنازع عليها بين قبرص وجزيرة كريت اليونانية في 10 أغسطس.

وردّت أثينا على هذه الخطوة بإرسال وحدات بحرية وجوية لمحاصرة Oruç Reis وأجرى الجانبان تدريبات عسكرية في المنطقة، مما حوّل وضعًا معرضًا لخطر التصعيد إلى مواجهة مباشرة.

تصرفات الرئيس التركي “رجب الطيب أردوغان” في شرق المتوسط، استفزت بقية دول الحلف، والدول الأوروبية، واعتبرت اليونان أن ذلك يمثل تهديدًا  للحدود الشرقية لأوروبا و”تعرض للخطر” الأمن الإقليمي

كما دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وقادة دول الجنوب الأوروبي الست، تركيا إلى وقف سياسة “المواجهة” في شرق المتوسط وهددوا أنقرة بفرض عقوبات أوروبية إذا واصلت إنكارها لحقوق قبرص واليونان في غاز شرق المتوسط.

اليونان إلى زيادة الإنفاق العسسكري

 

على خلفية ارتفاع حدة التوتر وفشل الوساطة الألمانية التي قادها هايكو ماس وزير الخارجية، الألماني، وعدم إذعان تركيا لتهديدات الدول الأوروبية بالعقوبات في حال استمرت باستفزازها، قررت اليونان زيادة إنفاقها العسكري بشكل كبير في مواجهة التوترات مع تركيا، وفق ما ذكرت صحيفة بوليتيكو يوم الجمعة.

طائرة أف 16 يونانية
طائرة أف 16 يونانية

سيكون لفرنسا نصيب كبير من التعاون الدفاعي مع اليونان، على ضوء إعلان رئيس الوزراء اليوناني “كيرياكوس ميتسوتاكيس” عن “برنامج مهم” لتعزيز القدرات العسكرية للبلاد وخصوصًا شراء أسلحة بينها 18 مقاتلة رافال فرنسية. وأربع فرقاطات متعددة المهام وأربع طائرات مروحية إضافة الى تجنيد 15 ألف جنديا وضخ مزيد من التمويل في قطاع صناعاتها الدفاعية.

فيما تشدد فرنسا على أن تمسك أوروبا بزمام المسؤولية في الدفاع عن نفسها، ترى وزيرة الجيوش الفرنسية فلورنس بارلي  أن اختيار اليونان طائرات رافال الفرنسية يندرج ضمن مساعي فرنسا في مواصلتها عملها لصالح أوروبا دفاعية أقوى وأكثر استقلالية واتحاداً، وفقًا للتوجهات الاستراتيجية” وهي رؤية يتبناها الإيليزية ولاسيما بعد تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “بأن الناتو ميت سريريًا” فيمساعي فرنسية لحضور أكبر دوليا بعد انعزالية أميركية بدأت بوضوح مع قدوم ترامب إلى البيت الأبيض.

 

برر المسؤولون اليونانيون خطط زيادة الإنفاق جزئياً من خلال الإشارة إلى التوترات المتزايدة مع تركيا في شرق البحر المتوسط.

 

سبقها، إعلان الحكومة اليونانية يوم الإثنين الماضي، أنها تهدف إلى تعزيز جيشها ببرامج تسليح جديدة، وتعزيز القوى البشرية العسكرية، وتطوير صناعة الدفاع في البلاد والتوظيف والتطوير التكنولوج،  وفق المتحدث باسم الحكومة ستيليوس بيتساس لصحفيين هذا الأسبوع.

وفقًا لبولتيكو، قالت الحكومة اليونانية، إنه نظرًا لأن عرض فرنسا كان له ثمن باهظ، فمن المرجح أن تمضي أثينا قدمًا في مناقصة دولية للحصول على المزيد من العروض.

لا ننسى أن هذا الإنفاق يحصل  والبلاد في أزمة مالية كبيرة ومازالت ملفات المديونية عالقة مع بنوك الاتحاد الأوروبي وضغط الداخل على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.

فيما تبدو صفقة مربحة لاقتصاديات منهارة جرّاء فيروس كورونا، تتسابق الدول في تقديم عروضها لتسليح اليونان، فالمحادثات تجري بين اليونان ودول أخرى مصنعة للسلاح كالولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا وهولندا مع زيادة أنفاق قد تصل إلى 12 مليار دولار خلال السنوات العشرة القادمة.

نقل قاعدة إنجيرلك قد يقلب الموازين.. تركيا تعيد سفينة”أوروتش” إلى أنطاليا

 

اليوم الأحد، تراجعت تركيا عن تعنتها، وعلّقت  سفينة أوروتش  أعمالها في المنطقة التي كان من المخطط أن يستمر العمل بها حتى 25 آيلول/ سبتمبر الجاري، بعد المباحثات مع الجانب اليوناني، وفق صحيفة يني شفق التركية.

خطوة لاقت ترحيبًا من جانب اليونان، على لسان ستيليوس بيتساس المتحدث باسم الحكومة اليونانية لقناة سكاي تي في، بقوله عن عودة السفينة إلى ميناء أنطاليا بأنها “خطوة إيجابية نحو خفض التصعيد”. متوقعًا استمرار التهدئة، ومضيفًا أن اليونان مستعدة لاستئناف الاتصالات والحوار مع تركيا.

جنود أميركيين في قاعدة انجرليك الأميركية في تركيا
جنود أميركيين في قاعدة انجرليك الأميركية في تركيا

يأتي ذلك بعد أن  كشف موقع صحيفة “واشنطن إكزامينير” الإلكتروني، أن الولايات المتحدة تخطط لنقل قاعدة إنجرليك من تركيا لليونان، وذلك نقلاً عن رئيس اللجنة الفرعية للعلاقات الخارجية لأوروبا في مجلس الشيوخ الأميركي، سيناتور ولاية ويسكونسن رون جونسون “علينا التخطيط للأسوأ بما يتعلق بقاعدة إنجرليك”.

الحفاظ على وجود كامل وحيوي وتعاون مع تركيا من موقف دفاعي هذه رؤية رون جونسون مضيفا ” علينا إعادة النظر في حقيقة أن المسار الذي يسلكه أردوغان ليس جيداً”.

خريطة توضح حدود اليونان البحرية حسب الاتفاقيات الدولية وتعترض عليها تركيا
خريطة توضح حدود اليونان البحرية حسب الاتفاقيات الدولية وتعترض عليها تركيا

زيارة بومبيو لقبرص يوم أمس السبت واتفاقية عسكرية موقعة ستأخذها تركيا بعين الاعتبار مرحليا بعد دعوته، تركيا على وقف الأنشطة التي تُثير التوتّر في شرق البحر المتوسّط، داعياً جميع الأطراف إلى دعم السبل الدبلوماسيّة، مشيرًا إلى  القلق العميق إزاء عمليّات تركيا المستمرّة” في شرق المتوسّط.

بالنظر إلى الأحداث آنفة الذكر، ستكون التهدئة مؤقتة، تحت وطأة ضغط الناتو والعقوبات الأوروبية التي تلوح بالأفق، وقد تعاود تركيا استخدام سياسة العصا والجزرة مع الغرب، كما فعلت في ملف اللاجئين للوصول إلى توافقات مقبولة بالحد الأدنى في مسألة التنقيب عن الثروات البحرية شرق المتوسط.

التهدئة اليوم، كانت فقط للجم الانزلاق إلى مواجهة عسكرية خطيرة، في ظل سعي اليونان للتسلح الذي فتح شهية الدول الأخرى لرفد اقتصادها المتهتك مع موجة كورونا قد تنتشر أكثر في البلاد، عبر صفقات بيع السلاح، وفيما ستستمرّ اليونان بسعيها نحو التسلح لانعدام الثقة بتصرفات تركيا.

 

 

 

 

 

 

 

.

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا