خلافات عميقة لا تتجاوز السطح تزيد أوجاع الثورة

syriaالاتحاد برس – آدم ملحم

لم تحظ الثورة السورية بزعيم تاريخي، يشد من أزرها في منعطفات انحدارها، وكذلك في ذروة انتصارتها، ليس من صورة لزعيم مدني أو عسكري، يلتف من حوله الناس أو الجنود، يشحذون همتهم من همته العالية، يواسيهم في مصابهم وما أكبره، يطلق الوعود بمستقبل آمن لهم ولأبناءهم فينتظرون تحقيقها، يزورهم في مناطقهم المحررة، أو يتقدمهم في معاركهم.

ولعل من قائل أن ثورات الربيع العربي، خلقت في حد ذاتها جدلية جديدة، تندثر معها الحاجة إلى قائد تاريخي جديد، يكرس رموز الاستبداد، ويخلق لذاته التماثيل والأصنام التي قامت الثورة فيما قامت لتحطيم هذه التماثيل الرخامية ومدلواتها، لتظهر الحاجة الملحة إلى أحزاب سياسية معارضة متنوعة ومختلفة تتأتلف وتتحالف في تكتلات سياسية، تقود مرحلة انتقالية، فتعمل على صياغة العقد الاجتماعي الجديد للدولة، ثم مايلبث أن يختار الناس عامة لاخاصة، ما يتفق مع برنامجها السياسي الاقتصادي الانتخابي.

لكن المشكلة أيضاً أن الثورة السورية في عموم مراحل تطوراتها، لم تخلق مثل هذه الأحزاب الحقيقية العميقة في المجتمع، رغم مئات التكتلات الحزبية السياسية التي أفرزتها الثورة والنظام على حد سواء، وما هو ما عد بشكل من الأشكال عاملاً من عوامل تأخر سقوط النظام واستمرار وحشيته في إبادة السوريين.

عرفت الثورة السورية أشكالاً متنوعة من التكتلات السياسية، التي تنافست على تمثيل السوريين، وعانت فيما عانت هذه التكتلات من أمراض النظام السياسي السوري الذي ما فتأ يحكم البلاد منذ مايقرب من نصف قرن، وصنفت تصنيفات مختلفة تطورت مع تطور الثورة، من معارضة داخلية وأخرى خارجية، دينية ولا دينية، تؤيد التدخل الخارجي وأخرى تقف ضده، محسوبة على النظام وأخرى مناوئة له، ما انعكس بحال من الأحوال على التشكيلات العسكرية التي تقاتل على الأرض أيضاً.

ولم يستطع خطاب المعارضة في معظمه وكذلك أحزابها من الاقتراب من المطالب الشعبية التي تعبر بعمق عن مكنونات الشارع السوري المنتفض، فتحولت الأحزاب إلى هياكل كرتونية على شاكلة أحزاب الجبهة الوطنية التي يقودها حزب البعث الحاكم في سوريا منذ استلامه السلطة، حتى في تحالفاتها بدت المعارضة مكبلة بقواعد وشروط يضعها الممولون الذين يلعبون خلف خشبة المسرح السوري، وبات اتخاذ قرار أو إصدار بيان يحتاج دراسات متأنية وسلسلة من المشاورات التي تبدأ ولاتنتهي.

ولئن بدت خلافات المعارضة السورية عميقة على السطح، فإنها سطحية بالعمق، لاتمت بشكل من الأشكال إلى برامج سياسية اقتصادية ترسم ملامح الدولة السورية وهويتها الوطنية في المستقبل، ماتزال تقف في عنق الزجاجة المتمثل بالخلاف على رحيل نظام الأسد وشكل هذا الرحيل ودور كل طرف في مابعده، ولاتتعدى ذلك إلا فيما ندر، وإن كان السوريون يلمحون أشكالاً من المعارضة لايمكن تصنيفها وفق هؤلاء كان النظام قد صنعها، ليخلق أطراف له يحاورها في المؤتمرات الدولية، وهي بكل حال من الأحوال ماتزال تعتاش في كنفه وتجهر بأن الأسد ليس المسؤول الوحيد عن الكارثة الإنسانية التي أحيقت بسوريا.

لم يعرف السوريون إذاً زعيماً تاريخياً، وكذلك لم يعرفوا كياناً سياسياً جامعياً وطنياً يعبر عن ثورتهم، لكنهم عرفوا تجمعات سياسية ترويجية تروج لنفسها في المفاوضات الدولية على شاكلة الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، الذي “يدير الصراع” من الحدود، ويجول أعضاءه عواصم العالم، في وقت يموت فيه السوريون قصفاً وقتلاً وغرقاً، يفاوض باسمهم في وقت تحول فيه الأعضاء إلى جباة أموال، وكتاب بيانات تدين هنا وتستنكر هناك، أو هيئة التنسيق الوطنية التي لبست لبوس الثورة كقوى يسارية تحمل المظلات حين تمطر السماء في موسكو، وحافظت طيلة سنواتها على ذات الخطاب حتى ظهور أولى المقاتلات الحربية الروسية في سماء سوريا، الإسلاميون أيضاً لم يكونوا بمنأى عن هذا الجرح السوري النازف، فاغتالوا مااغتالوا من طهر الثورة، وأعاقوا هنا وعبثوا هناك، حتى باتوا عبئاً ثورياً، ولا القوميون أو العلمانيون الذين يكتبون وصاياهم الثورية في أبراج عاجية.

يتم الثورة السورية، واحد من أبرز سماتها التاريخية، وميزة انفردت بها لحين انتصارها، يسجل التاريخ هذا، مثلما يردد السوريون كل يوم، الجميع مجرم، الجميع شركاء في سفك الدم.

قد يعجبك ايضا