حنّة أرندت ومارتن هايدغر: الحب الأبدي بين نازي ويهودية!

الاتحاد برس

 

عام 1927 ولما كان الفيلسوف “مارتن هايدغر” يكتب أعظم الأعمال في تاريخ مسيرته الفلسفية، كان يعيش علاقة غرامية قوية مع الشابة “حنة أرندت” والتي ستصبح فيما بعد واحدة من أكبر منظري السياسة في القرن العشرين، درست أرندت آنذاك في جامعة ماربورج التي حاضر فيها هايدغر، وقد وصف الأخير علاقته معها بأنها الأكثر ملائمة لحياته، ووصف “أرندت” بالملهمة التي جعلت فكره ينضح بالعاطفة أحياناً.

 

حبيبة أم عشيقة عابرة؟

“أتعرفين ما أصعب شيء بين الأشياء جميعها، وبين كل ما مُنح الإنسان ليحمله؟ بالنسبة للباقي توجد طرق ومخابئ ليحتمي الإنسان بها، أما أن تقع فريسة للحب فذلك يساوي أن يعامل الإنسان بازدراء في حياته الأكثر خصوصية”

رسالة من مارتن هايدغر إلى حنة أرندت

 

كانت معالم الحبّ بارزة حتّى على النتاج الفكري للفيلسوفين الحبيبين، حيث قال “هايدغر” في محاضرة ألقاها عام 1936 أن الحبّ كما الكراهية شعور أصيل يحمل استمرارية حقيقية في وجودنا، ويجمع وجودنا على أساسه الحميم.

أما “أرندت” فكتبت عام 1953 أنه ما من شيء يقودنا إلى قلب العالم النابض حقاً ومؤكداً أكثر من الحب.

ظلّ “هايدغر” و”أرندت” عشيقين لفترة طويلة بالسرّ، كان الرجل يكبرها بسبعة عشر عاماً، متزوجٌ وله طفلين من زوجته “ألفريد”، بينما بلغت هي من العمر ثمانية عشر عاماً فقط، ومع أنها خافت على مستقبل علاقتهما ومشروعيتها، إلا أن العلاقة استمرت وفق قانون “دع الآخر يكون ما هو عليه” ومن ثم ستلعب الحرية دورها في تأكيد الحب.

ومع أن “هايدغر” دفع بـ “أرندت” الشابة الحالمة لتكون كائناً حراً، وأحبها حباً جماً، لكنه رفض بصرامة تغيير مجرى حياته والتضحية بعائلته من أجلها، فكانت تلك الأوقات هي الأكثر ملائمة لـ “هايدغر” وذلك لمساهمة “أرندت” بإلهامه، بينما ظلّت تلك الفترة من أكثر الفترات إيلاماً بالنسبة لها.

 

حب مخلص أم إخلاص للحب؟

حنة أرندت

عام 1929 وتحديداً في مدينة برلين الألمانية تزوجت “أرندت” من زميلها “جونثرن ستيرن” الذي قابلته بإحدى محاضرات “هايدغر”، لم تكن أرندت تحبّ زوجها الجديد أبداً، وكتبت يوم زفافها لعشيقها القديم: “لا تنسني”.

انتقلت “أرندت” بعدها للعيش في باريس، وقابلت عام 1936 الرجل الذي أطلقت عليه اسم حبها الأكبر، وهو الفيلسوف الألماني “هاينريش بلوخر” ثم هربت معه عام 1941 إلى الولايات المتحدة وكانت قد نسيت حبيبها القديم “هايدغر”.

أما “هايدغر” عاش في هذا الوقت مع زوجته التي لم يكن يحبها لكنه يعود لها دائماً بصفتها محطته الثابتة، وقد ظلّ يشغل فراغه العاطفي بعلاقات متعددة مع طالبات وشاعرات وسيدات مجتمع، ومع ذلك فقد صرح عام 1949 بأن “أرندت” هي حبّ حياته الوحيد.

تزامن ذلك مع عودة “أرندت” إلى أوروبا لترى عشيقها القديم الذي كان مؤيداً للحزب النازي ولم يعطِ بالاً لانتمائها اليهودي، ووجدته على حسب قولها “كلباً مرتبكاً يضع ذيله بين ساقيه”، بينما تجاوزت هي آنذاك شعورها بالغيرة عليه بعد تحوّل زواجها إلى حياة مشتركة يعيش كلّ فرد فيها حرّاً بالطريقة التي يريد.

ميزت “أرندت” بكتابها “يوميات الفكر” بين عدم الإخلاص غير البريء المتجسد بتقدم العمر والحياة، وبين جريمة عدم الإخلاص العظمى التي تغتال كلّ ما هو حقيقي في العلاقة الإنسانية وتدمر قلب الإنسان، قائلة أنه لا يمكننا أن نطلب من الإخلاص أن يكون حقيقياً إذا لم يكن هكذا بكامل إرادته.

ومع أن عدم الإخلاص هو الجريمة العظمى بنظر “أرندت”، لكنها أشارت إلى أن مشاعر العشق الحقيقية شديدة الندرة كالأعمال الأدبية العظيمة، وهذه الحقيقة هي التي جعلتها تبقي علاقتها بـ “هايدغر” قائمة إلى نهاية حياته بعد لقاء عام 1949.

كتبت “أرندت” في بطاقة لم ترسلها أبداً لـ “هايدغر”: “هو الرجل الوحيد الذي بقيت من أجله مخلصة وغير مخلصة، من دون أن أكف عن حبه”. بالتأكيد لم تكن حكاية الفيلسوفين حكاية حب مخلص، لكنها على جهة الأخرى ستبقى علاقة إخلاص للحب التي ظلّ ممتداً إلى أن توقف قلب هايدغر عام 1976.

 

قد يعجبك ايضا