جردة حساب سوريّة

جردة حساب سوريّةجردة حساب سوريّة

  • السفير – ثائر ديب

خمس سنوات ونيّف من الحدث السوري – الذي ابتدأ انتفاضةً مدنية سلمية ولم يلبث أن جُعِلَ عملاً عسكرياً عنيفاً تقوده الحركات الإرهابية التكفيرية – كانت كفيلة بتبخّر كثير من الأشياء الزائفة، على رأسها أوهام النصر السريع لدى جميع الأطراف. هكذا تبخّرت أوهام «خِلْصِتْ» لدى النظام (وهذا ليس محلّ اهتمامنا النقدي أصلاً) وأحلام «رمضان القادم» لدى معارضين كثر. وتبخّرت رهانات التدخّل الخارجي والتطييف والعنف لدى المعارضة السائدة المتمثّلة بـ «المجلس الوطني» ووريثه «الإئتلاف» وكثير من «الناشطين» و «الشباب» الذين لم يثبتوا طويلاً عند لاءات الحركة الوطنية الديموقراطية السورية – متذرّعين بالقمع الوحشي أو بقوة الأمر الواقع – مع أنّها كانت شعاراتهم في البداية. بل إنَّ كثيراً من هؤلاء تبخّروا هم أنفسهم، لأسباب ليست موضوعية دوماً، تاركين لقوى الإرهاب وأمراء الحرب حتى تلك المناطق التي يدعونها «محررة» ناهيك بمناطق النظام، مكتفين بانتظار تدخّل خارجي ماحق، ليكتشفوا أنَّ لا تدخّل من هذا النوع إلا لمصلحة النظام ومن طرف حلفائه.




خمس سنوات ونيّف سادها لدى المعارضة خطّان لا يجمعهما أيّ جامع منذ البداية: خطّ «المجلس الوطني» و «الإئتلاف» من جهة وخطّ «هيئة التنسيق» من جهة أخرى. خطّ إسقاط النظام بعد أيام وعدم التفاوض معه إلا على تسليم السلطة وخطّ التغيير الوطني الديموقراطي المرتكز على قراءة لموازين القوى المختلفة ولموقع سوريا الجيوسياسي وسوى ذلك من الأمور الحاسمة. خمس سنوات زيّن فيها الوهم وسواه لكثيرٍ من أعضاء «هيئة التنسيق» أنّ النصر القريب معقود للخطّ الأول فانتقلوا زمراً وفرادى إلى هناك حيث جرى التلاعب بهم وخداعهم، كما يعترفون. هكذا تبخّر غليون وكيلو وكثيرون أقلّ شأناً كانوا في «هيئة التنسيق» وانتقلوا إلى حيث خُدِعوا.

خمس سنوات لم يكترث فيها أشاوس المعارضة لأربعة «فيتوات» روسية وصينية، لأنّ أوهام النصر القريب الذي وعد به الأميركيون أو ولّدته الغرارة تجعلك لا تكترث بمثل هذه «الترّهات» ولا بشعورِ قوىً إقليمية بخطرٍ يتهددها أنت مصدره. خمس سنوات لم نسمع فيها كلمة واحدة عمّا قد يكون من تضاد مطلق بين القوى الكبرى والثورات الديموقراطية في الهوامش التابعة. خمس سنوات كانت كافية، بمعارضيها الفَشَلَة وخطابهم الطائفي العنفي وبإرهابييها، لأن تدفع العالم إلى الرضا الواضح بالتدخّل الروسي وبالتحوّل من مقررات «جنيف» إلى مقررات «فيينا» المختلفة بجلاء.

خمس سنوات كانت كافية لتلاشي مشروع «إخوانيّ» مدعوم خليجياً وتركياً ركب على ثورات المنطقة وقادها إلى حتفها، ولم يلبث أن راح يتقافز كالمجنون كي يطفئ النار التي اشتعلت في ثيابه هو نفسه، لا سيما في مصر وفي تركيا أردوغان. خمس سنوات كانت كافية، في هذه السياقات، لأن يقتصر تكليف «فيينا» للسعودية على فتاتٍ بات نافلاً هو «إحضار» معارضةٍ سوريةٍ للتفاوض في إطار مقررات «فيينا» البعيدة عن تصور السعودية و «الإئتلاف» ومن لفّ لفّهما.

هذا هو السياق الذي تمخّض فيه جبلُ انتفاضة السوريين عن «الهيئة العليا للتفاوض». وإلى هذه الهيئة التي لن يكون لها أيّ شأن ويقودها جلاوزة سابقون سياسياً وإعلامياً، أرسلتْ «هيئة التنسيق» بعضاً خفيفاً من أبنائها في تكرار للمأساة الهزلية المتمثلة بالتحاق أبناء لها سابقين بـ«المجلس» و«الإئتلاف» حيث استُهلكوا لهنيهةٍ ثم رُموا.

بيد أنَّ خمس سنوات ونيّفاً من هذا السياق المقيت والمميت، لن يسعها أن تُطفئ جمرة السوريين المتمثّلة بنشدانهم حرياتهم وحقوقهم الأساسية. ذلك أنَّ الأمور على هذا الصعيد، وبعيداً عن كلّ إرهاب وارتباط مشؤوم، «لا خلصت ولا بتخلص».

قد يعجبك ايضا