عصر الحريم .. الحكم من غرفة النوم

الاتحاد برس

 

استخدم لفظ الجارية منذ مئات السنين للإشارة إلى العبيد من الإناث واللاتي استعبدن بطرق مختلفة مثل النهب والخطف عبر الطرق، لتصبح الفتاة فيما بعد مملوكة لسيدها الذي يحق له بيعها أو شرائها أو حتّى مضاجعتها، وتكون بذلك مجردة من كامل حقوقها في الإرث والملك حتى وإن تزوجها أمير أو سلطان.

اشتهرت الجواري في الإمبراطوريات والدول الكبرى قديماً حيث كان لهن دور كبير في تغيير موازين الحكم والسياسة حتى في الدول الإسلامية القديمة وبتن صاحبات الأمر كما أنهن وصلن للحكم والسلطة.

بدأت أعداد الجواري تزداد فترة الخلافة العباسية وذلك على خلفية تمدد الدولة العباسية وتوسعها وتحقيق النصر في العديد من الفتوحات، وهناك بدأت الجواري بالتدخل في شؤون الحكم، أما داخل الدولة العثمانية فكان للجواري حياة مختلفة تماماً عن كلّ ما كان قبلاً، خاصة في قصور السلاطين حيث كان لهن جناح ضخم مخصص لهن فقط، وبالرغم من شرائهن من سوق النخاسة إلا أنهن تحولن إلى محرمات عن العامة بمجرد دخولهن لقصر السلطان، فقد كان هناك ما يعرف باسم “الحرملك” وهو العالم السري المحجوب عن العامة والذي من خلاله كان يمكن للجارية أن تصل إلى العرش.

داخل قصر السلطان تم تدريب الجواري على عادات الحرملك وتقاليده، ثم تم اختيار الجميلات منهن لعرضهن على السلطان والذي بدوره كان يختار واحدة لتشاركه الفراش، وإذا أنجبت إحداهن من السلطان أصبحت أماً للأمير المنتظر ولم تعد تلقب بالجارية من بعد، وقد كانت الجواري أكثر الأشياء إثارة للاهتمام في القصر العثماني لتدخلاتهن الكثيرة وأدوارهن البارزة في قصور السلاطين.

شجر الدر .. السلطانة المصرية الوحيدة

شجر الدر

اختلف المؤرخون حول أصولها، لكنهم أجمعوا على أنها جارية “السلطان نجم الدين أيوب” التي حظيت بمكانة خاصة في قلبه، حيث أعلن السلطان بعد تسلمه حكم مصر زواجه منها لتكتسب لقب سلطانة ثم تنجب له ابنه الخليل.

كان اسمها الحقيقي هو عصمت، لكن السلطان هو من لقبها بـ “شجر الدر” لشدة جمالها وقد كان يشاورها في شؤون الحكم ويقال أنها كانت تحكم سراً في وجوده وعلناً في غيابه.

نجم الدين أيوب

وقد كانت الحادثة الأكثر شهرة لهذه السلطانة هي إخفائها لموت زوجها نجم الدين أيوب الذي توفي في قصره في المنصورة عام 1249 إذ جمعت القادة وأدارت الأزمة التي كانت تعصف بالبلاد آنذاك، ولم يعلم بموت السلطان حينها إلا أربعة أفراد.

رتبت شجر الدر انتقالاً سلساً للسلطة ليستلم العرش ابن السلطان “توران شاه” ووضعت خطة حربية لصد هجمات الأعداء حتى انتصر جيش دولتها، لكن توران شاه سرعان ما راح قتيلاً في حربه مع المماليك، وقد قيل أن شجرة الدر هي التي دبرت مقتله لتستلم بعد ذلك منصب سلطان البلاد وتلقب باسم “المستعصمية الصالحية ملكة المسلمين” و”والدة خليل أمير المؤمنين”.

شجر الدر

لم يدم الحكم طويلاً لشجرة الدر فقد أجبرها رفض الخليفة العباسية “المستعصم بالله” ورفض الأسرة الحاكمة استلامها الحكم على التنازل عن المنصب، لكنها وبفطنة منها تزوجت أمير العرش “عز الدين أيوب” لتصبح بذلك زوجة آخر ملك أيوبي وأول سلطان مملوكي، استمرت سطوتها على الحكم بعد زواجها الأخير، كما وأجبرت السلطان على هجر زوجته الأولى، وساعدته على التخلص من أشد منافسيه ضراوة.

لكن زوج شجر الدر الجديد لم يكن يناسب تطلعاتها، ولما شعرت برغبته الزواج مرة جديدة أخرجتها الغيرة عن حكمتها فاستدرجت زوجها إلى قلعتها وقتلته وأشاعت أنه مات فجأة،  فاعتقلتها زوجة عز الدين الأولى وحبستها، وماتت بعد ذلك بفترة قصيرة.

 

هرم .. وعصر الحريم

هرم سلطان

بدأت حكاية “هرم” من أوكرانيا حيث اختطفها التتار وهي في عمر السادسة عشر وباعوها في سوق الجواري في إسطنبول، لم تكن فائقة الجمال لكنها كانت شديدة الذكاء فأهدتها “حفصة” والدة “السلطان سليمان القانوني” لابنها.

تمكنت هرم من أسر السلطان سليمان بحلو حديثها وابتسامتها ولم يمض عام إلا وباتت المفضلة لديه وحظيت بمكانة لم تنافسها فيها إلا أم ولي عهده الأمير “شاه زاد مصطفى”، لكن هرم سرعان ما ولدت لزوجها ابنه “شاه زاد محمد” فزاد تعلقه بها.

لم ترض هرم بموقعها كالثانية بين حريم السلطان فبدأت بمكائدها واستطاعت أن تزيح أم ولي العهد من القصر، وجعلت ابنها محمد يأخذ مكان الأمير مصطفى، ثم نجحت في إقناع السلطان بالزواج منها ضارباً بالعرف العثماني الذي يحرم زواج السلاطين بالجواري عرض الحائط ما أشعل ذهول الجميع.

من ثم بدأت مكائد هرم تتوجه إلى أمور الحكم، فبدأت بالتخطيط لتولية ابنها عرش السلطان، واستطاعت التخلص من الصدر الأعظم “إبراهيم باشا” وهو الصديق المقرب للسلطان سليمان القانوني وأحد أكبر داعمي الأمير مصطفى.

سليمان القانوني

عينت هرم بعد موت إبراهيم زوج ابنتها “رستم باشا” كصدر أعظم فأصبح يدها اليمنى في أمور الحكم والدولة وطوقت من خلاله الأمير مصطفى، لكنها لم تستطع السيطرة على جيوش الانكشاريين الذين كانوا يكنون ولاءً عميقاً لمصطفى.

نسجت هرم العديد من الوشايات الكاذبة والتي استطاعت من خلالها إقناع السلطان سليمان بأن ابنه مصطفى يتخابر مع العدو، ليأمر السلطان نهاية الأمر بإعدام ابنه مصطفى أثناء حملته على إيران، فنالت هرم ما خططت له بجعل ابنها “سليم الثاني” ولي العرش لأن ابنها محمد كان قد توفي شاباً.

توفيت السلطانة عام 1558 ودفنت بضريح مقبب يتبع للمسجد السليماني بعد أن أسست لعصر بات يعرف باسم “عصر الحريم” والذي سيستمر بعدها لقرن كامل تقريباً وستتحكم فيه النساء بمقاليد الحكم من خلف ستار على نهجها، بينما بقي زوجها السلطان سليمان وحيداً بعد وفاة زوجته وتوفي عام 1566 ليدفن قريباً منها ويخلفه ابنه سليم الثاني.

قد يعجبك ايضا