توأمة الكورونا بين مدينة طرطوس السورية ومدينة ووهان الصينية

أنا علي صقر، الغريب الساكن في سوريا منذ آلاف السنين. وبعد حدوث التفجيرات في محطة الباصات في طرطوس وبشكل لاشعوري، خرجت من بيتي محتذياً بسكانها الطيبين، وعلى مبدأ: “أنت ميِّتٌ ميت”.

ومع انتشار كورونا في مدينتي طرطوس مازلت حتى الآن أتجول بشوارعها من دون كمامةٍ، واتصل بأصدقائي بغية لقائهم، لكنهم يهربون مني فاستعين بالفيس بوك لاتواصل مع صديقي أدهم، الطالب اللبناني في جامعة ووهان الصينية.

  • أنا المواطن اللبناني أدهم السيد من “ووهان” الصينية التي باتت بالكامل تحت الحجر الصحي بسبب فايروس كورونا.

أنا: اتسعت دائرة العنف لتشمل كل سوريا من مؤيد وموالي ومحايد… وعلى الرغم من ذلك مازال شرطي المرور يصفِّر للسيارات المخالفة وللدبابات و”الأر بي جي” و”الهاون” والتي كادت جميعها أن تصطادني.

يتابع صديقي من ووهان:
“في ووهان هناك حربٌ من نوعٍ آخر، حربٌ أشرس من أي حربٍ أعرفها. في هذه الحرب لا تعرف من هو عدوك بالتحديد. كل شيء يتحرك قد يكون هو (عدوك) الذي يحمل الفيروس. يصبح الحل الأفضل الجلوس في الغرفة، عدم التواصل مع أحد. عدم الخروج حتى لو كان هناك أمر طارئ. في ووهان أيضاً، وبالرغم من أنها تعيش حرباً شرسة، الدولة موجودة بقوة، لا غياب للمواد الغذائية الأساسية، لا احتكار للأسعار، المؤسسات التجارية الكبرى فتحت أبوابها بدوام شبه طبيعي. المواد الغذائية تتأمن بشكل يومي.

في طرطوس عدوك واضحٌ وصديقك واضحٌ، والاثنين ضدك والنيران نيرانٌ صديقة.
كنتَ تختبئ بالبيت وبعدها بالملجأ ومن ثم بالبلم ببحر إيجة…

في طرطوس يتبادلون العزاء والتبريكات في الشوادر والمبرَّات، والقهوة المرة يشربها الجميع من أهالي القاتل والمقتول…
في طرطوس لا تحتاج كمامة (mask) للوقاية من فايروس كورونا وحرب الفيروسات.

يضيف صديقنا أدهم السيد:
الأهم بالنسبة لي، أنا طالب أجنبي هنا. ولكن حتى الآن لم أشعر إلا أنني مواطن من هذا البلد، لا بل، أنا أحصل على رعاية خاصة. الجامعة تتواصل معنا يومياً، عبر التعليمات أو عبر مكتب شؤون الطلاب أو مسؤولي الاقسام أو مكتب السكن الجامعي. حصلنا على الكمامات (masks) عندما كانت مقطوعة في كل مكان في المدينة. بعض الجامعات بدأت بتوصيل طلبات الطلاب من مأكل ومشرب وكل ما يحتاجونه من أساسيات إلى غرفهم، من أجل أن تحافظ على سلامتهم.

في طرطوس طوابير أمام مراكز توزيع الغاز والسكر والرز.. والموت المجاني.
شباب متل قطفة الحبق ضاع شبابها بالخدمة الإلزامية وغيرها… منهم من استشهد ومنهم من خطف وأكثرهم جرحى ومشوهي حرب…
وسلة غذائية تطعم ليومٍ واحدٍ…
يوم مر ليوم علقم…
والدولة موجودة وتختصر بسلة غذائية مصدرها دول تساعد على اصطيادنا وقتلنا المجاني.

يتابع صديقي اللبناني أدهم:
يُطلب منا عدم الخروج الا للضرورة، وحتى الآن لا نخرج إلا لتخزين الطعام. طبعاً يُمنع منعا باتاً الخروج من دون الكمامة (mask). ولكن طبعا لن يمنعك أحد من الخروج. خاصة وأن هناك الكثير من الطلاب يعيشون خارج السكن الجامعي، لذا فهم يأتون بشكل دوري لأخذ احتياجاتهم.

في طرطوس أصبحت فوارغ الرصاص لعبةً بيد الأطفال بدل الكلل ومراجيح العيد.
الأمهات يصرخن ب أطفالهن: “الله لا يكبركم”، كي لا يتم سوقهم للجيش…
في طرطوس تطلب السلطات من الأهالي دعم الليرة.. وطوابير الفقراء يلوحون بليرتهم المنقرضة لشراء أوكسجينهم..

يستفيض أدهم: في ووهان الحياة ليست طبيعية أبداً، وضع المدينة صعب. هذه المدينة التي أعيش فيها منذ ٥ سنوات، والتي يقال عنها إنها مختلفة كل يوم، أراها حزينةً اليوم، تقاتل عن الجميع، تحارب من أجل البشرية، نعم، وكأننا نشاهد فيلم، ولكن بأبطال حقيقيين من لحمٍ ودمٍ. انتشر خبر المستشفى التي ستبنى خلال عشرة أيام. ولكن هذا إنجاز بسيط بالمقارنة مع ما يحدث هنا. الحياة ليست على طبيعتها، نعم، ولكن النظام موجود، كل شيء يسير كما يجب أن يكون.

في طرطوس؛ المدينة التي انجبتي.. ولم تنجبنِ، قدمتُ لها الكثير وقدمت القهر وغياب الأحبة والخبز. هذه المدينة أصبح شبابها أضحية، في كل المدن السورية لهم أيقونات وشموع.

يقول صديقي أدهم: في ووهان يكون القتال، الجبهات كلها تعمل بشكل متناغم. الناس تلتزم بالتعليمات بشكل كامل وفوري، الأطباء يبدعون، العمال يستمرون بواجباتهم (صباح اليوم كان هنالك عمال يررون الشجر في الشارع مثل كل يوم، وطبعا لا يوجد قمامة في الشارع)، الحكومة تقوم بواجباتها، الشعب الصيني كله يدعم ووهان، والطلاب الأجانب جميعهم يقفون إلى جانب ووهان في معركتها هذه. أنا حزين على الوضع الذي نحن فيه، حياتنا بخطر وليست طبيعية، أنا حزين على هذه المدينة وأهلها الذين بفضلهم استطعت أن أكمل تعليمي. ولكن أنا سعيد لأنني جزء من هذه المعركة، مع أناس لا يعرفون الحقد ولا التمييز، أناس يجيدون القتال، ومن يجيد القتال والانتظام سينتصر حتماً.

في طرطوس توجد أمي، تطبخ وجبةً طرطوسيةً اسمها اللوف
سألت أمي: تطبخين اللوف في هذا الوقت؟
قالت: اللوف هي النبتة الوحيدة التي تبتعد عن وريقاتها الدابة؛ أي الحيوانات، لأنها تسممها ونحن نقطف وريقات اللوف ونطبخها مع السماق والزيت، “وطيبة الاكلة، مو هيك ياعلي؟ مو أطيب من الاندومي؟
والله يا أمي
إنو ليش التعب؟ انو اي
الأندومي طيبة، بس اللوف من يدك أطيب.
قالت أمي: لعن الله أبو اللوف لأبو حصان البيك التركي عندما ساق الأتراك جدك للقتال في دول أجنبية…
ولعن الله بغل البيك اللي أكل من نبتة اللوف ومات.
ولذلك حرَّم البيك أكل اللوف على رعيته، أخذ اللوف ينبت بكثرة في أراضينا وكان أرخص غذاء لنا في أيام الفقر.

صديقي أدهم الذي انقطع الاتصال معه عبر النت، دهشت أنه يكلمني عبر الموبايل:
“ألو علي مقطوعة الكهربا عنا.. ما فيني اتواصل معك من ووهان”.
ضحكت وعرفت أنه وصل إلى طرطوس لأنه يحب تناول وجبة اللوف من يد أمي، ويكره بغل البيك.

قد يعجبك ايضا