ذئاب السلطة السابقين و محاولة امتطاء مستقبل سوريا

 

فساد السلطة وأعوانها لا يجب أن يسقط بالتقادم، خاصةً حين تقع الكارثة، إذ نشهد هذه الأيام انتفاضة الشارع اللبناني لمحاسبة من كانوا بمراكز القرار، وتسبب فسادهم بكارثة انفجار مئات الأطنان من نترات الأمونيوم المخزنة في مرفأ بيروت، التي لم يكن يعلم مواطنيها بأنهم منذ عام 2016 يعيشون جيرانًا لقنبلة موقوتة، اشتعلت جحيمًا في الرابع من شهر آب الجاري، جراء ممارسات عصابة من لصوص السلطة السابقين، وإهمالهم إن لم تكشف التحقيقات أسبابًا إضافية.

في جحيم الجار السوري كذلك الأمر، أبناء السلطة السابقين كانوا مرارًا وتكرارًا أسبابًا في انفجاراتٍ بأشكال مختلفة داخل المقتلة السورية، كانفجار الأزمات الاقتصادية بعد تهريب أموالهم المنهوبة من الشعب السوري خارج البلاد.

ومع بداية الانتفاضة الشعبية، غادر أغلبهم بانسحاب تكتيكي اعتبروه خطوة استراتيجية لمصالحهم، فمنهم من اعتقد بأن الدخان الأبيض سيتصاعد مبكرًا من قصر المهاجرين وآخرون قُدّمت لهم الوعود بمقاعد الزعامة في حكومة مقبلة لتتعدد الأسباب (دينية، اقتصادية،ارتباطات، طموحات شخصية والتفافات مصلحية) لكن جمعهم ترويج خطاب موّحد وهو ضرورة القضاء على العائلة الأسدية .

إن كانت عائلة الأسد، هي وحدها ووحدها فقط المسؤولة عن كل ما جرى ويجري في البلاد، أين كان موقع (ازلامها) منذ السبعينيات مرورًا بأيام الحصاد الذهبية حتى يومنا هذا الذي يشهد انقسامات مدوية في الشارع السوري، منها الاصطفافات تجاه لاعبي الكشتبان هؤلاء فانتقدهم بعض المعارضين قبل المواليين واعتُبروا عبئًا على ثورة الشعب.

جزءٌ آخر مستفيدٌ من (تكويعتهم) برّر بأنهم مكسبٌ لنضال الشعب السوري، على اعتبارهم شهودًا على خراب كان خامدًا خلف أبواب أوصدتها الديكتاتورية أو (العائلة) التي يريدون الآن التملص من شراكتهم معها دون محاكمة أو اعتذار؛ لكن لا يستطيع أحدٌ أن يخفي بغربال علاقة مضاربي البورصة هؤلاء بسلطة العائلة، كونُهم جزءٌ من المنظومة التي قمعت الشعب السوري، وسرقت خيراته قبل عام 2011 بسنوات طويلة، وباتوا في ظل محاولاتِ تملّصهم من اعتذارات واضحة وصريحة أو من ملفات الحساب القانونية، مهووسين بفكرة ضرورة القضاء على العائلة (الشاهد)، وبرحيلها سيعمُّ الخير والسلام والاستقرار، في محاولة منهم، للهروب إلى الأمام من تحمل أي مسؤولية، أو وزر من ارتباطهم بنظام شمولي في زمن ليس ببعيد كانوا أكبر تجّاره ومتنفذيه وداعميه، ومن ثم (بقدرة قادر) أعلنوا انضمامهم لثورة الشعب خائفين على مصلحة بلٍد سرقوها لعقود.

برمي المسؤولية كاملةً على سلطة العائلة، يحاول لاعبي الكشتبان، ترسيخ مفهوم المافيوية، والذي كان حاضرًا بالفعل بوجودهم، ومنهم من كان زعيمًا وقطبًا فيما مضى ضمن هذه المافيا المستمرة مع شراكات حالية أخرى للنظام.

ومن ذات الأرصدة التي سرقوها أو دعمهم النظام بها يومًا ما، يتم استثمارها في استخدام سياسي موارب، ليركبوا مرّة أخرى على ظهور السوريين، كرجالات وطنيين غايةً في الفهم والإدراك لحاجات الوطن والمجتمع وعيش المواطنين حياةً كريمة ً في ظل سلطة القانون وإبرازهم (بين الحين والأخر) حاجتنا لعبقريتهم الفذة بإدارة أحلامنا ومآلاتنا، ومنها الحاجة القصوى للفتك بالعائلة.

كيف لا!! وهم العارفين حتى هذه اللحظة – كما يروجون- بكل مفاصل الدولة وخفاياها ورجالاتها وضبّاطها وداعمي السلطة وحديثي النعمة والمستفيدين والمتسلقين وصولًا لمستخدم يعمل في دائرة المصالح العقارية بالعاصمة دمشق.
ثم وفي غفلة من الزمن السوري المر يحاولون تحليته، بضرورة ترسيخ مفهوم القضاء على العائلة التي أتت من كوكب أخر فسحرت البشر والحجر؛ وكأنهم لم يكونوا يومًا ظلّ وجودها.

ويتحول هؤلاء اللصوص الذين هربوا من مغارة الألماس بعد أن حملوا ما استطاعوا شهودًا على فساد العائلة يتحفون الشعب بولوجهم لأكبر تفاصيلها وصولاً لأدقها في الغرف المغلقة وحذاء ولوحة السيدة ومزاج الرئيس وغيرته من شقيقه والألوان التي يحب وهوايته بالتصوير.

كما يملكون كل همَسات الصناديق السوداء بمحاولاتهم اليومية أن يبرزوا على الساحة كمطلب جماهيري ضد الديكتاتور وعائلته فيغردون في حواراتهم، وعلى وسائل التواصل كطيور كناري خارج أسوار الأسد التي كانوا داخلها يومًا ضباعًا وذئابا، يهمسون برفق وتماهي الدرويش والطيب مع الجمهور بضرورة التخلص والتخلص فقط من العائلة لتسود المحبة ويعم السلام كما في برامج الأطفال الكرتونية.

في محاولة صب كل الخراب في الحديقة الخلفية للعائلة الذي يحاول “حماة الثورة والشعب” من رجال دين وتجار وسياسيين وأصحاب نفوذ وعائلات السلطة السابقين ترسيخه في وعينا الجمعي، يضعنا أمام تساؤل، هل تستطيع أي عائلة (مافيا) من لعب كل الأدوار الاجرامية منفردة والتحكم بكل المقدرات..!!

أجزمُ بأنهم يدركون بأن أكثر هذه العوائل قوة وشراسة لا يمكنها أن تفعل ذلك منفردة.

وخير مثال على هذا، العائلة التي حكمت مافيا صقلية المشهورة (كوزا نسترا) وكانت تربطها علاقات مصالح مع مختلف قطاعات الدولة بما فيها أجهزةٌ أمنيةٌ وأحزابٌ ورجال أعمال.
وعبّر عن ذلك، زعيمي العصابة الأخوة غرافيانو على لسان جوزيبي غرافيانوا بأنه وشقيقه، وأغلب أفراد المافيا كانوا يترددون باستمرار لزيارة رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني؛ وبأن سر استمراريتهم هو علاقاتهم العميقة بأجهزة الدولة والتحولات التي كانت تتم بالشكل والمضمون لتناسب تحركات المافيا.

فضلًا، عن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية في إيطاليا، وتستر سياسيين على جرائمهم، وأشهرها اغتيال القاضي جيوفاني فالكوني عام 1992 ب1000 كغم من المتفجرات حيث كان الرجل يحارب المافيا الصقلية دون هوادة .

شراء الذمم هو أبرز ما تشتهر به كل عصابة أو تكتل بشري إجرامي وفاسد، وهروب جزء من المافيا خارج المنظومة في سوريا جعلها تتبع الأساليب القديمة ذاتها مع بعض التكتيكات المختلفة المرتبطة بالداعم الرئيسي لها من حكومات وأجهزة مخابرات وغيرها.. فحيناً يقدمون دعمًا ماديًا، وفي مرات أخرى، يستخدمون الشحن العاطفي للجمهور وتنشيط جماهيريتهم بناء على طائفة كل منهم، أو حتى تجييش مناطقهم الجغرافية التي أتى منها الحرس القديم للسلطة -ولو فيسبوكيًا- قبل أن يصبح أبنائهم وأحفادهم من قاطني أبو رمانة والمهاجرين ومرتادي أفخم المقاهي التي تستقبل عناتر (الشام) حين كان النظام في أوج قوته.

وهناك في أحيائهم العريقة وقصورهم الفخمة عقدوا الصفقات المشبوهة وهرّبوا الأثار وسيطروا على أكبر المناقصات وهيمنوا على كل المنافذ البحرية والبرية ليحتكروا أسهم الأقتصاد السوري بالكامل، ثمّ في تحول دراماتيكي، باتوا بعد عام 2011 رموز (الثورة ) ومنظري نضالها وقادة الشأن والفكر فيها.

نعم غادروا البلاد لكن ندرك تمامًا بأن دمشق ما زالت تحت أعينهم، ليس كرجال وطنيين، بل لتصيد فتاتِ الغنيمة التي تحصدها دول كبرى، كانت قد استخدمتهم (كمرابعين) بعد أن كانوا (بشوات) سهرات الشيراتون والميريديان والفورسيزن؛ فصحيت (ضمائرهم) بناءً على سعر السوق وبقيت حساباتهم البنكية التي استثمروها في ظل علاقات الأخوة والصداقة والمصالح مع العائلة الأسدية فيما مضى جارية وتزيد..

أثناء طهي المبتغى، بتحميل العائلة الأسدية كل المسؤولية بملوحة الطبخة السورية التي سيأكل معظمها دولٌ إقليمة وعظمى؛ سيكون هناك فتاتٌ يريده هؤلاء اللصوص الذين أزكموا أنوفنا برائحةِ صفقات النفط بين مينائي بانياس وحيفا وتجارة السكر والموز والأسمنت والاتصالات وصناعة الإعلام ،وصفقات الإسكان والجيش.

سيشترون ويبيعون ما استطاعوا في محاولة الدخول ولو من شقٍّ صغير إلى البلاد المنكوبة. وهم من أسباب نكبتها على اعتبار الأبواب والنوافذ لأسيادهم، حتى ذلك الحين، علينا أن ندرك بأن صفقة سياسية أو تجارية يجرونها هي أهم من كل الدم السوري، كما كان في حسبتهم لمدة خمسين عام مضت. خمسون عامًا، كانوا بجزئها الأكبر، هم (العائلات ـ المافيات) التي تقدم الدعم للسلطة، وسيقدمونه لأي سلطة قادمةٍ على اعتبار دول كبرى لا تريد لسوريا انهيار ليبي.

حينها ولتبقى مصالهم واستثماراتهم تمصُّ دمنا ضمن أجندات جديدة بعد أن كُشف زيف شعارات التصدي والممانعة ،سيرسّخون ما تعلّموه وأتقنوه بأدلجة السوري مرة أخرى، بأن سوريا هي عبيد وأسياد.
ربما لا نجد في الوقت الراهن ما يدعو للتفاؤل في مقتلة القرن، لكن سوريا اختارت أن تكون حرة وتدفع ثمن جمالها ورفعتها وعنفوانها وكل ما تمت التضحية به من دماء لتشرق شمس الحياة التي نحب أن نعيشها في تلك البلاد لكن حتمًا من دونكم ومن دون العائلة.

 

قد يعجبك ايضا