زواج السوريين .. من الحب إلى تذكرة هروب خارج البلاد

الاتحاد برس _ مياس حداد

 

لم يعد حلم “الزواج” يتناسب مع الواقع الاقتصادي والنفسي والأمني، لمعظم الشباب السوري ضمن مناطق سيطرة دمشق، فمجرد التفكير بتكلفة حفلة “العرس” أو تكلفة أن تضع رأسك إلى جانب من تحب على وسادة واحدة وضمن باب بيت واحد، يدفع الكثيرين للعزوف عن هذه الفكرة.

ولعل فكرة الزواج بحد ذاتها ضمن سوريا تشوه مفهومها، وأصبحت تعتبر من الكماليات لا أكثر، ما لم تصبح مجرد “تكت عبور” عند البعض لـ”خارج السور” الذي يعج بداخله الخراب والفقر والجوع.

حالات زواج كثيرة حدثت خارج “الإطار التقليدي” والاعتيادي، كوجود الزوج أو الزوجة بنفس المكان، لتسجل حالات لم تكن منتشرة من قبل كالزواج عن طريق الانترنت، ووجود موكل لأحد الأطراف عند الآخر، بعض تلك الحالات كان أصحابها يعرفون بعضهم البعض وأخرى ليست كذلك.

تفاقم الانهيار الاقتصادي، وفقدان الأمل بوجود حل مرتقب يغير الأوضاع داخل البلاد، أعاد إحياء فكرة الهجرة واللجوء لخارجها، وبأي طريقة كانت، حتى ولو كانت عقد زواج يتيح إمكانية حدوث “لم شمل” والسفر لدول أوروبا تحديدًا .

حب وهروب

 

إحدى الفتيات (فضلت عدم الكشف عن اسمها)، ستسافر مطلع الشهر القادم للقاء زوجها في أوروبا، بعد أن تعرفت عليه عن طريق الانترنت، وعرض عليها فكرة السفر والزواج.

وتقول الفتاة لـ”الاتحاد برس”، “من المستحيل أن اتزوج ضمن البلاد، فنصف الشباب هاجر والنصف الآخر قتل أو لا يستطيع تحمل مصاريف هذه الخطوة وتكوين عائلة”، وتتابع “صحيح أن الزواج ليس على قائمة أولوياتي، لكنه بحالتي، فرصة للخروج وبدء تحقيق الأحلام والعمل وتكوين مستقبل جيد”.

أما “سمير” وهو أحد المقيمين بألمانيا، يقول لـ”الاتحاد برس”، أن وجوده ضمن أوروبا جعل من فكرة الزواج أسهل ماديًا ونفسيًا، لكنه لا يزال ينتظر وقوعه بالحب، بالرغم من كل العروض التي تقدمها له والدته من فتبات الحي وأقربائه.

لكن المشكلة التي تواجهه بشكل حقيقي، وتدفعه للتفكير بشكل كبير قبل اتخاذه أي قرار، هي “المصلحة”، فـ “سمير” يخاف من اختيار فتاة والوقع بحبها، وأن لا تبادله المشاعر ذاتها ويكون بالنسبة لها مجرد “تذكرة عبور”، وخاصة أن لا لقاءات حقيقية بينهم ستتم قبل الزواج وقدومها إليه .

بالمقابل، تعاني بعض الفتيات من “الحرج” عند وقوعها “بحب مغترب”، فالمجتمع الشرقي الذي لا يرحم، لن يتوقف عن كيل التهم لها، بأنها “ستتزوج من أجل المال والسفر فقط، لا من أجل الحب”، هذا ما قالته “ريم”، التي تزوجت منذ سنة تقريبًا من شخص سوري تعرفت عليه عن طريق الانترنت، وتنتظر انتهاء إجراءات لم الشمل والسفر.

وتشرح “ريم” لـ “الاتحاد برس” ما جرى معها قائلةً، “تعرفت على مهند (زوجها)، عن طرق الانترنت، ودامت صادقتنا أكثر من سنتين، تعرفت من خلالها على طباعه وطريقة تفكيره، وتطورت علاقتنا بعد أن تعرفت على اسرته بشكل شخصي في دمشق”.

“بعد ذلك وقعنا بالحب، وطلب مني الزواج فوافقت، لتبدأ معركتي مع بعض أقربائي ومحيطي، الذين وجدوا بتصرفي مجرد “صفقة” أمضيها للتخلص من واقعي السيء فعليًا”.

الغريب بقصة “ريم” أنها حاولت الانفصال عن “مهند” بعد كل تلك الاتهامات والضغوط، وكادت تقتنع بأن خطوتها فقط للتخلص من واقعها والهروب للخارج، لكن “مهند” توجه بعدها بأيام إلى لبنان وطلب منها ومن أهلها القدوم مع أهله للقائهم، حينها تأكدت أن “مهند” هو الشخص الذي ترغب بأن يصبح زوجها وتستمر حياتها معه .

تسجيل دفتر عائلة في دائرة حكومية بدمشق
تسجيل دفتر عائلة في دائرة حكومية بدمشق

الزواج المدني

 

بعض حالات السفر بغرض الزواج، كانت تأخذ أبعادًا أخرى، فالقانون سلطة دمشق، لا يسمح بالزواج المدني، لتتعرض المئات من حالات الحب للإجهاض، ما لم يتم انقاذها عن طريق السفر إلى دول تشرعن الزواج المدني وتعتبره حقًا من حقوق الإنسان بعيدًا عن الدين .

“رهام” و”عيسى”، واجهوا هذه المشكلة فزواج المسيحي من مسلمة غير جائز بالقانون السوري الذي يخضع بأغلب أبوابه للدين “الإسلامي المحمدي”، مما دفعهما للهجرة إلى أوروبا والزواج هناك .

عيسى كان مستعدًا للسفر إلى آخر بقعة في الأرض للزواج من رهام، وفق ما قال لـ “الاتحاد برس”، لكنه لا يرغب بتغيير دينه ولا مشكلة بالنسبة له مع دين زوجته، فوجد أن السفر معها للزواج منها هو أفضل الحلول .

الزواج في سوريا

مع ارتفاع سعر الصرف وأسعار الذهب والعقارات والمواد الغذائية، أصبح تكوين أسرة جديدة أمرًا مستحيلًا لكلّ عاقل يحلم بأن يحيا أولاده حياةً كريمة دون أن يكون بحاجة أي شيء.

وتداولت صفحات موالية للسلطة على “الفيسبوك” أن عدد الفتيات العازبات اللواتي بلغن 30 عام وصل إلى ثلاثة ملايين، وفق إحصاء دائرة النفوس.

كيف لا؟ والخدمة الإلزامية ضمن قوات السلطة السورية تقف بوجه عشرات الآلاف من الشباب السوري، والانهيار الاقتصادي يلاحق أحلامهم ككابوس يعيشونه كل يوم.

لكن بالرغم من ذلك، محاولات الزواج مستمرة اذ استعاض بعض الشبان والفيتات عن الذهب بمعدن أرخص كالذهب الروسي أو الفضة، وتم إلغاء الكثير من الطقوس حتى يتم تسهيل إتمام الزيجات، كحفلة العرس وقوالب الحلوى وحتى شهر العسل، الذي اختصر ليصبح ساعة او اثنتين كدعوة على العشاء في مطعم ما .

قد يعجبك ايضا