سوريا… رجل القرن العشرين المريض

125640_2011_02_02_12_32_15خيري الذهبي – السوري الجديد

هل ما يجري في سوريا اليوم هو استمرار للسفر برلك …. الحرب العالمية الأولى ؟
قبل أن نبدأ الحديث علينا أن نعرف من هو العدو التاريخي للشرق الأوسط منذ أن تورط الفايكنغ الإسكندينافيون بغزو سلافيا واستعمروها وحولوا السلاف إلى عبيد حتى أصبحت كلمة سلاف أو سليف في اللغات الأوربية تعني ” العبد ” فقط , وكان الرس الفايكنغ وثنيين لم يعرفوا الأديان السماوية بعد، وذلك كما يحدثنا الرحالة المسلم ابن فضلان في كتابه عن رحلاته إلى بلاد الرس والخزر” المتهودين ” والبلغار حين كانوا على الفولغا ..
استمر الرس في تحالفهم مع اليهود الخزر وبيعهم العبيد السلاف المخطوفين من سلافيا، إلى أن اتخذوا المسيحية الأرثوذكسية دينا، والقسطنطينية قبلة، وأيا صوفيا الكاتدرائية المثال، والتي بنوا توأما لها في كييف حيث أسس فلاديمير الدولة الرسية الأولى … وكان يمكن لهذه العلاقة الرسية _البيزنطية أن تستمر لولا دخول الترك على المشهد التاريخي “سلاجقة في البداية وعثمانيين فيما بعد” وهزيمتهم للبيزنطيين معركة إثر أخرى حتى قضوا عليها تماما في معركة احتلال القسطنطينية، وهكذا وجد الرس أنفسهم دون كعبة ومركز يهتدون به ومنه.
كان سقوط القسطنطينية كارثة كبرى لليونان، فلقد سقطت امبراطوريتهم، وسقطت قاعدتهم الدينية، وصار بطريرك الأرثوذكس مقيما تحت سلطة السلطان العثماني، ولما كان الرس تابعين تنظيميا للقسطنطينية تبعية كاثوليك العالم لروما، فقد أحس الرس بالضياع و والرغبة بالثأر لاستعادة مركز الأرثوذكسية الأكبر والوحيد، وكانت الدولة العثمانية دولة قوية، بل كانت سيدة العالم المعروف عسكريا، ولكن قانون الشيخوخة والضعف لا بد أن يسري على الجميع، وهكذا كان هناك تبادل عكسي في القوة بين استانبول، وبين موسكو الطامحة إلى احتلال مركز القسطنطينية، ثم بالتدريج والقوة بدأ التفكير في احتلال القسطنطينية والاستيلاء على الأرثوذكسية في العالم، وبدأت الحروب وانتزاع القفقاس بإماراته المسلمة من العثمانيين، وحلول الروس محلهم، ثم القرم وهكذا صارواعلى مقربة من تحقيق الحلم.
ولما تحررت اليونان” بيزنطا سابقا ” في تحالف غربي ضد تحالف إسلامي شارك فيه كلا من الجزائر ومصر محمد علي والأسطول العثماني في معركة نافارون العام 1827و، انتهت بهزيمة التحالف الإسلامي وتحطم أساطيله وانتهاء دوره كفاعل أساس في السياسة الدولية.
ومنذ معركة نافارون أصبح هدف الروس في استعادة القسطنطينية ومركز الأرثوذكية ممكنا، وهكذا زاد الروس من وتيرة اصطداماتهم مع العثمانيين وقضم الأراضي العثمانية إلى أن قررت سيدة العالم بريطانيا القضاء على الرجل المريض ” العثمانية” وتقاسم تركته، فشكلت حلفا منها ومن روسيا ” المقدسة” ومن فرنسا وفيما بعد من الولايات المتحدة أيضا.

على الجانب المضاد كان هناك ثلاث اميراطوريات قد آن أوان زوالها عن مسرح التاريخ، وهي الامبراطورية النمساوية الهنغارية والألمانية والعثمانية بالإضافة الى الروسية على جانب الحلفاء، وبعد حرب استخدمت فيها الطائرات البدائية للمرة الأولى واستخدمت فيها الغازات السامة  قتل مئات الآلاف من الجند في خنادقهم.
فقررت ألمانيا طعن الروس في قفاهم فسربت إلى العاصمة الروسية ثوريا ماركسيا أرسلته من ألمانيا إلى روسيا هو ” لينين” في قطار خاص، وقامت الثورة البلشفية وانشغل الجيش القيصري في الكفاح ضد البلاشفة، واضطر إلى الإنسحاب من الحرب الأولى، ثم خسر حصته من غنائم الرجل المريض ” الدولة العثمانية”، فلا هو حصل على الشام ولا على الأناضول والقسطنطينية، ولكنه حصل على سبعين سنة نجا فيها من مقصلة التاريخ الذي لم يعد يقبل بالامبراطوريات الإقطاعية، وتقاسم الفرنسيون والإنكليز الشرق الأوسط الذي كانوا قد وعدوا به الثائر العربي الشريف حسين.
وأخيرا رحلت فرنسا وتركت سوريا نهبا لعساكرها السوريين الانقلابيين وأخيرا وصل الموعود حافظ أسد، وغدر برفاقه من كل المذاهب حتى العلويين وهادن الإسرائيليين في فلسطين ولم يحكم حافظ سوريا بالعدل ولا بالسياسة ولا بالبناء، بل حكمها بالمعتقلات وأجهزة المخابرات وهكذا ورثت سوريا عن الدولة العثمانية لقب “الرجل المريض” وورثت عنها الفساد البيروقراطي العميق، وحين مات و ورثه بشار وجد السوريين مستسلمين لما يطلب منهم دون معارضة وظن الرئيس الجديد أنه يعيش في أرض الحليب والعسل، بل صرح أكثر من مر بأن سوريا ” مختلفة” ولن يثور السوريون ولو ربطهم في مكان الحمير إلى عربته، ولكن يبدو أنه استفزهم أكثر من القدرة على الاحتمال فبدأت الثورة، وتدخلت في سيرورتها إلى النصر الطائفية الإيرانية، و…. الحلم الروسي القديم في الوصول احتلاليا إلى المياه الدافئة وحصار الأناضول العدو المسلم القديم من الجنوب .
ما هو الوضع الجيو بوليتيكي لتركيا والرجل المريض فيما مضى، وسوريا ” الرجل المريض منذ حكمها حافظ أسد”؟؟. روسيا تحاصر تركيا من الشمال ” الجمهوريات الإسلامية سابقا”، ومن الجنوب سوريا الأسد ومن الغرب الحليف وعدو العثمانية الأناضولية منذ مئات السنين، ومن الغرب اليونان الإنتقامية لزوال دولتها الإمبراطورية بيزنطا فهل تستيقظ من حلم يقظتها وتنتبه إلى ما يحاك لمستشفى المرضى الشرق أوسطيين؟؟
وما الذي سجري على سوريا غدا لو تمكن القيصر الجديد من سوريا …. ومن تركيا بعد الحصار … ومن أميركا بعد استيلاء الدب الروسي على منابع النفط والغاز في العالم وعلى موانئ المياه الدافئة في العالم القديم كله..؟؟
أميركا والغرب اليوم في مأزق حقيقي فقد صبروا على الدب المترهل حتى بدأ بالتحول إلى أسد !!
*الرس: الرس هم الروس كما عرفهم ابن فضلان والمسعودي، وهم قبائل من الإسكاندينافيين الغزاة الوثنيين الذين استعبدوا السلاف وباعوهم عبيدا للخزر اليهود الذين كانوا يخصون صبيانهم ويبيعونهم للبيزنطيين مرنمين في الكنائس ذوي أصوات شبه أنثوية جميلة وللعباسيين حرسا للحريم والجواري، وقد أدخل الرس كلمة Slave أو يلاف الى اللغات الأوربية بمعنى العبد.

قد يعجبك ايضا