طريق إلى فهم المأزق الوجودي .. كيف صنع سارتر مذهباً إنسانياً؟

شام السبسبي

جاء جان بول سارتر إلى عالم تصدّعه الأنقاض وتلبّد سماءه العواصف والإنذارات، في حقبة تجنح لأن تكون أكثر اضطراباً وتقلّباً ولاسيّما مع اقتراب موعد حرب عالمية ستكون الأشنع عبر التاريخ الإنساني.

كان لفلسفة سارتر موقف أخلاقي متين يؤكّد أن الوجود الإنساني وجود مسؤول، وأن خلاص وحرّية الإنسان مفهومين مرتبطين بوجوده المسؤول هذا. وصل سارتر إلى هذه النتيجة بعد دراسته انطولوجياً/وجودياً لما يثوي خلف السلوكات البشرية من قيم إنسانية كالحرّية والخير والشر والالتزام.

لم يكن رجلاً متحمّساً متناقضاً يتعاطى الفكر باعتباره تجريباً وتأمّلاً، وإنما أخصّائياً يدرس قضية الإنسان وفق منهج رصين: المنهج الظاهراتي/الفينومينولوجي، وهذه الأمانة التي تحلّى بها اتجاه منهجه هذا هي التي ميّزت آثاره الفكرية والأدبية عن كلّ ما عداها من تركات تلك الحقبة الزمنية المليئة بالنتاج؛ فقد كان نتاجه موجّهاً للإنسان الحديث الذي لا تقدّم له حضارته طُرقاً معبّدة لممارسة الحياة بمسؤولية، فيجرّ قلقه في الظلام آثاراً مختلطة، ومتناقضة.

أضاء سارتر لنا منارات هذه القضية بدلاً من أن يحرق لها القرابين كما فعل العديد من فلاسفة وكتّاب عصره وهذا لا يعني أنّه يقدّم لنا نظاماً مصنوعاً فهو يترك لنا حرّية الاختيار والحكم.

عالم سارتر الروائي.. القلق الوجودي من منظور الغثيان

إن سارتر الروائي لم يختر لنفسه نمطاً أدبياً سائداً بالرغم من غنى في هذا المجال قدّمه الباريسيين؛ فقام على تصميم تلك الرواية الجديدة والتي لا يقوم قوامها إلا على أُسس فلسفية معقّدة ومنيعة في كثير من الأحيان، وتحتاج هذه الرواية السارترية إلى آثاره الفكرية أكثر الحاجة.

الغثيان
الغثيان

أصدر جان بول سارتر، في عام 1938، رواية تحمل عنوان “الغثيان” وهي عبارة مجموعة من المذكرات أو اليوميات التي كتبها مثقّف فرنسي يدعى “أنطوان رو كانتان“، رجل عَرَفَ في الحياة مغامرات كثيرة حتّى إذا بلغ الخامسة والثلاثين رأيناه يقيم في “بوفيل” ليتابع تحقيقاً بدأه حول شخص يدعى “دو رولبون” وهو مخادع دسّاس من القرن الثامن عشر.

يجد القارئ رو كانتان رجلاً غارقاً في معظم فصول الرواية في ضجر وملل يوزّعه بين المطعم والمقهى والمكتبة البلدية.

لقد كان هذا الضجر بمثابة لوحة مكتملة المعالم لوحدة مرضية مسهبة في مرضيتها، فيقول روكانتان:

“إنّني وحيد، ولقد عاد معظم الناس إلى بيوتهم فأخذوا يقرأون صحيفة المساء وهم يستمعون إلى الراديو، ولقد خلّف لهم الأحد مذاق الرماد وبدأ فكرهم يلتفت إلى الاثنين، ولكن ليس لي أحد ولا اثنين، هناك أيّام تنبت تتدافع في غير ما نظام”. (1)

حول رو كانتان، ليس هناك أحد، إلا الفتاة آني، وهذا الظلّ: شخص مضحك يلتقيه في المكتبة، ويسمّيه (العصامي)؛ يكلّف سارتر هذه الشخصية بتمثيل بطريقة منحطة أوهام الناس الفكرية؛ فيدخل إلى المكتبة يومياً، يتناول الكتب من على الرفوف بحسب ترتيبها الأبجدي. ينتقل من كتاب إلى لآخر، ينتقل من تيممورلنك (كتاب سيرة ذاتية لقائد عسكري) إلى بحوث في النقد الكاثوليكي لمذهب داروين.

يؤمن العصامي بالتركيبات العليا، ويستسلم للمادّة المطبوعة، ويتميّز بعدم امتلاكه حسّاً نقدياً، على العكس من شخصية “رو كانتان” التي هي ليست إلا مظهراً صافياً من مظاهر الحسّ النقدي لدى الإنسان.

أمّا آني؛ فهي صديقة رو كانتان التي اعتقدت بأنّ للحياة لحظاتها الممتازة، إلا أنّ اهتمامها بهذه اللحظات انقطع فجأة؛ فتحوّلت إلى فتاة كبيرة في سن العقوق كما يصفها لنا سارتر، ولم تظهر في الرواية مرّة أخرى إلا لتقول بأنّ: “اللحظات الممتازة الكاملة غير موجودة“.

كانت هذه هي شخوص الغثيان الرئيسية، أمّا ما تبقى من الوجوه فلا تعدو أن تكون وجوه عرضية تعبّر عن القذارة الكالحة التي تحيط بحياة “رو كانتان“: صاحبة ملتقى عمال السكك الملاطفة، خادم المقهى ، مفتش أكاديمية القرن التاسع عشر الذي وهب نفسه للكتب الصغيرة الأصيلة، وهم جميعاً يمثّلون الحياة التقليدية التي يرفض “رو كانتان” المشاركة فيها، مفضّلاً تدخين تبغ ضجره في الأمسيات الرتيبة على طول الجادة الحزينة.

إن كلّ ما في الرواية: من وصف شعري للتيه على طول جادة مقفّرة، ومن الابتسامات الزائفة لتبادل التحيّات بعد القدّاس، ومن مراقبة للزيف الذي يتبادله الناس فيما بينهم في حياتهم اليومية، يلعب دوراً في بناء الفكرة الرئيسية للنصّ: (لا شيء يبرّر وجود الإنسان في عمق حياته اليومية).

يعدّ “الغثيان” الحادثة الرئيسية في الرواية؛ ضرب من ضروب انعدام المعنى وخواء الأشياء من قيمتها لدى الإنسان، فليس الغثيان حالة شاذة ومبتكرة فلسفياً فحسب وإنّما هي أيضاً صورة عميقة لشعور لا بدّ أن أحسّ به كلّ إنسان على وجه المعمورة، وإن كان قد سارع إلى الخلاص منه ونسيانه، فالغثيان بصورته هذه تعبير عن السؤال الوجودي الأهمّ: “لماذا أنا موجود أصلاً؟” وهو بالتزامن الدُوَار الهائل الناتج عن عدم اليقين الذي يشعر به المرء إزاء وجوده:

(2)

إنّ كلّ طيف من أطياف “الغثيان” هو اندهاش؛ فـ”رو كانتان” يرى الأشياء نقية وغريبة كما تبدو لدى السرياليين، ويعبّر في مذكراته عن الطابع اللابشري الذي تأخذه الأشياء حين يفكّر بها وبوجودها ولا يستطيع تبرّير حضورها؛ فهو إذاً الغثيان خوف إزاء الوجود اللايقيني، وذعر إزاء وجود الأشياء:

“ألقيت نظرة فيما حولي: حاضر، ولا شيء غير الحاضر. أثاث خفيف وصلب، مليئ بحاضره، طاولة، سرير، خزانة ذات مرآة وأنا نفسي .. إن الأشياء برمّتها ما تبدو عليها وخلفها لا شيء”. (3)

إنّ الغثيان يصير عاطفة مرضية إذا استسلم المرء للشعور بهذه المجّانية وسقط في عدمية يائسة؛ ولكن هذه العدمية مُحالة، فغايتها حذفنا، إلا أن صميم دُوَار العدمية الذي يسبّبه الغثيان لا يثبت مجانيتنا بالقدر الذي به يكشف عن أنّنا، وبرغم القلق العظيم لوجودنا، موجودون وأنّ هناك مسؤولية يجب أن نحسّها إزاء وجودنا، ويؤكّد سارتر على هذا في قوله:

“إن القلق يدفعنا إلى السقوط، يتهدّد وجودنا بأسره، ويعزلنا أمام أنفسنا بحيث نشعر بهذه العزلة شعوراً حاداً، وينتابنا شعور بعدم الاستقرار، فنجد أنفسنا مرغمين على اختيار ذاتنا، وأن الوقت قد حان لتحمّل المسؤولية”. (4)

هذه المسؤولية تكتسب فيما بعد معنى أخلاقياً، يدفعنا إلى الخوف من هذه “الأنا” الموجودة والتماس تبرير لها، فيقول رو كانتان:

“إن الأفكار تُولَد من خلفي كدُوَار، وأنا أحسّها تولد خلف رأسي.. فإذا استسلمت فإنّها ستأتي إلى الأمام، بين عينيّ، وأنا استسلم دائماً؛ فتكبر الفكرة وتكبر، وها هي ذي هائلة تملأني برمّتي وتجدّد كينونتي”. (5)

سارتر يعبّر في مذكرات “أنطوان رو كانتان” عن ضيق الإنسان الذي يجد نفسه مجرّداً من جميع المعاني الخاصّة بالأشياء بعد أن يفرغ كلّ ما يحيط به من معناه التافه وهو يتساءل عن الكينونة الإنسانية التي تتكشّف على أنّها عبث ملحّ:

“إنّ الكينونة تختبئ عادة. إنها هناك، حولنا، فينا، إنّها نحن. ولا يمكن قول كلمتين من غير التحدّث عنها، وهي في النهاية لا تُمسّ.”. (6)

ليس هناك ما هو أفضل من هذا المثال لشرح المعنى الأصيل لكلمة “الوجودية”؛ فإنّ كلّ ما هو (موجود) بحسب هذه النظرية يتبدّى للوعي الإنساني بصورة غير مألوفة وغريبة، وبمعنى أدقّ يظهر في غير ما تبرير:

“إنّنا نعني أنّ الإنسان موجود أوّلاً، ثمّ يتعرّف إلى نفسه وإلى العالم الخارجي، فتكون له صفاته، ويختار لنفسه أشياء تحدّده.

الإنسان ليس سوى ما يصنعه بنفسه. هذا هو المبدأ الأوّل من مبادئ الوجودية”.(7) لكن هذه الفكرة لا تتضح للإنسان إلا بعد أن يعيش غثيانه، ويرى الوجود بالحالة الأولى والعارية كما رآه رو كانتان.

تأتي أهمية رواية “الغثيان” لكونها تضم بذور فلسفة سارتر برمّتها: ردّ كلّ شيء إلى العدم، نفي التجارب المعاشة التي يصطنعها الناس، والكشف عن الحرّية والمسؤولية اللتين تجبران الإنسان على خلق التبريرات، إضافة لكونها تعبيراً موجزاً عن حالة اجتماعية أخلاقية سادت الأوساط الأوروبية المدنية ما بين الحربين العالميتين؛ من تحللّ القيم التي أصيبت، لفرط ما استعملها المجتمع، بالعاقبة الطبيعية للاستعمال غير المناسب نتيجة نفي فكرة الإله.

الوجودية مذهب إنساني

تحدّث سارتر في كتابه “الوجودية مذهب إنساني” عن هذا التحوّل القيمي والأخلاقي قائلاً: “إذا كان الله غير موجود؛ فإن القيم والشرائع التي تبرّر تصرفاتنا تسقط بالتبعية وتصير غير موجودة، ويجد الإنسان نفسه وحيداً لا عذر له ولا ما يبرّر سلوكه، وهذا هو ما أعبّر عنه بقولي إنّ الإنسان محكوم عليه بالحرّية: محكوم لأنّه لم يخلق ذاته، وهو حرّ لأنّه قد صار مسؤولاً عن كلّ ما يفعل بمجرّد أن تواجد في العالم”. (8)

إذاً لم يكتف سارتر بالقول بعبثية الحياة، بل قدّم لنا سبيلاً لتبرير أنفسنا والعالم؛ فالتحرّر من الأوهام لا يزيل ما في الحياة من معنى، وما للإنسان من مسؤولية؛ وبهذا واجب علينا، لأنّنا موجودون، أن نتجاوز هذه المجّانية، وتجاوزنا لها هو ما يطلق عليه سارتر “الحرّية”.

ولكن كيف شيّد سارتر مفهوم الحرّية في ظلّ ذلك التعقيد الوجودي الذي كتب للإنسان منهجه؟ وما هي أوجه الحرّية لدى سارتر وما معايير تطبيقها؟.

الحرّية السارترية.. الذباب ودروب الحرّية نموذجاً..

صوّر سارتر حياة الوعي والشعور قائلاً بأنّ الوعي الإنساني هو وعي بشيء ما. (9)؛ فهو موجود بمقدار ارتباطه بالأشياء الخارجية (كرسي، حصاة، طاولة)، وهو بحاجة لهذه الأشياء لكي يوجد.

أمّا الأشياء فهي موجودة، وكثيفة، لا هيئة لها كما تبدو في “الغيثان”، تفرض نفسها علينا، وليست بحاجة لوعينا الإنساني لتصبح مبرّرة أو موجودة، لذلك يطلق عليها سارتر في كتابه المنهجي “الوجود والعدم” مسمّى (الوجود) أو (الشيء في ذاته). (10)

يقوم الوعي باختيار الأشياء واقتطاعها من العالم ليمنحها أشكالاً ومعان متعدّدة، أي أنّه قدرة على “التوضّع خارج الوجود” أو “وجود يأتي العدم/الوعي بوساطته على الأشياء”(11) ؛ فحين يقول رو كانتان هذه حصاة يكون قد فصل قطعة صغيرة من المادة عن عالم الأشياء الخام وأعطاها بُنية ومعنى.

يملك الوعي الإنساني القدرة على اختيار موضوعة ما وملاشاة كلّ ما عداها والانفصال عنه، وهذا ما دفع سارتر إلى تشبيهه بالعدم؛ فلو كان الوعي وجوداً سيكون شبيهاً بنفسه دائماً كما هي حال الأشياء، ومتحجّراً، ولن يكون حرّاً. (12)

إنّ شكل وجود الوعي الإنساني كانعكاس حرّ يمرّ فوق الأشياء ويكسبها معنى، يفرض على الإنسان جهداً موصولاً: ضرورة أن يختار في كلّ دقيقة كيف يرى العالم.

هذه الضرورة هي التي تشكّل الحّرية؛ فالإنسان بمعنى من المعاني، يسيطر على وجود الأشياء ما دام ينفصل عنها ليعرفها، ولكنّه يجد نفسه آنذاك منتزعاً من صميم العالم، ويشعر بالنفي لأنّه ليس شيئاً من الأشياء الموجودة، بل أن وجوده يتطلّب ممارسة دائمة لحرّيته.

“فالإنسان ليس إلا مشروع الوجود الذي يتصوّره، ووجوده هو مجموع ما حقّقه، وهو نفسه ليس إلا مجموع أفعاله، ومجموع أفعاله هو حياته؛ فهو مجموع أفعاله”. (13)

إنّ عظمة الحرّية ناجمة عن وضعها كمنفية؛ فهي ليست كالأشياء وجوداً جامداً مستمرّاً، إنّها تدفع الإنسان إلى الاختيار وتفسير العالم كيلا يبقى أبداً أمام قلق وجوده. (14)

لكن كيف نكون أحراراً حقاً؟ وما الذي يحملنا على القيام بهذا الاختيار أو ذاك؟

في أربعينيات القرن الماضي، وبين الحربين، أصبح مطلوباً من الحرّية الفردية أن تنفصل عن المهازل التي تضيع فيها، ولم يكن من طريق إلى ذلك سوى الوعي الإنساني الذي كان وعياً سلبياً لا يؤتي جدواه.

مسرحية “الذباب”

أتى سارتر ليضع مقياساً لحرّيتنا وهو درجة المسؤولية الشخصية التي نضعها في أعمالنا، وقبولنا لعواقب هذه الأعمال، واحتمالنا لما نتعرّض له من متاعب، وسجّلت مسرحية “الذباب” هذا التطوّر العميق في الفكر السارتري عبر شخصية “أورست“: شاب عاش حياة ترفة، مبعداً عن أسرته الحقيقية. إلا أن ضرورة ثأره لمقتل أبيه كانت دوماً ما تؤرّقه؛ فإذا لم يكن هناك ما يلزمه بالثأر، فلن يكون هناك ما يخصّه، وهكذا ستظل حريته فارغة:

“ولكن ماذا؟ إن الحبّ، والكره يقتضيان من الإنسان أن يعطي نفسه. وإنه لجميل، ذلك الرجل ذو الدم الغني، المزروع بصلابته وسط ممتلكاته، إذ يعطي نفسه يوماً للحبّ والبغض، ويعطي مع نفسه أرضه وبيته وذكرياته”. (15)

عاد أورست في العشرين من عمره إلى مدينة أرغوس التي ولد فيها ولكنّه كان يجهل من أمرها كلّ شيء، شعر بأنّه بعيدا عن الحياة، وقد بدا الناس الذين كانت لهم مشكلاتهم غرباء في نظر هذا الفتى الذي لم تكن له مشكلات، وعلى عكس رو كانتان الذي كان يعتبر انشغال الناس وانهماكهم شيئاً مضحكاً فإن أورست أخذ يحسدهم:

“آه، ليت هناك عمل يمنحني حقّ المواطنية بينهم”. (16)

من الواضح أن سارتر اكتشف ضرورة (التضامن الإنساني) لمشروعه، بوصفها فكرة قادرة على أن تمنح الحرّية واقعاً عملياً وميداناً للفعل؛ فكتب في مؤلفه “الوجودية مذهب إنساني” يقول:

“إنّنا سنمارس الحرّية من أجل الحرّية، وسوف نطلبها من خلال ظروف معينة، وبسعينا خلف الحرّية سنكتشف أنّها تتوقّف كلية على حرّية الآخرين، وأنّ حرّية الآخرين تتوقّف على حرّيتنا.(17)

وعلى من يريد أن يعرف هذا التماس مع الواقع الذي يخدم الحرّية، أن يختلط بالبشر ويشاركهم خصوماتهم من أجل أن يغير العالم بإكسابه المعنى الذي اختاره، يجب عليه أن يعمل ويختار، وإن أورست ليتحيّر ويتذبذب.

عرف أورست نبأ الجرم الذي يثقل المدينة وكان بإمكانه أن يجعل من مهمته الثأر لهذا الجرم، ولكن الانقيادية الاجتماعية تتدخل هنا في شخص جوبيتر، ملك الآلهة: فأي جدوى في الانتقام لقتل مضى عليه عشرون عاماً وإفساد النظام القائم باسم العدالة؟

حمل الرياء الذي تخفيه هذه الحجّة أورست على اتخاذ القرار، وأزال عن عيني أورست الغشاوة: إنّ هذا الإله المزعوم ليس إلا صورة الحاجة إلى الأمن الخائف الذي يستشعره البشر، إن هذا الإله متفق على أيسر صورة مع خوف الناس ورغبتهم في الراحة.

لن يستجيب أورست لهذه الانقيادية التي تنصح بترك الأمور على حالها وهو يكتشف أنّه يستطيع اختيار الشكل الذي سيتخذه العالم بفضله:

“ولكن فجأة انقضّت عليّ الحرّية وأرعدت فرائصي، وقفزت الطبيعة إلى الخلف فلم يكن لي من عمر بعد، وأحسستني وحيداً كلّ الوحدة وسط عالمي الصغير التافه، كم فقد ظله ولم يكن ثمّة شيء بعد في السماء، لا خير ولا شرّ، ولا أحد ليصدر إلي أوامره”. (18)

يعزم أورست بعد اكتشافه لهذه الحرّية على العمل بما يعنيه؛ فهو يدرك أن عظمة الإنسان إنما هي الالتزام في إرادته بأن يجعل نفسه مسؤولاً، وهو ما تريد الوجودية توضيحه تلك الصفة المطلقة للالتزام الحرّ الذي به يحقّق كلّ إنسان نفسه بتحقيقه لنموذج من النماذج البشرية. (19)

أمّا “دروب الحرية” فهي ملحمة الحرية التي لا تزال حائرة ومتذبذبة؛ إن “ماتيو دولارو” يعيش في القصة مغامرة أورست نفسها ولكنّه يعيشها بوقت أطول.

دروب الحرية

صدر الجزء الأول من دروب الحرية عام 1938 تحت عنوان “سن الرشد” وبدأ بحادثة في الشارع: شحاذ دنا من ماتيو وطلب منه صدقة، تناولها، ثم مضى إلى الحانة بعد أن أهداه طابعاً بريدياً من مدريد حيث المقاومة الإسبانية.

أكمل ماتيو طريقه وهو يفكّر أنه شبيه لهذا الرجل الذي لم ينخرط في عمل يتحمّل المجازفة والمسؤولية، ولم يشأ أن ينتهي مع زوجة وخمسة أطفال؛ فماتيو لا يملك سوى مغازلة خرقاء تدعى “إيفيش” وألا يهتم بقضية حمل خليلته “مارسيل دوفيه”، وهذا الحادث هو ما تقوم عليه عقدة الكتاب لأنّ ماتيو لا يريد الالتزام والزواج، ولا الذهاب للقتال في إسبانيا.

إنّه الرجل الذي يعي حرّيته، لكنّه لا يعرف أن يعطيها قيمتها، إذ يريد حفظها بدلاً من إلزامها، شأنه شأن روكانتان، وهو ما تحدث عنه سارتر بقوله:

“إن الحرّية في الظروف العينية لا يمكن أن يكون لها غاية أو هدف آخر خلاف نفسها. وإذا ما اعترف الإنسان مرّة بأنّه مبدع القيم وخالقها؛ فإنه لن يطلب إلا شيئاً واحداً فقط وهو الحرّية. ولكن هذا لا يعني أنه يطلبها في حالتها المطلقة، بل لأجل نفسها: لأنّها حرّية”. (20)

ومن هذه النقطة نشأ ضجر ماتيو وملله من أن يحتفظ بنفسه لمناسبة لا تأتي أبداً، واستولى عليه الحسد إزاء أصدقائه الذين ضحّوا بأنفسهم لشيء غير أنفسهم:

“إنّني هنا أحسّ مذاق الدم القديم والمياه المعدنية، مذاقي، إنه مذاقي بالذات، إنّني موجود، ذلك هو الوجود: أن يشرب الإنسان نفسه على غير عطش، أربعة وثلاثون عاماً، لقد عملت، وانتظرت، وكان لي ما أريد: مارسيل، باريس، الاستقلال، وانتهى الأمر؛ فأنا لا أنتظر بعد شيء”. (21)

إنّ للإنسان الذي اختار واضطلع بالمسؤولية امتيازاً لا يملكه ماتيو: إن العالم ينتظم حوله من جديد بكل واقعه وحقيقته. ومصيبة ماتيو أنه لا يجد سبباً لإلزام حرّيته في مشروع معيّن. لكن يبدو أن سارتر أوجد له هذا السبب عام 1945: إنّه التضامن البشري الذي لا يقدّمه سارتر على أنّه قيمة بل على أنّه واقعـ معبّراً عن ذلك بقوله:

“إن الذاتية تعني حرّية الفرد الواحد من جهة، وأنّ الإنسان لا يستطيع تجاوز ذاتيته من جهة أخرى، والمعنى الثاني هو المعنى الأعمق في الوجودية.

أنّه باختياره لذاته يختار أيضاً بقية الناس؛ فلا عمل من أعمالنا في خلقه لما نريد أن نكونه، إلا ويساهم أيضاً في خلق صورة الإنسان كما نتصوّره، وكما نظن أنّه يجب أن يكون”. (22)

اكتشف ماتيو هذا التضامن أثناء هزيمة 1940 في شعور جديد بالعجز والغضب؛ ولم يعد حينها ذلك الفرد المعزول: فقد أصبح منخرطاً بالحياة الاجتماعية تحت راية الحرب ومسؤولاً فيها.

لكن القيمة الأخلاقية في نظر سارتر لا تكمن في هذه المسؤولية بالذات، بل في العمل الأخلاقي، وفي إدراكنا لارتباط الأقدار الإنسانية وأضاحينا في الميدان؛ فمسؤوليتنا أكبر ممّا نظنّ لأّن الصورة التي سنكون عليها ليست شيئاً يخصّنا وحدنا، لكنّها شيئاً يخصّ الناس جميعاً، والعصر كله الذي تواجدنا فيه مع هؤلاء الناس”. (23)

وترمي قصّة “وقف التنفيذ”، وهي الجزء الثاني من دروب الحرّية، إلى إخراج هذا الارتباط للأقدار الإنسانية إلى النور مما يتيح ميداناً للحرّية الفردية التي تبدو فارغة؛ فلم تعدّ قضية ماتيو تتعلّق بحفظ حرّيته كما في سن الرشد، بل بإعطاء جواب يثبت له أنّ حياته لا تتعلّق فقط بحرّيته وإنّما بالحرب التي جُند فيها؛ فهو حرّ لكنه معني بالحرب.

(24)

هذه الفكرة دفعت سارتر لتعميق نظريته المتعلّقة بالحرّية؛ فالإنسان يستطيع أن يكون حرّاً بلا حيرة مبهمة كالتي تصيب رو كانتان: أي أنّه حرّ نسبة إلى قضية تطرح خارج نفسه ولا يستطيع تجنبها، وهذا ما يسميه سارتر “الوضع”:

لقد أدرك ماتيو أن خاصة الوضع الإنساني المضطلع به كلّياً هي أن يدخل تغييرات وتبديلات على المعنى العامّ؛ فأخذ يطلق رصاص بندقيته من أعلى البرج على مدافع الجيش الألماني، ليس لإنقاذ فرنسا المجتاحة إنما لرغبته بأن يثبت لنفسه أنه كان على خطأ، وأن الإنسان إذا جُعل ليضفي المعاني على العالم؛ فينبغي له معرفة هذا العالم معرفة كاملة.

ونهايةً ليست أعمال سارتر الأدبية سوى دليلاً على نزول هذا الفيلسوف الرائد من عرشه المعرفي إلى الناس وتجاربهم؛ فلا يمكن لقارئ غير اختصاصي أن يفكّ أحاجي سارتر المنهجية في “الوجود والعدم”، لذلك كان لزاماً على سارتر، لمسؤوليته المعرفية قبل كلّ شيء، أن يرسل معارفه وبطريقة تحترم عقل القرّاء عبر المسرح والرواية والكتب المكتوبة باللغة البيضاء.

المراجع:

(1): جان بول سارتر، الغثيان، ترجمة: د.سهيل إدريس، صـ 78
(2): Ibid، صـ 183
(3): Ibid، صـ 135
(4): جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة: عبد المنعم الحنفي، الطبعة الأولى 1964، صـ 35
(5): جان بول سارتر، الغثيان، ترجمة: د.سهيل إدريس، صـ 140
(6): Ibid، صـ 178
(7): جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة: عبد المنعم الحنفي، الطبعة الأولى 1964، صـ 14
(8): Ibid، صـ 25-26
(9): جان بول سارتر، الوجود والعدم، ترجمة: عبد الرحمن البدوي، دار الآداب بيروت، الطبعة الأولى 1966، صـ 22-23
(10): Ibid، صـ 5
(11): Ibid، صـ 78
(12): Ibid، صـ 79-80
(13): جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة: عبد المنعم الحنفي، الطبعة الأولى 1964، صـ 39
(14): جان بول سارتر، الوجود والعدم، ترجمة: عبد الرحمن البدوي، دار الآداب بيروت، الطبعة الأولى 1966، صـ 700 إلى 704
(15): جان بول سارتر، الذباب، دار الآداب بيروت، صـ 52
(16): Ibid، صـ 20
(17): جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة: عبد المنعم الحنفي، الطبعة الأولى 1964، صـ 58
(18): جان بول سارتر، الذباب، دار الآداب بيروت، صـ 91
(19): جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة: عبد المنعم الحنفي، الطبعة الأولى 1964، صـ 49
(20): جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة: عبد المنعم الحنفي، الطبعة الأولى 1964، صـ 57
(21): جان بول سارتر، سن الرشد، ترجمة: د.سهيل إدريس، دار الآداب بيروت، الطبعة الثانية 1962، صـ 70
(22): جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة: عبد المنعم الحنفي، الطبعة الأولى 1964، صـ 16
(23): Ibid، صـ 17
(24): جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة: عبد المنعم الحنفي، الطبعة الأولى 1964، صـ 765

قد يعجبك ايضا