رابعة العدوية.. قديسة الحبّ الإلهي في التصوّف الإسلامي

الاتحاد برس

 

يعد الحبّ الإلهي خاصة مركزية لدى المتصوفة، فالتصوّف كما يراه أهله هو طريق الحبّ، أو الطريق إلى الحقّ مدفوعاً بحبّ الله.

ظهرت فكرة الحبّ الإلهي في وقت مبكر، فصلة الزاهد بربّه تحولت من المغالاة في العبادة، ومن التنسك والزهد بدافع من خوف الله، إلى عاطفة وودّ ومحبة خالصين، وما أدى إلى هذا التحوّل لم يكن إلا حالة روحية دخل فيها الزهاد بعد ترفعهم عن الدنيويات، فالله بالنسبة لهم لم يعدّ معبوداً مرهوب الجانب، بل مطلباً وغاية يسعون إليها.

وتتفق أغلب المصادر التاريخية أن رابعة العدوية هي أول من قال بالحب الإلهي، ويُرّجع معظم الباحثين الفضل للعدوية في إدخال هذا المفهوم إلى التصوّف الإسلامي.

 

رابعة والمحبوب

لُقبت رابعة العدوية بأمّ الخير، ووصفها أحد المستشرقين الكبار ويدعى “ماسينيون” بأنّها أكبر قديسة في تاريخ أولياء أهل السنة. و كانت الأخبار المنسوجة حول حياتها متناقضة وقليلة، حتّى أنها تضمنت الكثير من القصص الأقرب للأسطورية.

كانت رابعة البنت الرابعة لأبّ زاهد، مؤمن، وفقير الحال، ومن هنا أتت تسميتها برابعة، توفي والدها في صغرّها، ويقال أن رابعة بيعت بعد وفاته بسوّق نخاسة وبثمن بخس، إلا أن من اشتراها كان رجلاً مسلماً تقيّاً، اعتقها فيما بعد لوجه الله بعدما رأى ما رأى من خشوعها وتقواها.

حفظت رابعة العدوية القرآن بشكل كامل، ويقال أن صوتها كان عذباً جداً في التلاوة، عدا عن تفقهها الكبير بالشريعة والدين، وكثرة عباداتها.

عَمرت المتصوفة لسنّ الـ 80، ولم تتزوج طيلة حياتها فحبّ الله شغلها عن أي حب آخر، وعرفت بنظمها الكثير من أبيات الشعر الصوفي لمحبوبها الله، ولها أبيات شهيرة تقول فيها:

فليتك تحلو والحياة مريرة                       وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر                  وبيني وبين العالمين خراب

إذا صحّ منك الودّ فالكل هين                  وكل الذي فوق التراب تراب

أما بعد موت العدوية، فأصبح محل قبرها موضع نزاع، فالبعض قالوا أنها دُفنت في مدينتها البصرّة، أما البعض الآخر قال أن قبرها على أطراف القدس فوق قممّ أحد الجبال.

 

مسّ بهيبة الخالق أم فناء به؟

كانت رابعة أوّل من أدخل مفهوم الحبّ الإلهي في التصوّف الإسلامي، ذلك بعد أنّ استعملت مفردات الحبّ والعشق في توصيف العلاقة بينها وبين الله، فكانت تناجيه في ليلها ونهارها وكأنها تخاطب حبيباً تشعر بقربه.

صرّحت رابعة بكلمات الحبّ والعشق بلا أي تهيب وهذا أمر لم يكن شائعاً حينها، وكان استعمالها لهذه المفردات هو ما أوقف الفقهاء الذين رأوا في شعرها أمراً إشكالياً، وكلاماً لا يصحّ لأنه يخّدش مقام الألوهة وهيبة الله.

لكن رابعة وأغلب المتصوفة رأوا الأمر بوجهة نظر أخرى مستشهدين ببعض الآيات من القرآن، كمثلّ هذه الآية من سورة عمران: (قل إنّ كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)، حيث رأت رابعة هذه الآية وغيرها من الآيات دليلاً على وجود ما يسمى الحب الإلهي.

بينما قال الفقهاء أن هذه الآيات تتحدث عن الحبّ بشكل مجازي لا يشبه فهم العدوية له، بل هو الحبّ الذي يأتي بمقام الطاعة ودوّام خدمة الله. وكان رأيهم أن الحبّ هو صفة بشرية لا تُسقط على الله لما فيها من مشاعر اللذة والغيرة والشوق، مشيرين إلى أن المسافة بين العبد وربه غير قابلة للتجاوز. وبناء عليه، قام الفقهاء بتحريم مفهوم الحب كما طرّحه المتصوفة، لأنه، من وجهة نظرهم، يمس بهيبة الله وعظمته، وينزل الله من عليائه إلى المستوى البشري.

أما المتصوفوّن، وعلى رأسهم رابعة، لم يقبلوا بهذه الأحكام، وأكّدوا أن صلة الحبّ بينهم وبين الله هي شيء حقيقي وليس مجازياً، واتهموا الفقهاء بأنهم يحكمون على شيء لم يعرفوه، فالتصوّف يعتمد على التجربة الروحية التي توصل الفرد إلى مرتبة الحبّ والوّجد والشعور بلذة القرب وألم البعد، وهذه كلها حقائق أدركها الصوفيون في وجدانهم.

وكان من أشهر ما جاءت به رابعة، اعتبارها أن الحبّ الحقيقي لا يكون من طرّف واحد، حيث أشارت إلى أن الحبّ موجود بين الإنسان وخالقه، وإلى أن الله يشتاق إلى العبد ويطلب قربه، ويناجيه، وهذا ليس أمراً مجازياً مستنداً إلى الطاعة.

كما رأت العدوية أن حبّ الله باطل إذا كان لمجرد الخوف من عذابه، أو الطمع بثوّابه، وهو باطل لأن الغاية منه الثوّاب أو الهرب من العقاب، وهذا من وجهة نظرها ما يشكل حجاباً يحوّل بين القلب والمعشوق، فالحب الإلهي متعال فوق أي غاية أو مصلحة، هو الحب الخالص لوجّه الله وذاته، وهو الهدف من العبادة، ولرابعة كلمات جميلة جداً تختصر هذا الرأي، إذ تقول:

إلهي إن كنت أعبدك خوفاً من نارك فاحرقني بها      وإن كنت أعبدك طمعاً بجنتك فاحرمني منها

                         وإذا كنت أعبدك حباً بك فلا تحرمني من رؤية وجهك

لم تضع العدوية مبادئ التصوّف فقط، بل أفّشت بالسرّ الذي يوصل الفرد إلى تلك الحياة الروحية المتصوّفة، وهذا السرّ من وجهة نظرها مرتبط أيما ارتباط بإنكار الذات، والتعالي على الرغبات، والفناء بالمحبوب فناء تاماً.

وبعد موت رابعة، أصبح الحب الإلهي هو المحور الذي تقوم عليه حياة المتصوّفة، وظهر الكثير من الأعلام المتصوّفة الكبار الذين تأثروا بها وبأفكارها خاصة مبدأ الحب الإلهي، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر أحمد الغزالي، وأبو البكر الشبلي.

وقد وصلت المحبة الإلهية إلى ذرّوتها وتحولت إلى عقيدة دينية  فلسفية فيما بعد على يدّ الحلاج الذي اعتبر جوهر الذات الإلهية هو الحب، ومعه ابن الفارض، وأخيراً المتصوف الكبير محي الدين بن عربي الذي طور المفهوم وأضفى عليه أبعاداً كونية فجعله أصل الوجود.

قد يعجبك ايضا