ثلاثية فتى فلسطين الذهبي .. كيف ينظر الغربيون إليك؟

الاتحاد برس

محمّد خيّاط

يعيش عالمنا المعاصر أزمة عميقة وواضحة على مستوى الإنسانية والحقيقة وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان في عالم تحدّه حدود عديدة تصنعها عوامل مختلفة أهمّها الجغرافيا والثقافة والدين واللغة والعرق المميّزة لشعب عن غيره من الشعوب.

وأثبتَ التاريخ أنّ علاقة هذه الشعوب بعضها ببعض لا بدّ تحكهما ثنائية “الصراع_ التنافس” ومن هذه الثنائية تنشأ مختلف الحروب أو العلاقات الدبلوماسية والتجارية وغيرها بين الدول والممالك والجمهوريات.

وإنَّ ما يحكم علاقة العالم العربي مع نظيره الغربي كان منذ البداية هو “الصراع” الذي نتجَ عنه العديد من الحروب بدأت مع الفتوح الإسلامية والحملات الصليبية ولم تنتهي، بحسب إدوارد سعيد، بل امتدّت إلى الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وعلى ضوء هذا الصراع وما أنتجهُ من معارف لدى الطرفين (العربي الإسلامي، والغربي المسيحي والعلماني) عن بعضهما البعض، يسعى المفكّر الفلسطيني إدوارد سعيد إلى إقامة فكرٍ يساهم في تعرية ما خلفَ هذه الـ”معارف” التي سمّيت بالنسبة للغربين آنذاك بعلوم “الاستشراق” لتشير إلى مختلف الدراسات المعنية بثقافة الشرق الدينية والاجتماعية والفكرية وغيره.  فكيف يفكّر الغربيون بالعرب؟ وما هي أكثر الصورة السائدة عن العرب في الغرب؟ وما هو الاستشراق وكيف ساهم في ترسيخ عقود من الاستعمار؟

خلق المعنى المضادّ .. كتاب الاستشراق

كتبَ إدوارد سعيد كتاب “الاستشراق” في ما بين عامي 1974_ 1975 حين كان لا يزال طالباً للأدب المقارن في جامعة كولومبيا الأمريكية، وعندما نُشرَ الكتاب لاقى أصداءً لم تكن متوقّعة في الأوساط الفكرية والثقافية العربية والعالمية فأصبح بذلك الشغل الشاغل لمختلف المفكّرين والدارسين المهتمّين بفكر “ما بعد الاستعمار”.

المفكّر الفلسطيني إدوارد سعيد

تطرّق سعيد في الكتاب لعلاقة الغرب (من موقع ملّاك القوّة والمعرفة) مع الشرق (المساحة الجغرافية المطموع بثرواتها) منذ حملة نابليون بونبارت إلى مصر في القرن الثامن عشر، مروراً بالحقبة الاستعمارية الرئيسية ونهوض علم الاستشراق الحديث في أوروبا إبّان القرن التاسع عشر، حتّى نهاية السيطرة الاستعمارية البريطانية والفرنسية على الشرق بعدَ الحرب العالمية الثانية وبزوغ السيطرة الأمريكية على الساحة العالمية.

واستنتجَ أنَ مجمل الحقائق التي قدّمها المستشرقين الغربيين، وهم علماء دراسة الشرق وثقافتهِ، عن المنطقة وشعبها كانت مغلوطة لا بل كانت مسيّسة تسهِّلُ على الحكّام الغربيين والطامعين في تبرير استعمارهم لتلك المناطق أمام شعوبهم وشعوب العالم؛ منطلقاً من إثباتهِ أنّ ما كان يذكر في تلك الكتب الاستشراقية من حقائق وتعميمات حول العرب والمسلمين وغيرهم من سكّان المنطقة كانت تشكّل أساساً لخطاب المصلحة والهيمنة الغربية، وكما يقول الباحث بوعرفة عبد القادر “ّ إنّ الاستشراق يعبّر عن معرفة السلطة لا سلطة المعرفة، بمعنى أنّ إنتاج المستشرقين يدخل ضمن لعبة التّمثلات والتّمثيلات الرامية إلى تشويه الخصم.”

وبذلك استطاع سعيد أن يعيد تعريف الاستشراق وأن يخلق معنى مضادّاً لهُ؛ فبعد أن كان المصطلح يشير إلى علم دراسة ثقافة الشرق وشعبه أصبح يعني ممارسة المعرفة المضلّلة للقوّة المهيمنة بغرض تسويغ انتهاكاتها الضامنة لمصالحها.

مسألة فلسطين .. مرآة الاستشراق الجديدة

أعاد سعيد في كتاب “القضية الفلسطينية” (1979) قضية الاستشراق مرّة أخرى إلى الواجهة ولكن هذه المرّة من خلال الصراع الذي دار بينَ الإسرائيليين والعرب في فلسطين، وأرادَ أن يثبت أنّ المعرفة أو التعميمات الإعلامية التي صاحبت هذا الاحتلال للأراضي الفلسطينية كانت تعميمات خاطئة دأب الغرب والإسرائيليين إلى بثّها في وسائل الإعلام المختلفة لكي تكون مسوّغاً لهذا الاحتلال. كما وأضاء آليات تشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين. وفي نفس الوقت، عرض سعيد في كتابه نبذة موجزة حول تاريخ الشعب الفلسطيني، حيث قدّمَ عرضاً شاملاً حول الخصائص الديموغرافية والاجتماعية التي يتميّز بها هذا الشعب.

فيضع بذلك سعيد بين أيدينا سلسلة طويلة من الأحداث تشمل الموجات الأولى من الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، وتأسيس دولة إسرائيل، وتوسعها الإقليمي المتزايد، وتشريد الشعب الفلسطيني عام 1948، وإنكار الهوية الجماعية للفلسطينيين (من قِبل الإسرائيليين والعرب على حد سواء)، والاحتلال العسكري لجميع الأراضي الفلسطينية، والانتفاضتين الأولى والثانية، والتفجيرات الانتحارية الإرهابية التي تعبّر عن أحد أكثر أشكال الوطنية الفلسطينية الراديكالية.

ويخلص سعيد في هذا الكتاب إلى عدّة نتائج أهمّها أنّ دولة إسرائيل تتمثّل في طبيعة الصهيونية المتأصّلة فيها، والتي ترفض العيش بسلام بجوار الشعب الفلسطيني. كما وأنّها لم تسعى إلى تعزيز تجانسها الثقافي دون اللجوء إلى ممارسات قمعية واستعمارية وعنصرية. وأنّ كلّ ما يمكن للصهيوينة أن تكسبه يتمثّل في الاستيلاء على جميع أراضي فلسطين؛ فلا تنفك بذلك إسرائيل تقدّم للعالم صورة الشعب اليهودي الذي هو الشعب الأصلي في فلسطين، وبأنّ الأجانب هنا هم الفلسطينيون.

تغطية الإسلام .. آخر الاستشراق

جاء كتاب “تغطية الإسلام: كيف تتحكّم وسائل الإعلام الغربية في تشكيل إدراك الآخرين وفهمهم؟” ليكون بمثابة خاتمة لثلاثية الاستشراق التي وضع سعيد كلّ جهده واجتهاده واشتغاله الأكاديمي في خدمتها.

وخصّص هذا الكتاب للاستجابة الحديثة أو المعاصرة للعالم الغربي في ما يخصّ قضايا العالم الإسلامي منذُ سبعينيات القرن الماضي، ووجدَ سعيد أنّ النظرة التي كانت لدى مجمل دوائر صنع القرار والوسائل الإعلامية كانت نظرة عدائية بمعنى من المعاني، ويكمن سبب ذلك بحسب سعيد في: “النقص في توريدات الطاقة الذي أُحسَّ بهِ بشدّة والذي تركّز على النفط العربي ونفط الخليج، ومنظّمة الدول المصدِّرة للنفط (أوبك) والآثار المشوّشة الناجمة من التضخّم والارتفاع الرهيب في أسعار النفط على المجتمعات الغربية، أضف إلى ذلك الدليل الذي وفّرته الثورة الإيرانية وأزمة الرهائن لما أصبح يُعرف بـ “عودة الإسلام”.

وهذا ما استغلّته وسائل الإعلام الغربية بطريقة مباشرة لتنشر التعميمات والمغالطات حول العالم الإسلامي والمناطق التي كانت بؤراً لإنتاج النفط في الخليج العربي بما في ذلك إيران، ويقول سعيد: ” لقد زوّدت تلك التغطية مستهلكي الأخبار بالشعور بأنّهم باتوا يفهمون الإسلام دونَ أن تُشعرهم بأنّ هذه المواد الإعلامية لا تمتّ للواقع بصلة.”

ويدلّل سعيد على قوله ذاك بأنّ نحو 36 مراسلاً صحفياً لكبرى الصحف الغربية بما فيها “النيويورك تايمز” كانوا لا يجيدون اللغة الإيرانية وأنّهم كانوا لم يقرؤوا شيئاً عن هذه المنطقة وتاريخها أو طبيعة الصراع الدائر فيها آنذاك، وضف إلى ذلك أنّهم كانوا مهتمّين إلى حدّ بعيد “بالمانشيتات الصحافية” التي ستُسيل لُعاب القارئ الغربي. وكلّها عوامل أدّت لأن تكون تغطية الغرب للإسلام تغطية قائمة على أساس استشراقيّ واضح.

 

 

قد يعجبك ايضا