رغم شحّها.. الموظفون ورواتبهم ضحيّة الصرافات الحكومية ودس العملات المزورة

الاتحاد برس_سام نصر

 

لم يعد قانون العقوبات السوري ومواده الـ /435/ والـ /621/ المتضمنين تجريم سرقة الأموال ونشر العملات المزورة أمرًا مُخيفًا لدى الكثير من مسؤولي وموظفي حكومة دمشق في زوايا المؤسسات المختلفة، وذلك تحت ظلِّ عجزٍ حكوميٍّ على المحاسبة وفرض القانون، بل باتت تلك الحكومة لاعبٌ أساسي في تلك الجرائم.

فسادٌ اختلفت طرقة وأساليبه ومستوياته، فمنهم من استغلَّ منصبه ودعم السلطة له وسيطرَ على مؤسساتٍ وقطاعاتٍ بأكملها، ومنهم من هو موظف بسيط أدى شحّ راتبه الذي تقدّمه الحكومة له، والذي لايكفيه لأسبوع واحد إلى فعل مالم يكن يُتوقع فعله لكسب لقمة العيش له ولعائلته وأولاده.

الرواتب القليلة التي لاتتناسب مع الغلاء الفاحش في الأسواق، جعلت السوريين شركاءً في عمليات الفساد تلك، وخصوصًا داخل المؤسسات الحكومية، وبالضبط في البنوك حيثُ باتت السرقة بطرق احتيالية وغير مباشرة وسيلة من وسائل الربح والفساد.

الصرافات.. وسائل السرقة الجديدة

كثيرةٌ هي الحالات التي رأينا فيها أشخاصًا يقبضون رواتبهم من الصرافات الخاصة بالبنوك الحكومية سواء أكانت العقارية أم التجارية أو غيرها، ويقومون بعدِّ أموالهم مُستغربين تلك الحالة فكيفَ يمكنُ للصرّافِ أن يُخطئ، وماالحاجة للقيام بعدِّهم؛ بيدَ أن تلك الظاهرة باتت اليومَ منطقيًّة ولابدَّ منها أثناء قبض الراتب أو الحصول على مبلغ من الصرافات الآلية الحكومية.

الصرافات الحكومية
الصرافات الحكومية

حالاتٌ عديدة رصدها مراسلو “الاتحاد برس” أثناء الحديث مع بعض الأشخاص الذين وقعوا ضحية سرقة أموال بـ”الغفلة”، فبعدَ قبضهم لراتبهم قاموا بعملية العد تلك وتفاجئوا بأن الراتب ينقصه مبلغ معين بخلاف المبلغ المطلوب والموضوعِ على اللوحة.

أحد الموظفين المُقربين من مراسل “الاتحاد برس” في مدينة اللاذقية، ويدعى “أحمد.ي”، شرحَ لنا ماحصلَ معه بالقول: “اعتدت أن أقبض راتبي من الصرّاف القريب من مكانِ عملي، وقررت حينها أن أحسب النقود بعد خروجها من الصرّاف، إلا أنني تفاجئت بأن المبلغ الذي أُخرِجَ لي من الصراف، ينقصه ألفا ليرةٍ، وقلت للشخص الذي يقف خلفي فصدمني بالقول أن ذلك حصلَ معه الشهر الفائت، مايعني أن الحادثة تحصل باستمرار”.

أحمد أكمل كلامه بالقول: “في اليوم التالي ذهبت إلى المركز الأساسي للبنك العقاري في اللاذقية، لأفهم ماحصل وليس لغاية الحصول على الألفي ليرة، وعندما شرحت لأحد الموظفين أجاب بالحرف الواحد (شو قصة هالموضوع كذا حدا خلال هاليومين عم يحكي نفس الشي)، وأرسلني إلى أحد المسؤولين هناك، حيثُ ضحكَ وقال لي (استاذ عد مصاريك مزبوط عد، هيك قصة مابتصير عنا)”.

النقود المزوّرة.. سرقة بأسلوبٍ آخر

حوادثِ سرقةِ النقود من المبالغ المقبوضة في الصرّافات الحكومية لم تكن الأخيرة، فبعض موظفي ومسؤولي تلك المؤسسات خلقَ أساليبًا وطرقًا أخرى لسرقةِ قسمٍ من رواتب الموظفين الآخرين.

عبد المنعم جبارة، أحد سكّان العاصمة دمشق، نشرَ عبر صفحته الشخصية على “فيسبوك” تفاصيلًا كارثيًا لما حدثَ معه أثناء قبضهِ راتبه، فكتب: “ياجماعة الخير وصل الفساد إلى مستوى قياسي لايُطاق”، شارحًا أنه ذهب إلى مركز البريد لقبضِ راتبه والمنحة الأخيرة التي تم إصدارها الشهر الفائت.

تابع “جبارة” كلامه بالقول: “ونظرًا لكوني اتعامل مع المال، أستطيع أن أميز العملة الصحيحة من المزورة، فيما جميع المتقاعدين من كبار السن ينتظرون راتبهم بشغف. مُضيفًا : “استلمت الراتب وهممت بالعد بعد الموظفة التي سلمتني الراتب التقاعدي ولاحظت انه تم دس ورقة مزورة من فئة ٢٠٠٠ ليرة سورية ضمن الراتب؛ أعلمتها فورًا بذلك وتغير لون الموظفة فورًا وبكل وقاحة قالت لي: كيف عرفتها وسط اضطراب واضح في سحنتها “.

وتساءَل “جبارة: “هذه الموظفة إذا قامت بدس ٢٠٠٠ ل.س لكل متقاعد كم يكون راتبها الشهري؟ ألم يجدوا أشخاص أقوى من المتقاعدين. إن ترويج العملة المزورة يتم عبر هذه المراكز حيث كبار السن والذين لا يستطيعوا التمييز وغالبًا مايدفعون ثمنًا باهظًا لهذه القطعة المزورة عند الصرف”.

منشور الناشط المعروف لدى الأوساط الرياضية تبعهُ الكثير من السخط والغضب خلال التعليقات، حيثُ قال “زياد.ر”: “معقول مايحدث….بنفس الوقت راتب الموظف لايكفي مواصلات وأتوقع سيحدث الاسوأ”.

تعليقات السوريين
تعليقات السوريين

تعليق آخر كتبه “صعيب”، وحمّل فيه السلطات المسؤولية لعدم المحاسبة، وجاء فيه: “يالطيف سرقوا كل شي .. المصيبة عدم وجود رادع أو رقيب”، فيما شارك المنشور العديد من الأشخاص وكتبه أحدهم: “فساد من القاعدة لرأس الهرم، إذا الكبير فيهم عم ياكل البلد بجماعتو، فما في عتب عالموظف يلي عاطينو حرية يتصرف كيف مابدو حتى يقدر يطعمي ولادو”.

تعليقات السوريين
تعليقات السوريين

جرائمٌ عقوبتها تصل للحبس أكثر من 10 سنوات، باتت أمرًا واقعيًا يُمارسها العامل والموظف والمسؤول، ضد فئة لاحول لهم ولاقوة، فتبعات تسليم أموالٍ مزوّرٍة لفئة المُتقاعدين من شأنه أن يزجّ هؤلاء الكبار السن لسنوات في السجون غير آبهين بقيودٍ دينية أو أخلاقية، وبغيابٍ تامٍّ للقانون والحساب لمن يُقدم على فعل ذلك.

وأمام تلك الجرائمِ من دس أموال مزورٍة إلى سرقة مبلغٍ من رواتب الموظفين، يبقى السوريون في الداخل يُعانون من أشدِّ أنواع المآسي الاقتصادية والاجتماعية، فرواتبهم القليلة رغم شحّها باتت عرضًة للسرقة، وكرامتهم يومًا بعد يوم تتعرض للفتكِ من طوابير وغياب مستلزمات الحياة الضرورية لهم.

قد يعجبك ايضا