جرمانا في ريف دمشق .. الكهرباء 2 بـ4 “لا عمل ولا نوم بعد اليوم!”

الاتحاد برس

إعداد: حسّان الشيخ

تتراوح درجات الحرارة في سوريا منذ مطلع الشهر المنصرم بين 30 و38 درجة مئوية، ويعاني المواطنون من انقطاع مستمرّ في تيّار الكهرباء في إطار تقنين حكومي يصفه الكثيرون “بالجائر”، أمّا المؤسّسات الحكومية المسؤولة بما فيها وزارة الكهرباء فكثيراً ما تتضارب تصريحاتها حول ملفّ الكهرباء، فتارةً يتعلّق هذا التقنين بمشكلات تقنية وأعطال فنّية في المحوّلات الرئيسية للكهرباء في البلاد، وتارةً يتعلّق الأمر بشحّ في مادّة الغاز وما إلى هنالك من الأعذار والمسوّغات التي يجترحها المسؤولون السوريون لتبرير هذا التقنين.

في حين يعاني سكّان مدينة جرمانا التابعة لحكومة دمشق، وبحسب إحصاءات أوّلية يتراوح عدد سكّان المدينة من مليوني نسمة إلى ثلاثة ملايين سيّما وأنّها شهدت موجات نزوح داخلية من مختلف المحافظات لم تتوقَّف منذ اندلاع الحرب السورية وإلى يومنا هذا، يعانون اليوم من أسوأ أزمة كهرباء منذ بداية الأحداث في البلاد عام 2011، فتشهد المدينة تقنيناً يصل إلى 16 ساعة يومياً ضمن ما يسمّى بتقنين “2 بـ 4”.

“الشكوى لغير الله مزلّة!”

يعيش أبو فؤاد (52 عاماً) وعائلته المكوّنة من خمسة أبناء وزوجتهِ هنادي في منزل مساحته 55 متراً مكعّباً في جرمانا منذ نزوحهم من محافظة الرقّة في عام 2014، يقول أبو فؤاد للاتحاد برس:

” والله ما حدا ينام الليل؛ لأن الكهربا تنقطع 12:30 ليلاً  وما تجي إلى بالـ4:30 عند الفجر، فما نلحّق انام ساعتين زمان حتّى نرجع انفيق من الحرّ الساعة 6:30 الصبح ولازم بعد ساعة نتيسَّر لأشغالنا .. فكيف الواحد يشتغل وهو مو نايم ليله؟ والشكوى بهالبلد لغير الله مزلّة.”

ويضيف:

” وساعة يقولولنا انضربَت المحوّلة وساعة يقولون ما في غاز وساعة شرطان الكهربا ما تحمل الحرّ وعلى هالحالة لا نهارنا نهار ولا ليلنا ليل .. وعلى باشر واللي عقبه ولكن ما شي يتغيَّر وإنّما يسوء بزيادة.”

ساحة السيوف _ مدينة جرمانا

وبكثير من الحسرة يشرح أبو فؤاد كيف ينام وزوجته وأبنائه وبناته (أفراد العائلة السبعة) في غرفتين ضيّقتين لا تصل إليهما نسائم الريح إذا هبّت، كما ويشرح عن عذابات العائلة في شحن أجهزتهم والاستحمام والطبخ في ظلّ انقطاع الغاز أحياناً ولجوئهم إلى الطبّاخ الكهربائي.

ولا يقتصر الأمر على أبو فؤاد، فثمّة أعداد كبيرة من العائلات النازحة إلى جرمانا تعيش ضمن شروط خدمية قاسية وفي مساحات ضيّقة ومنازل غير مجهّزة أو مكسوّة، وفي كثير من الأحيان لعدم قدرتهم على دفع مبالغ 200 و250 ألف للشقق المجهَّزة والمُخدَّمة، ويزيد التقنين الكهربائي فوق هذه العذابات عذابات عليهم.

أمّا حكومة دمشق، ونتيجة لغضب السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي وتذمّرهم من ساعات التقنين الجائرة، أعلنت عبر وزارة الكهرباء السورية أنّ نقص توريدات الغاز أدّت إلى خفض إنتاج الطاقة الكهربائية وبالتالي زيادة ساعات التقنين.

في حين أشار مدير الإنتاج في المؤسّسة العامّة لتوليد الكهرباء نجوان الخوري إنّ لدى الوزارة مجموعات توليد غازية جاهزة بوضع احتياط، بحدود 2100 ميغاواط، وأنّ واقع الطاقة الكهربائية سيتحسَّن في حال زادت واردات الغاز إلى هذه المجموعات ضمن كميات بحدود 19.8 مليون متر مكعَّب.

ووعدَ الخوري، في لقاء مع إحدى الفضائيات السورية المحلّية، بأنّ تحسّناً ملموسا ًسيطرأ على وضع الكهرباء بدءاً من السبت القادم، قائلاً إنّ الوزارة “بصدد إجراءات إعادة بعض المجموعات البخارية التي كانت في وضع الصيانة الطارئة، لكي تسدّ العجز الذي حصل نتيجة انخفاض كميات الغاز، وخروج بعض المحطات الغازية من الخدمة.”

“لا بنزين للمولّدات ولا كهرباء فكيف نعمل ؟”

لرضوان “46 عاماً” مشغل خياطة متواضع في إحدى المناطق الشبه صناعية في جرمانا، ويعتمد خطّ إنتاج مشغل رضوان على “سيري”/سلسلة من قطع الملابس المتنوّعة التي تطلبها المحال أو التجّار للتصدير أو للتوزيع في الأسواق المحلّية.

وبحسب رضوان فإنّ الكهرباء لا تغطّي سوى 4 ساعات من ساعات الدوام العشر في المشغل. ما يعني أنّها تغطّي 40% فقط من الإنتاج “هذا إذا لم تقطع فجأة في ساعات مجيئها المفترضة” ونتيجة لتعطّل مولّدته “لأن البنزين نظيف أكثر من اللازم” كما أشار بسخرية، فإنّه يواجه اليوم خَطَر التأخّر عن التسليم ممّا يعني: ” فقدان ثقة التجّار بالمشغل وقدرتهِ على تأمين الطلبات في المواعيد المحدَّدة” وبذلك فإنّ مشغله سيكون مهدّداً بالتوقّف عن العمل إذا لم ” تجد الحكومة حلّاً جذرياً لتلك المشكلة”.

ولا يعاني رضوان وحده من هذه المشكلة فهناك العديد من المشاغل والمصانع والمحال التجارية التي تعتمد في إنتاجها بالأساس على التيار الكهربائي، ولأنّ البلاد تعيش أزمة محروقات إلى جانب أزمة الكهرباء فإنّ ذلك غالباً ما يعني توقّف هذه المشاغل والمصانع والمحال لأيّام عن العمل إذا لم تتوفَّر مادّة البنزين، وهذا بدوره ما ينعكس على اليدّ العاملة التي تبغ أعدادها بالآلاف في هذه المدينة الكبيرة في ريف دمشق.

أمّا حول أسباب هذه الأزمة الحادّة في توليد الطاقة الكهربائية مؤخّراً يشير مدير الإنتاج في المؤسّسة العامّة لتوليد الكهرباء إلى أنّ انخفاض كميات الغاز إلى مجموعات التوليد، أدّى إلى خروج بعض مجموعات التوليد خارج الخدمة، وبالتالي انخفاض الإنتاج من الطاقة الكهربائية خلال هذه الفترة الأمر الذي انعكس سلباً على زيادة ساعات التقنين.

وقال الخوري: “إنّ كمّيات الإنتاج انخفضت من 2400 ميغاواط إلى 2000 ميغاواط، يتمّ توليدها حالياً، ومجموعات التوليد كانت تصلها كمّيات من الغاز بحدود 9 ملايين و600 ألف متر مكعَّب غاز، إلا أن ما يصلها اليوم هو بحدود 8 ملايين، و200 ألف متر مكعب من الغاز”.

وأوضح أنّ حاجة محطات التوليد الغازية تقدر بحدود 19 مليون متر مكعّب من الغاز ذلك يعني أنّ هناك عجز بمقدار 50% من هذه المادّة.

وذكر الخوري أنّ البلاد تعاني أزمة تزداد حدّة نتيجة شحّ المشتقّات النفطية، وبينها الغاز الذي تعتمد عليه مجموعات التوليد في سوريا، وسبق أن قدَّمت الحكومة وعوداً متتالية إلا أنّها لم تفلح في حلّ الأزمة.

ويوم الاثنين 2 أغسطس/آب أعلن وزير الكهرباء غسّان الزامل عودة إقلاع محطة “تشرين” الكهروحرارية وقال إنّ أوضاع الكهرباء ستعود “إلى ما كانت عليه”، دون أن يحدّد بالضبط القصد من ذلك.

 

قد يعجبك ايضا