حكايات سورية لمن ضاقت الحياة بهم ذرعاً ولم يستسلموا .. أو استسلموا

الاتحاد برس

محمّد خيّاط

“لا يمرّ يوم واحد دون أفكّر فيه بالانتحار؛ لقد بات الانتحار هاجسي الأوحد. فلا شيء لأقوم بهِ هنا: لا أصدقاء، ولا عمل، ولا حرّية للتعبير أو قدرة على التغيير، والأسوأ من هذا وذاك أنّه لا أمل في تحسّن كلّ ما ذكرتُ لكَ. لذلك أتوقّع ألّا خيار أمامي سوى السفر.”

تقول جورجيت (22 عاماً)، طالبة في كلّية الآداب في جامعة دمشق، للاتحاد برس حول كيف تعيش يومها في سوريا وكيف تفكّر حيال مستقبلها.

وبين الإيجابية المشفوعة بالأمل والسلبية التي يؤكّد عليها الواقع السوري؛ تتباين الآراء وتتنوّع الحكايات، حكايات بشرٍ عايشوا الحرب ويعايشون اليوم ما بعدها في أسوأ ظروف قد تشهدها بلد من البلدان عبر التاريخ، فكيف يعيش السوريين إذاً هذه المرحلة القاسية من مراحل حياتهم؟ وكيف يفكّرون حيال مستقبلهم؟

بين الانتفاضة والصبر .. كيفَ يفكّر السوريين في خلاصهم؟

على طابور يمتدّ إلى 500 متر وأكثر يقفُ أبو مهنّد لساعاتٍ يومياً لشراء ربطة خبز من فرن آلي في منطقة دويلعة_دمشق، هناك يتعرّف إلى عشرات الأشخاص الذين ضاقت بهم الحال ذرعاً، يقول للاتحاد برس: ” لقد كفر الناس بكلّ شيء تقريباً؛ بالوطنية، وبالعدالة، وبالكرامة وحتّى بحياتهم قد كفروا، لا يتحدّثون كثيراً ولكن يكتفون بالعبوس والامتعاض مشيرين إلى ضرورة الخروج من هذه الحفرة التي وقع الجميع فيها. ولكن ما إن يحصلون على ربطة الخبز تراهم كما ولو قد وصلهم للتو خبر ولادة زوجاتهن لصبيٍّ هو البكر.”

يرى أبو مهنّد أنّ السوريين بالرغم من إبدائهم الانزعاج الدائم من الأحوال السيئة التي وصلت إليها الخدمات في البلاد غير أنّهم لا يحاولون تغيير ذلك راضيين بالحلول الفردية وفي تحصليهم لربطة خبز أو جرّة غاز أو خمسين ليتر من المازوت.

وعن سؤالنا لأبي مهنّد حولَ ما يقوم بهِ هو للتغيير من هذا الوضع القائم، يجيب: ” أنا لا أستطيع تغيير شيء لوحدي، ولكنّي مستعدّاً لفعل أيّ شيء فيما لو تحرّك الجميع بيد واحدة ومطلب واحد لتخليص الجميع ممّا تورّطوا بهِ.”

لا يرى المحامي فؤاد (46 عاماً)، مقيم في دمشق، أنَّ الانتفاضة هي الحلّ متذرّعاً بما حدث إبان الثورة السورية من انتهاكات لم يستطع أحد منعها أو الحدّ منها على الأقلّ، فيقول: ” إنّنا في المنطقة العربية وخاصّة في دول ما يسمّى بـ”الربيع العربي” دفعنا أثماناً باهظة لنيل الحرّية ولم ننل شيئاً، وفي سوريا ذهبَ مليوني مواطن ضحيةً للاقتتال فضلاً عن خمسة عشر مهجّرٍ في مختلف أصقاع العالم ومن سأل علينا؟ لا أحد. ولذلك لا يمكن أن نضمن سلامة أيّ احتجاجات ميدانية يمكن أن تنزل إلى الشارع وتطالب.”

والجدير بالذكر أنّ 90% من السوريين باتوا تحت خطّ الفقر (أقلّ من 2 دولار للفرد يومياً) مع حلول عام 2021 بحسب منظّمة الأمم المتحدة، إضافة إلى أنّ 14.4 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

ويشير برنامج الأغذية العالمي إلى أنّ: “60 بالمئة من السكان السوريين يعانون الآن انعدام الأمن الغذائي”، بناءً على نتائج تقييم وطني في أواخر عام 2020. ويمثّل ذلك زيادة حادّة من 9.3 ملايين شخص كانوا يعانون انعدام الأمن الغذائي في أيار/ مايو من العام الماضي.

وأفادت المتحّدثة باسم برنامج الأغذية العالمي جيسيكا لوسون وكالة فرانس برس أنّ “المزيد من السوريين ينزلقون الى براثن الجوع والفقر وانعدام الأمن الغذائي أكثر من أي وقت مضى”. وتابعت “من المثير للقلق أن الوجبة الأساسية أصبحت الآن بعيدة عن متناول غالبية العائلات”.

 الشباب السوري والسخط المتجذّر في النفوس حيال كلّ تفاصيل الحياة

أثارتْ كلمة “مستقبل” التي ذكرناها في سؤالنا لجورجيت سخريتها، فتحكي عن سبب ذلك بالقول:

” إنّ علاقة السوريين هنا مع الحياة كعلاقة سيزيف مع صخرتهِ المتدحرجة في مسرحية كامو.”

وتضيف جورجيت موضّحة ذلك الرأي: ” أي أنّ الحياة بالنسبة للسوري مجرّد عبث بعبث، فبينما يصل سعر كيلو القهوة إلى 12000 ليرة فإنّ راتب الموظّف لا يتخطّى الـ60 ألفاً؛ أيّ أنّ راتبه تقريباً يساوي 5 كيلو غرامات من القهوة بلا هال!. فكيف ولا تكون حياته عبثاً.”

تختصر جورجيت مستقبل الشباب السوري بمحاولات عديدة للسفر؛ فلا شيء بالنسبة لها يمكن له أن يتحسِّنَ مدلّلة على ذلك بأنّ تخرّجها من الجامعة لن يسعفها سوى بوظيفة وأنّ هذه الوظيفة لا يمكن لها أن تؤمِّن لها حاجاتها لخمسة أيّام “فماذا عن باقي أيّام الشهر؟”.

أمّا جهاد، طالب في كلّية الفنون جامعة دمشق، فيقول للاتحاد برس واصفاً وضعه كطالب: ” إنّني أمام طريق مسدودة هنا في سوريا، كلّ يوم اكتشف أنّه من المستحيل العيش تحت وطأة هذه الأنظمة سواء التعليمية أو الأمنية أو التشغيلية، إنّها منظومة فاشلة بكلّ المقاييس تقف عثرةً في وجه الطلبة الطموحين، هذا ناهيك عن سوء المعاملة التي نتعرّض لها في كلّ تفصيل من تفاصيل حياتنا: على الحاجز، في المؤسّسة الفلّاحية حيث توزّع أسطوانات الغاز، في الديوان هنا في الجامعة، في كلّ تفصيل أنت معرّض كشاب أو كعجوز للإهانة المجّانية، لا لشيء ولكن فقط لأنّك تعيش في مزرعة.”

إنّ ما عرضنا له في هذه الحكاية مجرّد “فشّات خلق” سريعة أدلى بها بعض السوريين بكثير من السخط على الحال التي وصلت إليها البلاد بعد عشرة أعوام من حرب طاحنة لا تلوح في نهايتها أيّة تسوية أو حلّ سياسي يمكن أن يرتقبه السوريين مستبشرين عهداً جديداً تصانُ بهِ كراماتهم ومقدراتهم وحقوقهم.

قد يعجبك ايضا