دور الإخوان المسلمين في إفشال الثورة السورية

دور الإخوان المسلمين في إفشال الثورة السوريةدور الإخوان المسلمين في إفشال الثورة السورية

السوري الجديد – مصعب الحمادي

مزاعم باطلة وافتئات على الدين

تزعم جماعاتٌ من المسلمين أن النصوص الدينية ناجزة منذ أربعة عشر قرناً وقوالة لكل شيء بما في ذلك شكل الدولة التي يجب على المسلمين بناءها وفقاً لمخطط رباني قديم أزلي غير قابل للتغيير. فمن تقيد بهذه المخطط أو التصور المزعوم لشكل الدولة فهو إسلامي ومن لم يتقيد فهو علماني. ولا يعلم على وجه الدقة لماذا اختار الإسلاميون تقسيم المسلمين بهذا الشكل. هل جاءهم نبي بعد خاتم الأنبياء اسمه حسن البنا؟ أم هل نهض من وسط مجتمعاتنا الجاهلية مجدد أرسى لدين جديد اسمه سيد قطب؟ إلى أي مدى ينطلي تقسيم المسلمين إلى إسلاميين وعلمانيين على تكفيرٍ مبطن بغيض؟ وكيف يختلف هذا التقسيم الجائر عن مبدأ الولاء والبراء الذي تتمسك به الجماعات الإرهابية التكفيرية؟ بل لا بد أن يصبح السؤال عندما تذكر هذه الجماعات فيما إذا كانت هذه تنشأ من فراغ أم أن لها عتبةً مبدئية تصعد عليها هي الإسلاميين وتيارات الإسلام السياسي؟

يروى عن النبي محمد أنه قال: دينك دينك لحمك ودمك! وهو لم يقل دينك حزب يؤمن لك مقعداً في البرلمان أو سلم تصعد عليه لتصبح عضواً في الائتلاف الوطني السوري. والقرآن الكريم بتعريف الفقهاء نص يتعبد بتلاوته ومن الافتئات على الدين والإيمان أن نجتزء من سياق القرآن عبارة هنا وكلمة هناك لنقول أنه يحدد شكل الدولة أو قواعد تأسيس البنوك أو خطة مناهج الجامعات أو هندسة محركات الطائرات وغير ذلك مما هو شأن السيرورة البشرية التي تدخل في باب الحديث النبوي: أنتم أعلم بشؤون دنياكم.

العلمانية بالمقابل ليست إيديولوجية وإنما مجرد رفض لتخريص من يزعم أن الدول تقوم على أكتاف الحاخامات والقسس والشامانات والمشايخ, وإصرار بالمقابل على أنها تقوم على أفضل ما أنتجته النظم البشرية عبر مسيرة تطورها بما يخدم أفراد أمة من الأمم بكل نحلهم وأعراقهم. نشأ هذا التصور في أوربا تحديداً إبان عصر النهضة عندما وضع الفلاسفة تصوراتٍ تحد من هيمنة الكنيسة بمعتقداتها الخرافية ووصايتها على الدول الوطنية التي بدأت تنشأ إبان تلك الفترة فتعيق عجلة التطور الأوربية التي كانت تتقدم باطراد نحو أفق إنسانية رائعة ستقطف ثمارها لاحقاً البشرية جمعاء وليس أوربا فحسب. وهكذا كفى الأوربيون المسلمين مؤونة الأمر بل إن مهمة المسلمين في تمثل هذا الجانب من العلم السياسي الأوربي كانت أسهل بكثير من تمثل أمور أخرى ما نزال نقف عاجزين على أعتابها كالتكنلوجية المتقدمة. ومما سهل على المسلمين ذلك خلو الدين الإسلامي من الكهنوت الذي تعجّ به المسيحية فالإسلام هو دين الإله الذي وصف نفسه بأنه “قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني” فترك الباب بين السماء والأرض مشرعاً لكل الناس بنفس الدرجة.

وللمفارقة فإن كلمة علمانية موجودة في الترسانة اللغوية العربية لكن ليس في التراث الإسلامي بل المسيحي. فرجل الدين المسيحي قبل أن يتبتل إلى الله ويقرر أن يترهبن يكون شخصاً عادياً كأي مسيحي في هذا العالم, لكن عندما يترهبن يدخل في طريق الرب تاركاً العالم وراءه فنحن نشير إلى حياته السابقة بكلمة العلمانية أي عندما كان في علمانيته أي يعيش في هذا العالم الذي نحن فيه قبل أن ينقطع في الصومعة أو الدير.

لم يبلغ التراث الإسلامي ما بلغ من الاتساع في المدارس والبحوث والمذاهب لولا أن المسلمين على مر العصور لم يخوضوا أروع التجارب البحثية ليجتهدوا وينتجوا في كل عصر ما هو مناسب لحياتهم وحسن لمعاشهم. ونحن بدورنا غير معنيين بتاريخ التوتر الذي نشأ بين الكنيسة وفلاسفة التنوير الأوربيين فهذا أمر صار وراء ظهر أوربا نفسها فكل ما علينا هو أن نستمر في أن نكون جزءاً من الأسرة الإنسانية فنبني دولنا ونظمنا وحياتنا على خير ما تنتج الإنسانية فيكون لنا سهم في تطوير المسيرة البشرية برمتها بدلاً من أن نظل واقفين على أبواب العصر ناظرين وراءنا للماضي البعيد مجترين تراث الفقهاء كالبقر.

مصادرة الثورة السورية ومسخ معانيها 

مع انطلاق الانتفاضة السورية ضد نظام الأسد كان هناك شعار حرص المتظاهرون على ترديده منذ البداية: “لا سلفية ولا إخوان ثورتنا ثورة شجعان”. كان المتظاهرون الأوائل على وطنيتهم الفطرية يعلمون أن النظام الطائفي سرعان ما سيعمد إلى تصوير الثورة على أنها تمرد سني لإبادة الأقليات في سوريا.

بحث النظام عن السلفيين بين المتظاهرين فلم يجدهم ففتح أبواب سجن صيدنايا وغمر وجه الثورة ببثور من قادات تنظيم القاعدة والحركات السلفية المتطرفة التي كانت خير عون له في حرف الثورة عن مسارها السلمي والوطني. أما الإخوان فلم تكن هناك حاجة للنظام لكي يبحث عنهم فقد أطلوا برؤوسهم من تلقاء أنفسهم من منافيهم في بريطانيا وأمريكا والأردن وغيرها وقد استفاق فيهم جرح حماه النازف منذ الثمانينيات ورأوا في اللحظة فرصة للانتقام من النظام الذي حكم أهل سورية بالحديد والنار بتقيةٍ عروبية وعلمانية زائفة. كان الإخوان متحمسين جداً للانتقام ودخول النزال الطائفي مع النظام فاقتحموا ميادين الثورة معضودين بسيولة هائلة من داعمين كثر فأغرقوا العمل المدني والإعلامي والعسكري في أشهر قليلة بشتى أنواع الدعم وربطوا بهم الجماعات والتشكيلات المدنية والعسكرية التي أظهرت الاستعداد للتماهي مع الرؤية الإخوانية بما في ذلك خريجي سجن صيدنايا من السلفيين الجهاديين وأتباع تنظيم القاعدة. وبالمقابل استبعدوا بل حاربوا كل من ليس إخوانياً أو مستعداً لكي يتأخون ويتأسلم وينافق في الدين حتى وإن كان سنيّاً ومحافظاً أيضاً.

وهكذا لم تستغرق الأمور أكثر من سنة حتى بدأ يبرز الوجه السلفي والإخواني للثورة وبدأ الوجه المدني والوطني بالذبول. صعدت الحركات المرتكزة على الإيديولوجية الإسلامية بالتدريج فمن كتائب الدروع إلى الفاروق إلى فيالق الشام والرحمن إلى جيش السنة وجيش محمد وجيش الإسلام إلى أحرار الشام إلى جبهة النصرة ثم إلى داعش ذروة سنام عطاء الإسلام السياسي لثورة سورية وللعالم قاطبةً. تم إطلاق حملات التكفير المبطن بوصم المثقفين من قبل الجماعات الإسلامية بأنهم علمانيين كتمييز لهم عن المتفيهقين والمتنطعين الذين أطلقوا لحاهم وخضعوا لدوراتٍ شرعية وتمكن المال الإسلامي من شرائهم. كلمة علمانيين هذه التي تلتبس حتى على بعض المفكرين وقعت كوصم الملحد أو الكافر في آذان العوام الذين انساقوا وراء الخطابات الإسلامية المضللة وحصل تقسيم خطير للناس وشرخ صدعي في صفوف الثوار, وبدأ التكفير يستشري بين أهل السنة أنفسهم قبل أن يصبح تكفيراً مطلقاً لأتباع باقي الطوائف والأديان في سوريا. وساعد كل ذلك تنظيم القاعدة على تصفية الطبقة المثقفة في المجتمع السوري وطردها إلى خارج البلاد أو إلى مناطق سيطرة النظام لتبقى المناطق المحررة قفراً يليق بالعصفورية الجهادية التي أسس لها السلفيون والإخوان في المناطق التي حررها الجيش الحر من قبضة النظام بالدماء والتضحيات قبل أن تقع كالسبية المدماة في أيدي عشاق السبايا.

ثم دقّ آخر نعش في مسمار الثورة أواسط عام 2014 عندما تمكنت الفصائل المقربة من الإخوان المسلمين من طرد جمال معروف, القائد الثوري الأقوى في سوريا إلى خارج البلاد ووضع حد لفصيله المدني والوطني الأخير في الثورة حيث أصبحت المناطق المحررة في الشمال من بعده غابة من الخطف والاغتيالات والتعسف في حكم الناس وحرّمت البلاد على الصحفيين الأجانب والنشطاء الإنسانيين الدوليين وطُرد مقاتلو الجيش الحر إلى تركيا وأصبحت الساحة حكراً على المجاهدين ونشطاء الإخوان المسلمين وأدعياء الورع والتدين وصار وجه الثورة وخطابها إسلامي رجعي لا يثير المنتفضين لأجل الحرية ويريب المراقبين في الخارج ويفرح النظام وأعوانه. لقد صارت الثورة صراعاً دولياً بلا هوادة ساحته بلدنا الصغير وغدا حلم الحرية مجرد معركة عسكرية مجنونة بين جماعات طائفية بغيضة ونظام طائفي مجرم وصار الشعب أسير هذا النزاع المشبوه الذي آلت دفة القيادة فيه لأطراف إقليمية ودولية.

ثورة الإخوان المسلمين

وفي الحقيقة لم يعد أحد يتكلم عن الثورة بعد عام 2014 إلى اليوم إلا من كان إخوانياً أو في دائرة الوصاية الإيديولوجية للإخوان. كيف لا وقد أوجد الإخوان لهذه الثورة المصادَرة والممسوخة سياسييها وإعلامييها وباحثيها ومستشاريها القانونيين وهيئاتها وشبكاتها الإعلامية والإغاثية ومجالسها المحلية والكثير مما يضيق المجال عن ذكره حتى أن نائب المرشد العام للجماعة السيد حسام الغضبان قال في تصريح شهير منذ مدة أن هذه الثورة ما هي إلا امتداد للانتفاضة الطائفية في حماه في الثمانينات والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الأبرياء في مدينة حماه بينما كان قادات الإخوان – كما هم اليوم – يراقبون المذبحة ويشجعون عليها من وراء الحدود كمن يشاهد مباراة كرة قدم. أما بالنسبة لباقي السوريين فصار من الصعب عليهم رؤية رسوم الثورة بل رؤية سورية بحدّ ذاتها التي صار مستقبلها كبلدٍ موحّد على كف عفريت.

وهكذا سمحت جماعة الإخوان المسلمين لنفسها أن تطلق على المعارك العبثية الفاشلة التي خاضتها حركة أحرار الشام أسماء تستدعي الصراع الطائفي مع النظام في الثمانينيات كغزوة ابراهيم اليوسف في حلب وغزوة مروان حديد في حماه. وتعامل الإخوان مع خصومهم في المعارضة بمنطق التكفير ومع المعارضين لهم فكرياً بمنطق الولاء والبراء, أنزلوا الدين على السياسة فأساؤوا للدين ولم يكسبوا السياسة. والحق يقال أن ثورة الكرامة والحرية بعد عام 2014 هي ثورة الإخوان المسلمين: ثورة الغزوات والغنائم والحور العين والخلافة المنشودة التي يصر الإخوان أنها ستكون أفضل من خلافة داعش. أما الشعب السوري المظلوم بكل فئاته فقد أصبح غير معني بهذه الثورة لا من قريب ولا من بعيد. ولما يهتم الشعب؟ فهذه مجرد حرب طائفية بين متطرفين سنة ومتطرفين شيعة. فالشكر كل الشكر للإخوان المسلمين الذين خدموا اللاعبين الدوليين أيما خدمة عن طريق منع الشعب السوري من فرز بديل وطني ومدني عن النظام الطائفي حتى تبقى مصائر هذا الشعب في أيدي أولئك اللاعبين. لا نقول أن الإخوان فعلوا ذلك عن تعمّدٍ لا سمح الله, وإنما هم بنظرنا أغبياء موغلون بالحماقة ومتشبثين بالضلال, وهم في أحسن الأحوال ذوو رؤية عصابية مأزومة يودون لو يُدخلون السوريين جميعاً في طاقة عصابهم ودهاليز أزماتهم.

لكن العالم الذي دعم الإخوان في مشروعهم الطائفي الصرف يعلم تماما خطورة الجهاد السني كونه عالمي التوجه قابل للتفاقم والانتشار أفقياً وعمودياً. فهناك حد إذا يجب أن يتوقف دعم الجهاد السني عنده ليبدأ بعدها دعم الجهاد الشيعي الذي لا يبغي أكثر من الدفاع عن الضرائح المقدسة في البلدان الإسلامية ولن يصل ليفجر محطات المترو في العواصم الأوربية أو يدهس المحتفلين بعيد ميلاد المسيح في شوارع العالم المتحضر.

ومن هذا الباب نجد أن إيران تنعم بالدعم الغربي المبطن لتحقيق الموازنة بين ضفتي عالم إسلامي غبي يدفع ثرواته للغرب (المسيحي الكافر حسب المعتقدات الإخوانية) كي يمده بالسلاح ليذبح بعضه بعضا. كما أن الغرب نهض أخيراً ليدعم النظام نفسه معللاً ذلك بغياب البديل المقبول في صفوف المعارضة الإسلامية والفصائل الجهادية. وهكذا ساهمت جماعة الإخوان المسلمين بإعادة الشرعية للنظام رغم كل جرائمه وموبقاته فكانت الجماعة هي الغسالة التي دخلت بها أسمال النظام البالية لتخرج بيضاء من دون لحىً وعمائم وهي الهيئة التي بكل تأكيد يفضلها الغرب في نهاية المطاف.

لقد خاب مسعى الإخوان وخسرت كفة الشعب وربح النظام.

قد يعجبك ايضا