حلب: ساحة الصراع الجديدة بين موسكو والقارة العجوز

عبد الوهاب عاصيالاتحاد برس | عبد الوهاب عاصي

من الملاحظ أن موسكو رغم إعلان سحبها الجزء الرئيسي لقواتها من سوريا، لا زالت تقود العمليات العسكرية للنظام السوري، لا سيما في حلب، وهذا يتضح من إعلانها تمديد فترة الهدنة التي تم التوصل إليها بعد جلسة لمجلس الأمن خاصة بما يجري في المدينة، دون أن يكون للنظام دوراً في ذلك، وهو الذي يقوم أصلاً بمجمل عمليات الاستهداف الناري والمكثف لها على مدار عشرة أيام انقضت.

ويبدو أيضاً في هذه الأثناء أن العواصم الرئيسية في الاتحاد الأوروبي، كانت وراء ضم مدينة حلب إلى الهدنة التي تم التوصل إليها بين الجانبين الروسي والأمريكي بعدما تعرقلت جهودهما في تثبيت هدنة وقف العمليات العدائية المقررة وفقاً لبيان مجلس الأمن 2268. حيث يأتي التحرك الأوروبي على خلفية جمود واضح مما يجري في سوريا، منذ أن أعلنت موسكو تدخلها العسكري، فغرفة عمليات الموك والموم التي تشارك فرنسا وبريطانيا كدولتين رئيسيتين إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية في قيادتهما، واللتين تعتبران مصدر تمويل معظم فصائل المعارضة في الشمال والجنوب، تعطلتا بشكل شبه كامل منذ التدخل الروسي تقريباً. فيما يُعتقد أن واشنطن ضغطت على الأوربيين في هذا السياق كي لا يتحول الصراع في سوريا إلى مأزق حقيقي بين الجانبين، ويمكن ملاحظة ذلك، من خلال توقيع الاتفاقية الأمنية بين الأردن وروسيا عقب تدخل الأخيرة في سوريا، فعمّان تعتبر شريك لندن في المنطقة بالإضافة إلى علاقتها الجيدة مع واشنطن، وأراضيها تعتبر مركز غرفة عمليات الموك. أما في الشمال السوري فغرفة عمليات الموم أيضاً قللت من دعمها لفصائل المعارضة المنضوية ضمنها بشكل كبير، وهذا ما جاء على لسان قادة الفصائل في أكثر من مناسبة، وبعد أن استطاع النظام السوري عزل مدن شمال حلب يبدو أن الموم اشترطت دعمها بأن يكون لجبهات تنظيم الدولة على الشريط الحدودي مع تركيا.

وخلال هذه الفترة يبدو أن تفاهمات كانت تجري بين أعضاء المجموعة الدولية لدعم سوريا، والتي تضم القوى الكبرى (روسيا، الولايات المتحدة الامريكية، والاتحاد الأوروبي) بالإضافة إلى وكلائهم الإقليميين في المنطقة، أدت إلى دفع مسار العملية السياسية في جنيف إلى الأمام نوعاً ما، إلّا أن هذه التفاهمات لم تدم طويلاً حيث استأنف النظام السوري عملياته العسكرية الواسعة في محيط حلب في البداية بشكل كبير حتى وصل الأمر إلى استهداف مركز المدينة بشكل غير مسبوق، ما دعا كلّاً من بريطانيا وفرنسا إلى عقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن، بالإضافة لاستئناف فصائل المعارضة عملياتها العسكرية غرب حلب؛ فيما يُعتقد أن قطر وتركيا قدمتا الدعم لهذه الفصائل عبر الموم، وهما اللتين حبستاه خلال الفترة المنصرمة للدواعي المذكورة أعلاه. لكن لم تستمر العملية العسكرية التي تقدمت خلالها الفصائل سوى ساعات معدودة ثم عادت للانسحاب من الأماكن الاستراتيجية التي سيطرت عليها، دون ذكر الأسباب الرئيسية لذلك، وفي أغلب الظن كانت هذه العملية أداة ضغط على روسيا التي سارعت إلى إعلان ضم حلب إلى الهدنة.

ويلزم في هذا السياق، التنويه إلى الاجتماع الذي جرى بين روسيا والناتو والذي جرى قبل تصعيد العمليات العسكرية في حلب بيوم أو يومين على أقل تقدير، هذا الاجتماع الذي عقد بعد عامين من تجميد التعاون وخلُصَ إلى عدم وجود نقاط تماس أو تقاطعات في عدد من الملفات؛ والسبب أن هذه الملفات مترابطة بدرجات مختلفة، ومن الصعب حل مشكلة من دون التعامل بمرونة مع المشكلة الأخرى. والخلاف بين الناتو وروسيا يدور حول أمن أوروبا تحديداً وهو خلاف قديم، تجدد بعد تدخل روسيا المباشر والكلي في أوكرانيا. ويبدو أن أوروبا باتت تربط جميع المشكلات ببعضها، وهذا ينطبق على الملف السوري. لذا يمكن الاعتبار بأن تجديد البلدان الأوروبية لموقفها مما جرى في حلب، واستئناف دعمها لفصائل المعارضة في الشمال تحديداً يأتي ضمن هذا السياق.

فالأوربيون يخشون أن يؤدي سقوط حلب بيد النظام بشكل عسكري على خلاف التوافقات المشتركة ضمن المجموعة الدولية لدعم سوريا والتي تؤمن بمسار الحل السياسي في جنيف دون اتباع روسيا سياسة القضم البطيء، أن يؤدي إلى استيلاء النفوذ الروسي على النظام في سوريا مستقبلاً، بالاشتراك مع الولايات المتحدة الأمريكية.

ويدرك الأوربيون أن روسيا تحاول استنساخ تجربة حمص في حلب، وذلك من خلال القصف الممنهج على حلب لإضعاف عوامل الصمود أمام الحصار الآتي. ضرب المستشفيات والمدارس ومحطات المياه والجوامع، كي يشكل المدنيون عوامل ضغط على المقاتلين المعارضين. ويلي هذا الحصار التوجه المباشر لقطع خطوط الإمداد مع تركيا وإدلب وحماة، عبر التنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية في الشمال، وهذا بدوره يمهد لمرحلة ثانية وهي اتباع سياسة الأرض المحروقة في إدلب، ضمن ذريعة قانونية وهي وجود جبهة النصرة. وسيناريو حمص كان من خلال ضرب المدينة بشكل واسع، ومن ثم فرض الحصار، وانتهى الأمر بالتسويات المحلية.

قد يعجبك ايضا