خلافات عميقة ترخي بظلالها على المشهد التركي الألماني .. تركيا تسعى للتهدئة

الاتحاد برس_ حنين جابر

  • خلافات عميقة
  • تسليم لسوات يلدريم 
  • تنقيب تركي في المتوسط
  • تركيا تسعى للتهدئة

خلافاتٌ عميقةٌ ترخي بثقلها على المشهد التركي الألماني، تصاعدت في الآونة الأخيرة، على خلفية ملفات عدة أبرزها، تنقيب تركيا شرق المتوسط.

رغم أنّ الموقف الألماني كان الأكثر مرونة بين أقرانه في دول الاتحاد، حيال مسألة فرض عقوبات على أنقرة،  إلا أنّ ألمانيا لم تبدِ مرونة مماثلة، حيال الطلب التركي تسليم  معارضين لها يعيشون في ألمانيا.

خلافًا لذلك، أظهرت برلين موقفًا متشددًا  حيال ذلك، وأبلغت حكومة الرئيس “رجب طيب أردوغان” أنها لن تفكر حتى في تسليم المنتقدين المنفيين الذين يواجهون عقوبة السجن المؤبد في تركيا ورفضت طلب التسليم الأخير المقدم من السفارة التركية في برلين دون اتخاذ أي إجراء.

تصاعد الخلاف بين العضوين في حلف الناتو، بمنع الحكومة الألمانية تنظيم لقاءات لوزراء أتراك على أراضيها خلال الدعاية لحملة تعديلات دستورية على صلاحيات تنفيذية أوسع للرئيس أردوغان في العام 2017، وردًا على ذلك اتهم أردوغان برلين بممارسات أقرب إلى “النازية”.

خلافات عميقة

 

في شهر يوليو من العام 2017، صرّحت المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” أنّ “خلافات عميقة” بينها وبين أردوغان لا تزال مستمرّة، وخصوصًا على صعيد احترام دولة القانون. وأوضحت أن لقاءها أردوغان على هامش القمة في هامبورغ “أظهر بوضوح أن لدينا خلافات عميقة”، محورها حملة الاعتقالات الواسعة في تركيا إثر محاولة الانقلاب في 2016 وانسحاب القوات الألمانية من قاعدة انجرليك العسكرية التركية.

وقررت ألمانيا الانسحاب من القاعدة في 2017، حيث كان جنودها يدعمون عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة “داعش” والانتقال إلى الأردن، واتُخذ القرار إثر رفض أنقرة السماح لنواب ألمان بزيارة القاعدة، وذلك ردًا على منح برلين حق اللجوء إلى ضبّاط أتراك متهمين بالمشاركة بمحاولة الانقلاب في البلاد.

وصول جنود ألمان إلى قاعدة إنجرليك الجوية في تركيا عام 2015. وستنقل ألمانيا الجنود والطائرات المتمركزة هناك إلى الأردن.
وصول جنود ألمان إلى قاعدة إنجرليك الجوية في تركيا عام 2015. وستنقل ألمانيا الجنود والطائرات المتمركزة هناك إلى الأردن.

جدّ أحدث خلاف بين ألمانيا وتركيا مؤخرًا بعد أن دافعت وزيرة الدفاع  الألمانية أنيجرت كرامب-كارنباور عن تفتيش الجيش الألماني لسفينة شحن تركية في إطار مهمة الاتحاد الأوروبي ضد تهريب أسلحة إلى ليبيا، وقالت حينها “فعلوا ذلك في إطار ما تطلبه منهم المهمة الأوروبية إيريني” وهي العملية التي نددت بها أنقرة بشدة.

نشب الخلاف بين الطرفين بسبب مهمة بعثة “إيريني”، التي من شأنها أن توقف شحنات الأسلحة إلى ليبيا البلد الذي يشهد وقفًا هشًا لاطلاق النار وسط جهود سياسية بين الفرقاء الليبيين مدعومة من الأمم المتحدة ومن دول الجوار الليبي تستهدف تسوية الأزمة بين شرق وغرب البلاد سياسيًا.

وتواجه تركيا اتهامات بمحاولة تعطيل جهود التسوية سرًا وأن أثنت عليها في العلن.

تسليم لسوات يلدريم 

 

على وقع الخلاف مع  أوروبا بشأن انتهاك تركيا لحقوق الإنسان، كشف موقع نورديك مونيتور السويدي، بأنّ ألمانيا أبلغت حكومة أردوغان أنها لن تفكر حتى في تسليم المعارضين المنفيين الذين يواجهون عقوبة السجن المؤبد في تركيا، ورفضت طلب التسليم الأخير المقدم من السفارة التركية في برلين دون اتخاذ أي إجراء.

حول المسألة، أخطرت وزارة الخارجية الألمانية، وفق نورديك، السفارة التركية في 2 ديسمبر 2020، بأنّها لن تفكر في مراجعة طلبات التسليم التي أرسلتها تركيا عندما يواجه الأشخاص المعنيون أحكامًا مشددة مدى الحياة.

سوات يلدريم ، أستاذ تركي منفي يبلغ من العمر 80 عامًا ، ألف العديد من الكتب عن الإسلام وانتقد مديرية الشؤون الدينية في تركيا
سوات يلدريم ، أستاذ تركي منفي يبلغ من العمر 80 عامًا ، ألف العديد من الكتب عن الإسلام وانتقد مديرية الشؤون الدينية في تركيا

بالإشارة إلى أحكام المحكمة الدستورية الألمانية في 2010 و 2011، شددت الوزارة على أنه “في مثل هذه الحالات ، لن تتم الموافقة على طلب التسليم مع الحد الأدنى من معايير القانون الدولي المطبقة في ألمانيا والمبادئ الأساسية للقانون الدستوري الألماني.

يُعدُّ السجن المؤبد الذي حل محل عقوبة الإعدام في عام 2004 ، أقسى عقوبة بموجب قانون العقوبات التركي، وهذا يعني فرض قيود صارمة على النزلاء، والحبس الانفرادي، وعدم الإفراج المشروط المبكر، وهو ما ينتهك الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تعدّ تركيا طرفًا فيها.

وفق نورديك، تمّ تسليم رد الحكومة الألمانية بعد أن قدمت تركيا طلب تسليم  لسوات يلدريم ، الأستاذ التركي البالغ من العمر 80 عامًا والذي ألّف العديد من الكتب عن الإسلام وانتقد مديرية الشؤون الدينية التركية (ديانت). والأكاديمي مرتبط بأكثر منتقدي الرئيس أردوغان صراحة، فتح الله غولن ، وحركته.

تنقيب تركي في المتوسط

 

خلاف آخر شاب العلاقات التركية الألمانية وعموم أوروبا، على خلفية تنقيب تركيا في شرق المتوسط، ووافق قادة الاتحاد الأوروبي على توسيع العقوبات “الفردية” ضد أنقرة، على ألا تطال اقتصاد البلاد.

وتعهد الاتحاد الأوروبي في 11 من كانون الأول، بتوسيع قائمة الأتراك المستهدفين بحظر السفر وتجميد الأصول ل “قائمة سوداء” تتكون من موظفين اثنين في شركة البترول التركية، لافتًا إلى احتمالية استهداف المزيد من الأفراد، وربما إدراج بعض الشركات والمنظمات الحكومية في العقوبات، “إذا استمرت أنقرة في التنقيب بالمتوسط”. “بينما  وفق ما نقله موقع “بلومبيرغ”.

إلى ذلك، أعطى القادة الأوروبيون تفويضًا لوزير خارجية الاتحاد جوزيب بوريل “لكي يُقدم لهم تقريرًا في موعد أقصاه مارس/آذار 2021 حول تطور الوضع”، وأن يقترح، إذا لزم الأمر، توسيعًا للعقوبات لتشمل أسماء شخصيات أو شركات جديدة، حسب ما قال الدبلوماسي الأوروبي. وأضاف “الفكرة هي تضييق الخناق تدريجيًا”.

وتصاعدت الخلافات بين أثينا وأنقرة مع نشر تركيا في آب/أغسطس 2020 السفينة عروج ريس لإجراء عمليّات استكشاف في مناطق بحريّة متنازع عليها مع اليونان وقبرص.

تنقيب تركيا على النفط في سواحل قبرص
تنقيب تركيا على النفط في سواحل قبرص

أبدت برلين منذ بداية الأزمة ميلًا أكبر للحوار لحل الخلافات العالقة لاعتبارات تتعلق بالمصالح الاقتصادية وتجنب صدام من شأنه أن يرخي بظلال ثقيلة على حلف شمال الأطلسي “الناتو” بينما تطمح أوروبا لمعالجة شروخ سابقة بين ضفتيه.

تركيا تسعى للتهدئة

 

تحاول تركيا في الآونة الأخيرة إعادة الزخم للنشاط الدبلوماسي بغرض تهدئة التوترات القائمة والكامنة على خلفية تدخلها العسكري في ليبيا وأنشطة التنقيب في شرق المتوسط التي أثارت غضب الأوروبيين

على إثر ذلك، يجري وزير الدفاع التركي خلوصي أكار  الثلاثاء المقبل زيارة لبرلين لدفع الجهود الدبلوماسية في طريق معالجة الملفات العالقة، وأشادت وزيرة الدفاع الألمانية أنيجرت كرامب-كارنباور باستئناف المباحثات بين تركيا واليونان قبل زيارة نظيرها التركي خلوصي آكار لبرلين.

كرامب-كارنباور  قالت بالنظر إلى اللقاء “آمل أن تستفيد كل الأطراف من فرصة الحوار من أجل التوصل لحل للقضايا المتنازع عليها في شرق البحر المتوسط”، مضيفة “نعتزم خلال المباحثات تبادل الرأي حول مواقفنا تجاه موضوعات مشتركة”.

سبق ذلك، تصريحات أردوغان الناعمة، في محاولة منه للتقرب من جديد إلى أوروبا، حيث وصف استئناف المحادثات بين أنقرة وأثينا بشأن الحدود البحرية والتنقيب عن الطاقة في 12 ديسمبر الفائت 2021،  بأنه “يبشر بحقبة جديدة”.

وأكد أردوغان أن تركيا مستعدة لإعادة العلاقات إلى مسارها الصحيح، وأنها ملتزمة بهدف العضوية الكاملة في الإتحاد. وأضاف: “حالة عدم اليقين التي زادت مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا يمكن التخلص منها إلا مع أخذ تركيا للمكانة التي تستحقها في الأسرة الأوروبية”.

تناور تركيا في علاقتها مع دول الاتحاد الأوروبي وعلى رأسهم ألمانيا، باستخدام أوراق ضغط تملكها، لتحصيل مكاسب، ولاسيما وأنّ انضمامها للاتحاد الأوروبي لم يتحقق  رغم محادثات بدأت محادثات منذ عام 2005، إلا أن العلاقات توترت بعد محاولة الانقلاب التي شهدتها تركيا عام 2016، وهي مجمدة الآن، وهي الآن تتراجع عن تصعيدها، خوفًا من توسيع العقوبات الأوروبية، خصوصًا وأن اقتصادها يعاني من أزمة عاصفة بسبب أزمة كورونا ومغامرات أردوغان العسكرية.

 

 

قد يعجبك ايضا