تيغراي وإثيوبيا.. مجاعات وتحذيرات أممية دون أي “لا أذن صاغية”

الاتحاد برس _ سام نصر

 

تشهد الساحة الإثيوبية معارك دامية وتوترات مستمرة بين القوات الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي منذُ الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2020، وأسفرت في فترة وجيزة عن سقوط العديد من الضحايا وتهجير 71 ألفاً و 488 شخصاً إلى شرق السودان، بحسب الإحصائيات الرسمية السودانية.

تعودُ آخر جلسة مغلقة لمجلس الأمن الدولي بشأن تيغراي إلى 22 أبريل/ نيسان حين نجح أعضاؤه الـ15 يومها في الاتّفاق على إصدار بيان بالإجماع بشأن الانتهاكات الحاصلة في الإقليم الواقع في شمال أثيوبيا.

بداية الأحداث عندما شنَّ رئيس الوزراء الأثيوبي آبيي أحمد في تشرين الثاني/نوفمبر العام هجوماً عسكرياً واسع النطاق على تيغراي لنزع سلاح قادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، الحزب الحاكم في الإقليم.

وأحمد، الحائز جائزة نوبل للسلام لعام 2019، برّر العملية العسكرية يومها بتعرّض معسكرات تابعة للجيش الفدرالي لهجمات اتّهم الجبهة بالوقوف خلفها.

وعلى الرّغم من أنّ أحمد تعهّد انتهاء العملية العسكرية سريعاً، إلا أنّه بعد أكثر من ستّة أشهر على بدئها، ما زالت المعارك والانتهاكات متواصلة في الإقليم تيغراي الذي بات يعاني من المجاعة.

مجاعات لمئات الآلاف في تيغراي

في وقت تُعاني فيه تيغراي من كل تلك الصراعات والخلافات، كشفت وثيقة صادرة عن منظمة الأمم المتحدة أنه “بالنسبة لخطر المجاعة، لوحظ أن الحكومة الإثيوبية تشكك في الأرقام الواردة في التحليل غير المنشور للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، خاصة الاعتقاد أن ما يقدر بنحو 350 ألف شخص في مختلف أنحاء تيغراي يعيشون في مجاعة عند المرحلة الخامسة وفقًا للتصنيف”.

مجاعات تيغراي
مجاعات تيغراي

وأضافت الوثيقة أن التحليل خلص إلى أن الملايين في تيغراي يحتاجون إلى “غذاء عاجل ودعم زراعي ومعيشي للحيلولة دون الانزلاق أكثر نحو المجاعة”.

حينها شككت الحكومة الإثيوبية في هذا التحليل الأممي، وذلك وفقًا لملاحظات اجتماع عقدته يوم الاثنين الفائت اللجنة الدائمة بين الوكالات التي تضم رؤساء ما لا يقل عن 18 منظمة بعضها تابع للأمم المتحدة.

وصرّح دبلوماسي إثيوبي كبير في نيويورك بأن حكومة بلاده تشكك في التحليل وتشكك في أساليب المسح وتتهم التصنيف بالافتقار إلى الشفافية وعدم إجراء مشاورات كافية مع السلطات المعنية.

امتداد المجاعات لمناطق أخرى

خلال اجتماع مغلق لمجلس الأمن الدولي اليوم الأربعاء، حذرت الأمم المتحدة من أن المجاعة في منطقة تيغراي التي تشهد حرباً يمكن أن تمتد إلى أقاليم أخرى في إثيوبيا التي رفضت هذا التحذير.

وقال مساعد الأمين العام للأمم المتّحدة للشؤون الإنسانية مارك لوكوك أمام أعضاء المجلس إنّه “من المتوقّع أن يزداد الوضع سوءاً في الأشهر المقبلة، ليس فقط في تيغراي، ولكن في عفر وأمهرة أيضاً”.

وذكر لوكوك بأن الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية تقدر عدد الذين يعيشون في وضع مجاعة في تيغراي بأكثر من 350 ألف شخص، موضحاً أن المسؤولين الإداريين المحليين بدأوا “الإبلاغ عن الوفيات بسبب” هذا الوضع.

مجاعات تيغراي
مجاعات تيغراي

وتابع أنه إضافة إلى الـ 350 ألف نسمة هؤلاء ثمة “مليون شخص في مناطق تيغراي وعفر وأمهرة” على وشك الوقوع في براثن الجوع.

لكنّ السفير الإثيوبي لدى الأمم المتّحدة تاي أتسكي سيلاسي آمدي قال بعد الجلسة التي شارك فيها إنّ بلاده ترفض أن يبحث المجلس موضوع تيغراي لأنه شأن داخلي، وأضاف: “نحن نختلف بشكل قاطع مع تقييم المنظّمة الدولية بشأن المجاعة في بلاده”، معتبراً أنّ الأمم المتّحدة والمنظّمات غير الحكومية لم تجمع هذه البيانات “بطريقة شفّافة وشاملة”.

وكان تنظيم اجتماع مجلس الأمن الذي طلبته إيرلندا، معقداً إذ رفض غالبية أعضاء المجلس بمن فيهم الأفارقة، عرض القضية على هذه الهيئة معتبرين أن الصراع في تيغراي شأن إثيوبي داخلي. كذلك، يعتبرون أن المجاعة هي قضية إنسانية لا ينبغي أن تناقشها الهيئة المكلفة حفظ السلام والأمن في العالم.

خلاف تاريخي

تاريخياً، مرَّ على منطقة تيغراي العديد من المراحل التي تراوحت بين الحضور السياسي والتهميش. فتزامناً مع نهاية القرن التاسع عشر ورحيل الإمبراطور يوحنس الرابع (Yohannes IV)، المصنف كآخر إمبراطور من تيغراي، عام 1889، اضمحل نفوذ شعب تيغراي لصالح شعب الأحمرة (Amhara) الذي استغل قادته نفوذهم لممارسة سياسة جديدة سعوا من خلالها لتحديث البلاد.

عام 1991، ساهم تحالف بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والجبهة الشعبية لتحرير إريتريا في طرد الديرغ وإنهاء حكم منغستو هيلا مريام الذي غادر البلاد نحو زيمبابوي. ويوم 24 مايو/ أيار 1993، حصلت إرتريا رسمياً على استقلالها من إثيوبيا قبل أن تدخل في حرب ضدها حول مناطق حدودية أودت بحياة 80 ألف شخص ما بين عامي 1998 و2000.

إلى ذلك، تخلت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي عن ميولها الانفصالية ومنهجها السابق واتجهت لتشكيل الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية مع عدد من الأحزاب الأخرى.

ابي أحمد
ابي أحمد

وبفضل اعتبارهم كأهم مكون سياسي بهذه الجبهة، تمكن التيغراي من الحصول على أهم المناصب السياسية بالبلاد طيلة الفترة ما بين عامي 1991و2018.

لكن مع حصول آبي أحمد، المنتمي لعرقية الأورومو التي تشكل 35% من النسيج الديموغرافي لإثيوبيا، على منصب رئيس الوزراء، اشتكى التيغراي، الذين يشكلون 7% من سكان إثيوبيا، من إقصائهم تدريجياً من السلطة، حيث رفضت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي الالتحاق بحزب الازدهار الذي أسسه آبي أحمد مطلع ديسمبر/كانون الأول 2019 وجمع به مكونات الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية سابقاً.

فضلاً عن ذلك، اعتبر التيغراي آبي أحمد حاكماً غير شرعي بسبب تأجيل موعد الانتخابات مرات عدة جراء جائحة كورونا، واتجهوا لتنظيم انتخاباتهم المحلية بإقليمهم، متحدين بذلك الحكومة الفيدرالية التي اعتبرت انتخاباتهم غير قانونية.

قد يعجبك ايضا