حدودٌ داخل حدود.. تريد أن تمر عبر ” حارات” بلدك عليك أن تدفع للحاجز

الاتحاد برس_مراسلون
سام نصر

 

  • حاجز في مدينة جبلة لفرض الأتاوات
  • أساليب وكلمات عبور للحواجز الحكومية
  • حدودٌ دون جوازات سفر

كثيرٌ مايوعز السوريون في الداخل أسباب الأزمات الاقتصادية والغلاء إلى “ارتفاع قيمة الدولار الأميركي مقابل هبوطِ الليرة السورية”، إضافةً للحصار الذي تفرضه الولايات المتحدةُ وأوروبا على السلطة السورية، إلا أن أسبابًا أخرى داخلية تزيدُ من قوةِ رياحِ الأزمات الاقتصادية، التي تعصف بسوريي الداخل وتحرم كثيرًا منهم حتى من أبسط أولويات الحياة.

أسبابٌ يُعاني اليوم منها الكثيرين ممن يعيش داخل مناطق سيطرة حكومة دمشق، وخصوصًا من فئة التجار أو ممن اعتادوا السفر بين المدن، ويلتقون بعناصر الحواجز الأمنية، التي وعلى الرّغم من تخفيفِ أعدادها منذُ عامين، إلا أن من بقيَ منها، مازالَ يُشكّل أزمة اقتصادية داخلية وبطريقة “غير مباشرة”.

عمران، أحد سُكّان مُحافظة اللاذقية، ومالكٌ لـ”سوبر ماركت” كبير في إحدى أحياء الزقزقانية، اعتادَ شراء “البسكويت” من المعمل في مدينة جبلة، ويدعى “ليكو”، والذي يقع داخل حي الصناعة في مدخل مدينة جبلة الرئيسي، ودائمًا ما يشتريها من معملها مباشرًة بقصد الربح وتوفير تكاليف التاجر، الذي يوصل المُنتجات إليه، إلا أن حادثًا شهدته المنطقة، ضربَ بعرض الحائط كل العمليات التوفيرية تلك.

مراسل “الاتحاد برس” في المُحافظة ذاتها، التقى “عمران”، الذي شرحَ لنا، أنه وبعد شراءه لكمية لابأس بها له ولعدة محال أخرى في المنطقة، خرجَ بسيارته من شارع الصناعة، ليُوقفه حاجز تم وضعه منذُ فترة ليست ببعيدة، ويعود لـ”الفرقة الرّابعة” التابعة للقوات السورية، ويطلبون منه مبلغ 1000 ليرة على كل “كرتونة” واحدة.

أكملَ “عمران” كلامه بالقول: “دفعت مبلغ معين للعساكر هناك، وبالطّبع فإن هذه الخسارة سأضطر لتعويضها أثناء البيع، برفع السعر قليلًا، لأنني لو أردت دفع هذه الخسارة بمفردي، فلن يتبقى لي أي ربح، بل على العكس سوفَ أخرجُ خاسرًا”.

حواجزٌ بين المدن

لم تكُن قصة “عمران” الأولى ولا الأخيرة من بين آلاف، بل لربما مئات الالاف من الحوادث التي يُعانيها السوريون يومًا بعد يوم داخل مناطق سيطرة الحكومة ومعَ حواجزها الأمنية، فكلُّ عمليةِ نقلٍ لابدَّ من دفعِ “أتاوةٍ” مقابلها، وذلك باتفاق مُنظّم بين الحواجزِ جميعها على الطرقات الممتدة بين المدن والمُحافظات.

حاجز للفرقة الرابعة
حاجز للفرقة الرابعة

تحريّات مراسلي “الاتحاد برس” داخل المدن السورية والأسئلة الموجّهة لبعض المُعانينَ من هذه الأمور، أوصلتنا لأجوبة وكشفٍ عما يحصلُ بالطرق والتفاصيل، حيثُ أن المبلغ المفروض على أصحاب الشأن يُقاس بحسب ما يحملوه، فلو كانت سيارةٌ لنقل أثاث منزل، فيفرض مبلغ 15 ألفًا، أما إذا كانت سيارةٌ مليئة بالمُنتجات التي تجني أرباحًا، فُتفرض مبالغ أكبر قد تصل للـ300 ألف وأكثر.

أحد الأشخاص، الذي فضّلَ عدم ذكر اسمه، قالَ لمراسل “الاتحاد برس” في دمشق: “كنتُ أريدُ نقلَ أثاث منزلي من حلب لدمشق، وعندَ أول حاجز للفرقة الرابعة طلبوا مني مبلغ 20 ألفًا مع موافقٍة أمنية”، مُضيفًا أن العناصر أعطوه “كلمة سر” لعبور حواجز الفرقة الرابعة الأخرى، وكانت الكلمة حينها “بوكيمون”، حيثُ أن الرجل عندما يصل إلى الحواجز يقول “بوكيمون” فيمر دون دفعٍ للحواجز الأخرى الخاصة فقط بـ”الفرقة الرابعة”، أما الحواجز الأخرى فيجب الدفع بالطريقة ذاتها.

كلمة السر تلك التي ابتدعتها حواجز القوات الحكومية وسلطاتها، تأكّدَ لنا أنه يتم تغييرها كل 24 ساعة، لتجنّب استخدامها عدّة مرات من الشخص ذاته، بل لابدَّ له من دفع عدة “أتاوات” في حال أرادَ القيام بعملية نقلٍ أخرى، وفي يومٍ اخر.

حدودٌ من نوعٍ اخر

حينما ضجَّ الشارعُ السوري منذ عدّة أشهر بقرار دفع “جزية” الـ 100 دولار وتصريفها حسب سعر المصرف المركزي بدمشق، ظنَّ الكثيرونَ ممن سمعوا القرارَ أن هذا المبلغ الوحيد الذي ستدفعه لقاءَ عودتكِ إلى بلادك، وإذا كنتُ كقارئ تظنُّ ذلك فسأقول لك لا. قال أحد العائدين (م.ع) في زيارته مؤخرا إلى سوريا للاتحاد برس: عدتُ منذ عدة أشهر إلى سورية، ماستدفعه خلال رحلتك من المطار حتى المنزل، ربما سيتجاوز خسارتك إبان تصريف مبلغ الـ100 دولار بتهمة أنك “سوري” ويدعونكَ “مواطن”.

مطار دمشق الدولي
مطار دمشق الدولي

خلال استلامك لحقائب السّفر ودفعك “الجزية”، سيبدأ عمّال المطار بنقل الحقائب بالقول لك “الحمدلله على سلامتك .. شو بيطلع من خاطرك”.. وهنا سواء دفعت أم لم تدفع فستكمل طريقك خارج المطار لكونهم أناس بسطاء وليس بيدهم حيلة، وبعدها ستبدأ رحلة سفرك بين الحواجز والحدود الداخلية، حيثُ ستُفتّش عشرّات المرّات ولربما تتعرّض لعدة سرقات أثناء التفتيش، وذلك في حال لم تدفع “المعلوم”.

رحلتك مع “تكسي” ستُسهّل عليك الأمر، حيثُ أن السائق سيكون مُعتادًا على الأمر، حيثُ يُحضّر “رزمة الالافات” وعند كل عنصر أو حاجز يدفع “المعلوم” بنسب مختلفة حسب نوع الحاجز، مقابل السماح لكَ بالمرور و”بدون تفتيش” حتى ولو كنت تحمل “قنابل نووية” في حقائبك.

لذلك كما يقول المثل الروسي المشهور “وصولك لروسيا، لايعني دخولك الأراضي الروسية”، وهذا ماتطبّقه حكومة دمشق وقواتها، حيثُ أن “وصولك لسوريا، لايعني دخولك الأراضي السورية، بدون دفع (المعلوم)”.

وبين حاجزٍ يُقاسمُك أرباحك وأتعابك وحاجز يفرض عليك الجزية والأتاوات، تبقى الأسعار في ارتفاع لأن قسمًا منها ذهب لجيب الفرقة الرابعة المُنتشرة في كل رقعة جغرافيةٍ من مناطقِ سيطرة القوات الحكومية كما هو متعارف في الأوساط الشعبية. ويبقى معها السوري بمعاناته وألامه يُنازع أمام الطوابير ومحطات الوقود والأفران للحصول على مادٍة لعلها تساعده على الاستمرار.

 

قد يعجبك ايضا