دروس مستخلصة من سنوات السجن الثلاث في إيران

الاتحاد برس _ مترجم


موجز عن قصة وانغ

 

في 7 كانون الأول/ديسمبر قال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في تغريدة على التوتير عقب إطلاق سراح شي يوه وانغ وهو باحث أميركي وطالب في جامعة برينستون : لن تهدأ الولايات المتحدة حتى تعيد مواطنيها المعتقلين في إيران وكافة أنحاء العالم، وذلك بعد الإفراج عن المواطن الأمريكي من إيران، بعد احتجازه ثلاث سنوات، في حين أطلقت واشنطن سراح سجين إيراني في المقابل وهو البروفيسور مسعود سليماني.

 
 
 
 
 

لقد احتُجز وانغ عام 2016 ووُجّهت له بعد ذلك تهمة التجسس وسهلت سويسرا من خلال سفارتها التي تمثل مصالح أميركا في إيران عملية التبادل كوسيط شكرها آنذاك محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيرانية.

وانغ تحدّث كثيرًا للإعلام عن تجربته، لقد طلبوا مني أن أكتب بالفارسية والانكليزية أنني جاسوس قال ذلك في مقابلة مع الإذاعة العامة الوطنية الأميركية.

عن الدروس يخبرنا وانغ

 

اليوم يكتب وانغ في مجلة الفورن أفيرز مقاله الذي يستخلص فيه بعض الدروس، كما جاء في عنوانه، دروس بعد ثلاث سنوان في سجن أيفيلين سيء السمعة.

في مقاله المنشور 3 آب/أغسطس المنصرم يقول وانغ بعد فترة قصيرة من اعتقاله من جانب جهاز المخابرات الإيرانية يسأله أحد المحققين عن رأيه في العداء بين الولايات المتحدة الأميركية و إيران يقول له رأيه كما كثير من الأميركيين أنه لا يعتقد أنه يجب أن يكون هناك عداء وان على الرئيس باراك أوباما وقتئذ أن يزور طهران ويفتح صفحة جديدة كما فعل ريتشارد نيكسون بذهابه إلى بكين عام 1972.

خلال 40 شهرا قضاها وانغ في معتقل “إيفين” في طهران السيء السمعة، تغيرت نظرته لطبيعة العلاقة بين أميركا وإيران فضلا عن ماهية النظام الإيراني. لقد شاهد وانغ أعمال العنف من الداخل بحق السجناء وتعلّم الكثير منهم وخصوصًا ممن عملوا مع النظام في السابق.

يقول وانغ أن تعليقه حول وجوب زيارة “باراك أوباما” لإيران لتطبيع العلاقات كان بمثابة دليل استُخدم ضده واتُهم بمحاولة التخريب والتجسس بهدف إسقاط النظام الإيراني، مسرحية هزلية استمرت لمدة عام.

خطاب النظام الإيراني المعتاد هو حكم مسبق بلا دليل لإدانة ومعاقبة المواطنين الأميركيين الأبرياء، يستخدمهم النظام كرهائن للضغط على الحكومة الأميركية لتقدّم التنازلات، ولكن هذا الإجراء سمة أساسية تعبر عن بعد إيديولوجي مهم للنظام الإيراني؛ أي أن المصالحة مع أميركا تهدد بقاءه وليست مقبولة ولذا فإن محاولات التقارب يجب عرقلتها.

السبب الجوهري للعداء

 

يرى وانغ المعتقل الأميركي السابق في إيران أن العداء لأميركا هو مرتكز أصيل في إيديولوجيا الجمهورية الإسلامية، هي تصوّر نفسها كمدافع عن المسلمين ضد الولايات المتحدة كدولة إمبريالية توسعية. خطاب التهديد ضرورة وبدونه تنتفي أسباب وجود النظام لعدم وجود عدو خارجي ما يبرر عمليات القمع الداخلي ومساعيه للتوسع في الشرق الأوسط وأبعد من ذلك، فلا مصلحة لإيران بالمصالحة والتطبيع مع أميركا.

سعيد جيليكيان السكرتير السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني قال لوانغ وهو الآخر سجين أيضا، “هذا العداء والحفاظ عليه أيًا تكن سياسة أميركا تجاه إيران مطلوب ولازم والنظام لا يريد مصالحة، ويريد الحفاظ على مستوى من توتر العلاقات “قادر على التحكم بها” من أجل تبرير شرعيته”.

وفي سياق متصل، يتابع وانغ ومن خلال أقوال سجين معه أن سفيرًا إيرانيًا لدى الأمم المتحدة أعرب عن أسفه بأن المصلحة الوطنية الإيرانية على المدى الطويل ستتضرر من العداء الدائم لأميركا بسبب السياسات الداخلية والخارجية للنظام، ونصح مرؤوسيه بالتخلي عن الأمل بأي تقارب لأن نظام الجمهورية الإسلامية لن يسمح بذلك.

العداء لأميركا أمر جوهري في إيديولوجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية


يقول وانغ أن الموالين للنظام يستغلون العداء للولايات المتحدة لتحقيق مكاسب شخصية ومؤسساتية، إن المحقق في نهاية عملية الاستجواب كان يريد مني أن اعترف بأنني جاسوس أميركي، مع علمه بأنني لست كذلك؛ وقال أن هذا الاعتراف ضروري ليتمكن جهاز المخابرات الإيرانية من رفع دعوى ضدي حتى تطالب بي دولتي ويتم تبادل الأسرى ودفع مقابل. لقد كانت صراحة المحقق صادمة.

لقد علمت فيما بعد من مصادر إعلامية أن جهازي الحرس الثوري الإيراني والمخابرات في تنافس صريح وظهر علنًا حول من له الفضل في استرجاع 1.7 مليار دولار من الأصول المجمدة التي تزامنت مع إطلاق سراح سجناء أميركيين في يناير 2016 ولذا وكما يرى وانغ من المنطقي استمرار اعتقال الأميركيين لاستخدامهم في تحصيل مكاسب سياسية ومالية.

أيضأ، بما يخص العقوبات التي تبدو ثمنًا كبيرًا تدفعه إيران لكن يتم تجييره لتحقيق مكاسب لشخصيات في النظام وشرائح مستفيدة من خلال عمليات احتكار لقطاعات اقتصادية رئيسية على حساب المواطن الإيراني.

ومن أجل ديمومة صورة الضحية بالنسبة للنظام في عيون الشعب الإيراني يصبح الالتفاف على العقوبات الأميركية بوسائل غير مشروعة مأثرة، لقد شارك بعض السجناء ممن عملوا مع النظام الإيراني وانغ بقصصهم عن غسل الأموال والتهرب من العقوبات وتحدّثوا بكل فخر.

في بعض الأحيان، يعلّق بعض صنّاع السياسة في أميركا أمالهم ويبنون سياستهم تجاه هذا البلد على ضوء التوترات بين أجهزة الاستخبارات و أجنخة سياسية وعسكرية في إيران، المعتدلون في إيران لا يشكّلون قوة سياسية متماسكة لها برنامج وقيادة سياسية واضحة. لا يسيطرون على موارد اقتصادية و عسكرية ملحوظة حتى عندما يكونون في رأس السلطة، فلا يشكّلون بديلا واقعيا لمنظومة الحكم بالنسبة لصنّاع السياسات في أميركا بحسب وانغ.

المعتدلون هم وجه آخر للنظام نفسه كما يعتقد وانغ، يعيشان في علاقة تكفالية/تعايشية مع بعضهما، حيث يعتمد المتشددين عندما يتبوؤون السلطة على المعتدلين لقيادة العلاقات مع المجتمع الدولي نيابة عن النظام والحفاظ على السلطة الدينية أيضا، وأصبح الناس ينظرون لكلا الطرفين على نفس المستوى؛ أنهم فريقان يريدان الحفاظ على الامتيازات السياسية داخل البلاد.

يضيف وانغ أن الحرس الثوري الإيراني هو الحاكم الفعلي وصاحب السلطة الفعلية في إيران والمعتدلين يعملون تحت إشرافه واستمرار ولاية الفقية وحماية المرشد.

تهديد أكثر مما هو وعد


تزامن سجن وانغ في إيران مع تنفيذ مبكر للاتفاق النووي الإيراني، كما جاء في أوراقه كان اتفاقًا تاريخيًا بتقييد برنامج إيران النووي مقابل رفع بعض العقوبات الدولية، واعتبر بارقة أمل في اتفاق وعصر جديد في العلاقات الأميركية الإيرانية. لكن ومن سجنه بدت لوانغ تلك المثالية المتفائلة في غير محلها تمامًا كالأمل في الإصلاح السياسي الداخلي في إيران.

يضيف وانغ: كان النظام الإيراني،كما رأيته، مترددًا بشدة بشأن الاتفاق النووي. كان النظام متحمّسا للاستفادة ماليّا، بيد أن الحرس الثوري الإيراني تحديدًا كان يخشى أن يؤدي الاتفاق إلى مطالب بإصلاحات سياسية واقتصادية ليبرالية من شأنها أن تضر بمصالح النظام.

في الواقع، رأى النظام الإيراني وداعميه المتشددين ازدهار الأنشطة الاقتصادية في إيران بسبب الصفقة بمثابة تهديد لهم، وكانوا قلقين من أن القطاع الخاص المزدهر سيعزز المجتمع على حساب الدولة. لهذا السبب  سارعوا إلى خنقه، وخاصة في قطاع التكنولوجيا.

عندما بدت المثالية في غير مكانها كالإصلاح السياسي في إيران

 

كان من الممكن أن تسهّل صناعة التكنولوجيا الإيرانية تحفيز النمو الاقتصادي بالنظر إلى الطاقات الكبيرة من المهندسين من طراز عالمي من حيث الكفاءة. لكن المتشددين رأوا فيهم تهديدا. 

بعد فترة قصيرة من إبرام الاتفاق النووي، بدأ النظام الإيراني حملة غير مسبوقة ضد تلك الشركات، اتهموا فيها صنّاع التكنولوجيا ورواد الأعمال الصاعدين بالتحالف مع الغرب (وخاصة الولايات المتحدة) والسعي لتخريب النظام الإيراني على مهل لإحداث تغيير في النظام.

في السجن، قابل وانغ عددًا كبيرًا من رواد الأعمال المتعلمين والمتخصصين في التكنولوجيا والمفكرين. لقد تم اعتقالهم جميعًا تحت عنوان ” نَفَز. خلال الفترة نفسها – بعد تنفيذ الاتفاق النووي مباشرة – واصل النظام قمعه ضد نشطاء حقوق المرأة والأقليات الدينية والمثقفين الليبراليين وغيرهم. 

أيضا على المستوى الإقليمي، كان النظام الإيراني حريصًا على التعبير عن استقلاله ومقاومته المستمرة للمصالح الأمريكية بعد توقيعه على الاتفاق النووي. لقد اختبر الصواريخ الباليستية واستمر في دعم وكلاءه في العراق واليمن ولبنان وفلسطين ، وكذلك نظام بشار الأسد في سوريا. وأثار التوترات في السعودية والبحرين. كانت الرسالة الأساسية شديدة الوضوح : لن تعدّل إيران سلوكها في المنطقة بسبب الصفقة، لكنها ستوسع نفوذها بدلاً من ذلك.

نجاة الثيوقراطية وحلفاءها في إيران يتطلب الحفاظ على حالة العداء لأميركا

يختتم وانغ مقاله مطالبًا الساسة الأميركيين والجمهور بأن يدركوا جوهر الإشكال في علاقة إيران مع بلادهم وأن الأمر متمحور حول حقيقة أساسية:

إن بقاء الثيوقراطية/الحكم الديني المتشدد وتلك ” النخب ضمنه” ببقاء حالة العداء للولايات المتحدة، للإبقاء على حالة الصراع قائمة دون الوصول إلى حرب تهدد وجوه النظام الديني الحاكم. هي لعبة دقيقة تمارسها الجمهورية الإسلامية الإيرانية يذهب ضحيتها من هم مثل وانغ وأيضا ناس عاديين في إيران و الشرق الأوسط.

إن أهمية الولايات المتحدة بالنسبة لإيران أكثر من أهمية إيران بالنسبة للولايات المتحدة. لكن النظام الإيراني قوة مخرّبة يمكن أن تلحق ضررًا كبيرًا بمصالح الولايات المتحدة وحلفائها. هذه القدرة على التخريب هي النفوذ الرئيسي الذي تمارسه إيران. يجب ألا يغيب ذلك عن بال واشنطن.

إن التفكير بقدرات المعتدلين على إحداث تغيير في بنية النظام هو أمر يساعد في الواقع على تأجيج العداء لأميركا ومعلومات مضللة لمصلحة النظام الإيراني تسمح له بالاستفادة من الانقسامات السياسية داخل الولايات المتحدة الأميركية.

 

 

إعداد وترجمة: وائل رئيف

 

قد يعجبك ايضا