عن الهوية السورية الضائعة

 

42

لعل الهوية السورية وضعفها من أهم أسباب الأزمة السورية. ولدت سوريا (ولا تكتب سورية) بعد انهيار الامبراطورية العثمانية كمملكة هاشمية، ثم انتقلت للانتداب الفرنسي ثم تلتها مرحلة ما بعد الاستقلال وهي فترة ديموقراطية قصيرة مضطربة، لتدخل في مرحلة الوحدة مع مصر (هيمنة مصرية على سوريا ولم تكن وحدة مدروسة أو متوازنة) التي انتهت بالانفصال عام 1961، ثم انقلاب البعث في عام 1963، وصولاً إلى انقلاب الأسد الأب على رفاقه البعثيين. شكل الدولة الحالي هو ما تم خلقه بعد انقلاب حافظ الأسد باعتبار أن النظام الذي أسسه استمر حتى لحظة كتابة هذه السطور.
النظام الحالي خلق قومية وهمية مؤسسة على حلم بناء دولة عربية موحدة تجمع كل أقطار ما يسمى بجامعة الدول العربية، وهو ما لم يحصل بأي فترة من التاريخ (إلا في آهات أغنية عبد الوهاب الشهيرة وطني حبيبي الوطن الأكبر) إذا كنا نستند للعامل التاريخي. وليصبح الشعور القومي السوري الحقيقي في سوريا أي الانتماء لسوريا شعوراً “وطنياً” بحسب أدبيات النظام وحزب البعث وأمراً سلبياً ومضاداً لخيار “الجماهير” في القومية والوحدة العربية الخيالية المستحيلة.
لا أعتقد أن النظام وأركانه أو رأسه كانوا مقتنعين بأفكار حزب البعث بل استخدموا هذه الأفكار الخيالية لخلق أداة من أدوات الحكم والسيطرة وإيجاد شرعية لاستمراريتهم في الحكم، فأصبح الانتماء للوطن يعني الانتماء للحزب والمواطن الذي لا يثبت ولاءه للحزب مثلاً بكتابة التقارير الأمنية عن جيرانه وزملائه في العمل وعن خطبة صلاة الجمعة لا يعتبر مواطناً صالحاً أو لا يحصل على أغلب الوظائف في القطاع العام التي تتطلب تزكية من الحزب أو عضوية عاملة في بعض الأحيان.

العوامل الاقتصادية والانفجار السكاني في فترة قصيرة نسبياً مع قلة الموارد أدت كلها إلى زيادة الاحتقان الاجتماعي بشكل خاص مع وجود العامل الطائفي المسيطر على النظام. ربما مثال عن هذا الأمر هو أن وظائف الدولة كانت تمنح بشكل غير متوازن على أساس طائفي إذا اعتبرنا أن موضوع خلل التوازن الطائفي في الجيش أمر ضروري لاستمرار النظام.
لن أتحدث عن الجيش والذي كما قلت الطائفية فيه أثبتت فاعليتها في خلق استقرار طويل الأمد ولكن هذه الطائفية نفسها هي سبب ضعف هذا الجيش عندما واجه خطر أكبر بسبب نقص العامل البشري.

الطائفية والطائفية المضادة
الطائفية هي سبب من أسباب الأزمة، والحراك أو ما سمي “ثورة” سيطرت عليه أيضاً السمة طائفية منذ البداية.
السنة في سوريا طالبوا بالحرية مما اعتبروه سيطرة الأقلية العلوية (التي تشكل حوالي 10-12% من سكان سوريا قبل الأزمة) على الأكثرية. ويمكننا القول أن كل من حمل السلاح في وجه النظام من السوريين هم من الأغلبية السنية (الناطقة بالعربية إضافة إلى الأقلية التركمانية) والتي تشكل حوالي (67-72%) إذا استثنينا الأكراد الذين لم يوجهوا سلاحهم في وجه الجيش السوري. وإذا استثنينا أيضاً السنة الذي فضلوا الحياد أو دعم النظام، فيكون تعداد السنة الذين ثاروا ضد النظام لا يتجاوز بأفضل الأحوال 48-55%. على أي حال أنا أفترض أرقام تقديرية فقط لمحاولة فهم ما يجري لا أكثر مستنداً إلى أن مناطق سنية عديدة إضافة إلى مدينة دمشق وهي العاصمة لم تشهد تمرد عسكري يذكر ونصف مدينة حلب مازالت بيد النظام.
سأعتبر مع ذلك أن أغلبية السنة ضد النظام ولو أن أغلبية السنة لا تساوي بالضرورة أغلبية السوريين. هذه الأغلبية التي ادّعت أن “ثورتها” تطالب بالحرية والديموقراطية لم تقف ولو حتى بموقف إنساني “مجاني” لأسباب طائفية مع الحراك الشيعي والأغلبية الشيعية في البحرين، التي طالبت بالحرية من تسلط الأقلية السنية فيها، ولأن الدول التي دعمت “الثورة” السورية بالمال والسلاح والماكينة الإعلامية تعتبر ثورة الشيعة في البحرين مؤامرة إيرانية. وهنا يستحضرني ما قاله المغفور له ( ماركس) في رسالته إلى رفيقه (سيغفريد ميير) أنه إذا أراد عمال إنكلترا التحرر فإن عليهم أن يضمنوا نفس الحرية لنظرائهم عمال إيرلندا لأن معركة نيل الحقوق هي معركة جماعية….. إذاً الثورة يجب أن تحمل قيم عالمية وإنسانية لتكتسب شرعية وهذا ما فشل قادة الحراك “الطائفي” في سوريا من تحقيقه ولو أنهم استطاعوا تجنيد بعد المسيحيين والعلويين والدروز لتقنيع ثورتهم فإن ذلك لم يمكنهم من إخفاء الرائحة الطائفية للحراك. طبعاً تخرج علينا بشكل مستمر أصوات من هذه “الثورة” المزعومة تدّعي أن ثورتهم مستمرة وأنها سُرقت ولكنها ستعود إلى الطريق الصحيح بعد إسقاط النظام. كلامهم ليس له قيمة لا في الخارج ولا في الداخل لأن من يريد أن يفرض مبادئ وقيم يجب وقبل كل شيء أن يمتلك قوة عسكرية على الأرض ليقنعنا بوجهة نظره لا أن يجلس خلف حاسبه في أوروبا وينظّر علينا. من يمتلك القوة العسكرية على الأرض باستثناء النظام وحزب الله هم الفصائل الإسلامية السلفية (وتسمى أيضاً معتدلة) وجبهة النصرة (القاعدة) وتنظيم داعش (الديموقراطي). الفشل الأميركي الأخير في خلق فصيل مسلح “معتدل” يخضع للقواعد الأميركية هو ما سيقرؤه صانع القرار الأميركي ويبني عليه قراراته لا رأي هؤلاء المساكين أو وجهة نظرهم.

أزمة اللاجئين
النظام هو الرابح الأكبر من أزمة اللاجئين في أوروبا. فهو يتخلص من القاعدة الشعبية المعارضة له كون الغالبية العظمى من اللاجئين هم من المناطق السنية الريفية التي خرجت عن سيطرته، وفي نفس الوقت يضغط على أوروبا التي دعمت أجهزة استخباراتها بشكل مباشر المعارضة المسلحة أو غير مباشر عن طريق دعم المنظمات الغير حكومية التابعة لها للحراك المدني.
الضغط الذي سببه سيل اللاجئين السوريين أدى إلى تغير ملحوظ في نبرة زعماء أوروبا وقبولهم التدريجي بضرورة إشراك الأسد في أي حل للأزمة. وبما أن الدول الأوروبية تخضع دائماً للإرادة الأميركية فهذا يعني أن أميركا قبلت ببقاء الأسد أو أجلت تقرير مصيره لفترة غير محددة.

في رثاء ثورة ماتت بسبب الولادة المبكرة
كنت أعتقد أن مشكلة الشعب الليبي تكمن في حكم القذافي لكن بعد مقتله بطريقة همجية على يد ثوار الناتو اكتشفت أن “المغدور” لم يمكن بيوم من الأيام المشكلة الوحيدة أو على الأقل من الصعب أن يتم اختزال هذه المشكلة بشخصه وتجاهل المجتمع القبلي المتخلف الذي كان يحكمه… الأمر نفسه ينطبق على ثوار “الله أكبر” السنة ضد الأسد “العلوي” في سوريا وينطبق أيضاً على ثورة الهوتو على أقلية التوتسي في رواندا.
الإسلام طُرح كبديل للأنظمة العربية في مشروع “الربيع العربي” الذي مولته أجهزة المخابرة الغربية بطريقة تشبه تمويل حركة “أوتبور” الشبابية الطلابية في صربيا، والتي نجحت مع بعض الاختراقات العسكرية بالإطاحة بالرئيس “المغدور” سلوبودان ميلوسوفيتش.
المشكلة هنا التي لم يتنبه لها الغرب هي أن الإسلام كدين أو كنظام سياسي لا يمكن لشخصين أن يتفقا عليه مما يجعل استحالة أن يتفق عليه شعب أو أغلبيته إلا تحت ضربات السيف الدامية. الأمر الآخر هو عدم وجود هرمية بالإسلام “السني” على عكس الإسلام “الشيعي” مما يخلق صعوبة كبيرة في تطوير الدين وضبط أتباعه والتعامل معهم، وهذه المشكلة يضاف إليها إشكالية ثانية وهي أن الإسلام يمزج منذ بداياته الأولى بين الدين والدولة، بعكس المسيحية التي أعلن مؤسسها أو من خلفه عن لسانه “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” أي أن المسيحية منذ البداية دعت لفصل ما هو ديني عن الأمور الدنيوية. التجربة التركية لا يمكن استنساخها في باقي الدول العربية والإسلامية لأن نجاحها لحظي وغير متجذّر، ولأن الجيش يستطيع بأي لحظة إذا تلقى الإشارة من الخارج إغلاق دكان الديموقراطية إذا تمّ المس بمبادئ العلمانية فيها. الفرق بين تركيا والدول العربية هي أن مصطفى كمال (عسكري) امتلك القدرة والشجاعة وفرض العلمانية، والحزب الإسلامي الحاكم الآن قبل بدخول اللعبة ضمن قواعد اللعب العلمانية. ومن الصعب أن نتخيل أن حزب إسلامي كحزب العدالة أو زعيم كأردوغان يستطيع نقل تركيا كما فعل أتاتورك إلى نظام علماني من الصفر.
سلاح الأحزاب الدينية الرئيسي هو جهل الشعوب الإسلامية وتخلفها ونقمتها على كل ما هو غير إسلامي إضافة إلى أن هذه الشعوب تعتقد أن العلمانية تعني سيطرة الأقلية عليها (هذا غير صحيح في البلاد العربية كلها لا يمكن الحديث عن حزب علماني حاكم واحد وإنما لدينا أحزاب “غير دينية” و”أحزاب دينية”) . وسلاح الأحزاب الدينية أيضاً هو تكفير خصومهم، يساعدهم في ذلك طبقة “العلماء” أو المشايخ التي لا علاقة لها بالإسلام “الأصيل” وإنما نشأت في فترة الحكم الملكي (الأموي ، والعباسي…) واستمرت إلى وقتنا هذا وكان الهدف الأول لخلقها هو إيجاد شرعية للسلطة الحاكمة تمكنها من الهيمنة على الشعوب المتباينة إثنياً ومناطقياً وإفهامها أن سلطتها تستند إلى الشرع والدين ومعارضتها هي معارضة “لله”. إذاً فممارسات هذه الطبقة والأحزاب ليست ديموقراطية ولا أهدافها ديموقراطية لأنها ترغب في إقامة حكم “قروسطي” والديموقراطية ليست سوى غطاء أو وسيلة لدخول اللعبة السياسية، وحتى لو قبلت هذه الأحزاب وشيوخها بالديموقراطية فلن يقبلوا بالعلمانية وفصل الدين عن الدولة. وسيتحفوننا بأسماء كدولة مدنية ودولة ديموقراطية ودولة حديثة…
نحن بحاجة إلى ثورة اجتماعية وثقافية قبل الحديث عن ثورة سياسية ودموية. ولا يمكننا أن ننقل دول العالم الإسلامي ومنها سوريا إلى ما وصل الغرب إليه عبر “ثوار” تم تدريبهم على عجل عبر منظمات غير حكومية وكأن الدول الغربية تنظر إلى هذه المجتمعات كجهاز كومبيوتر يمكل تنزيل برنامج عليه بنقرة واحدة. الغرب لم يصل إلى المرحلة التي يعيش فيها من حرية نسبية وحكم نخب رأسمالية “شبه ديموقراطي” سوى في النصف الثاني للقرن العشرين بعد ظهور المسيح. فإذا اعتبرنا أن الإنسان في المجتمع الإسلامي لا يختلف عن نظيره في المجتمع الأوروبي فإن علينا مع القليل من التفاؤل أن نمنحه نفس الفترة الزمنية (خمسة قرون أخرى باعتبارنا في القرن الخامس عشر الهجري) للوصول إلى ما حققه الغرب أو العالم المسيحي من تطور وحرية وفصل للدين عن الدولة. وللتذكير فإن العالم المسيحي في قرنه الخامس عشر كان تحت سيطرة الدين ويشهد حروب دينية كالتي نشهدها الآن ومحاكم تفتيش وأبشع أنواع الإجرام الديني. الإسلام يعيش الآن في قرنه الخامس عشر أعود وأكرر فلا داعي للعجلة. الأمر بحاجة إلى وقت وربما وقت طويل بعض الشيء. أنا مع ذلك متأكد من فشل الإسلاميين لأنهم يسعون لحصر شكل الدولة في إطار متخيل قديم لا يقبل التعديل وهذا الأمر ضد قانون الطبيعة في النشوء والتطور ومحكوم عليه بالفشل على المدى الطويل. لا أحد يستطيع أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء ولا أحد يهزم قوانين الطبيعة.

عن الفسطيني الثائر في سوريا
أريد أن أتحدث قليلاً عن الفلسطينيين في سوريا لأن اللاجئ الفلسطيني السوري يعاني من أزمة “هوية” هو الآخر. هل هو فلسطيني أم سوري أم فلسطيني-سوري؟!!
بعض الفلسطينيين وقفوا مع النظام السوري وبعضهم وقف مع الحراك السني ضد النظام وهم من المحسوبين على حماس (لأسباب إخوانية) أو فتح من الذين يحملون ضغينة على مواقف حافظ الأسد منهم في لبنان وطردهم منها وحادثة “تل الزعتر” ….الحقد لا يكفي لأن يجعل من الإنسان ثائراً ولا يمنح الإنسان حقوق متساوية بالمواطنة تكفل له العمل السياسي.
هل يحق للفلسطيني أن يشارك في ثورة ضد نظام الأسد؟ الجواب برأيي لا. لأن الفلسطيني المقيم في سوريا بحسب القانون الدولي والقانون السوري هو مجرد لاجئ وهذا لا يعطيه الحق بممارسة السياسة أو تولي المناصب إلا إذا أصبحت سوريا دولة إسلامية في المستقبل وتصبح الهوية مبنية على الدين فقط فيصبح الفلسطيني والشيشاني والصومالي أعضاء في مجلس شورى ولاية الشام مثلاً او إذا استلم حزب التحرير (من تفرعات الإخوان المسلمين) السلطة في سوريا وأعلن قيام خلافته باعتبار أن الخليفة في هذا الحزب “فلسطيني”. أو أن علينا أن نمنح اللاجئين الفلسطينيين الجنسية السورية الكاملة، وهو الأمر الذي يؤهلهم لممارسة السياسة ويمنحههم حق الترشح وتولي المناصب. إلى أن يتحقق واحد من هذه الشروط على كل فلسطيني أن يصمت ويدع السوريين يحلون مشاكلهم لأن الطرد لما تبقى من فلسطينيين في سوريا قد يكون نتيجة لحماقة البعض.
أنا لا أطالب الفلسطيني أن يدعم نظام الأسد كما فعلت بعض الفصائل أو أن يقوم بدعم معارضة النظام كما فعل البعض لأنه في الحالتين سيكون الخاسر الوحيد والضحية الوحيدة والطرف الأضعف. لا شيء يبرر للفلسطيني تدخله لأن الفلسطيني في سوريا مازال يحتفظ بعصبيته وتعصبه لهويته الفلسطينية التي هي أقوى من هويته السورية. أنا أحذر الفلسطيني هنا لأنه راهن على صدام حسين في الكويت وساند جيشه وخسر الرهان ودفع الثمن ، ثم راهن على صدام في العراق فخسر الرهان ودفع الثمن، وراهن على أمن لبنان ودفع الثمن، والآن يراهن على سوريا ويقرر عدم الحياد ومصيره أن يدفع الثمن. إلا إذا كان الثمن هو الحصول على إقامة لاجئ في أوروبا مع تذكرة ذهاب بلا إياب .

روسيا في سوريا
الجزيرة بدأت بحملتها على روسيا وبدأنا نشاهد صور القتلى والجرحى اليوم التي تذكرنا في الأيام الأولى للحرب السورية والهدف طبعاَ معروف وهو الدفع بالمزيد من المتطرفين الإسلاميين إلى المعركة بإسلوب مكشوف ومفضوح. لطالما استهزأت قطر وما يسمى معارضة سورية بالأسلحة الروسية وبالقوة الروسية لدرجت الوقاحة وكأنهم يعتقدون أن روسيا دولة من دول الكاريبي. المهم الآن لننتظر ردهم على الغضب الروسي وإذا ما كان وزير خارجية قطر سيُعلّم نظيره الروسي درساً لن ينساه. المنطق الذي أعطى السعودية ودول الخليج الحق بالتدخل الغير شرعي في اليمن هو نفس المنطق الذي يعطي روسيا اليوم حق التدخل في سوريا.
هناك توافق بين جميع الأطراف (لا قيمة لموقف قطر والسعودية) على تأجيل بحث مستقبل الأسد في سوريا لبضعة سنين قادمة وتركيز الاهتمام على تصفية الإسلاميين وبشكل خاص داعش وكأن سوريا هي مكب للنفايات الإسلامية. التدخل الروسي سيثبّت مواقع النظام ويوقف تقهقره لكن لن يؤدي إلى تقدمه لأن الجيش السوري يعاني من نقص العامل البشري، ولن يكون قادراً على تحقيق الكثير من الانجازات البرية على الأقل في المستقبل القريب. لكن هذا التدخل سيضعف بالتأكيد أعداء النظام أو ما يسمى المعارضة “المعتدلة” التي تشمل جبهة النصرة (تنظيم القاعدة) وأحرار الشام وجيش الإسلام….. ومن المحتمل أن يجبرهم على القبول باستحالة إسقاط النظام بالقوة.
لا أعتقد أن الرئيس الروسي يهدف إلى إعادة إدلب وحلب أو إلى منع التقسيم، وإنما يسعى إلى حماية ما تبقى من مناطق تحت سيطرة النظام ومنعه من السقوط بعد التقهقر الذي عانى منه الجيش السوري في الأشهر السابقة. روسيا يهمها المنفذ البحري الوحيد لها في المتوسط، وحماية مصالحها وهيبتها، واستعراض أسلحتها الجديدة وإثبات فاعليتها في سوق السلاح العالمي، وأخيراً التخلص من آلاف المتطرفين الذين قدموا من أراضيها للقتال في صفوف داعش والفصائل الإسلامية “اللطيفة” الأخرى.
إيران أيضاً يهمها بقاء النظام في المناطق التي يسيطر عليها وتثبيته فيها، وربما أكبر مثال عن أن إيران تدرك أن التقسيم مايزال الخيار الأقوى هو ما تتردد عن شراء إيرانيين لعقارات وأراضي في دمشق والأمر الأكثر أهمية هو عملية تبادل المقاتلين في الزبداني مع أهالي كفريا والفوعة الشيعة وتوطينهم في مناطق سنية في دمشق وريفها، مما سيحول إدلب وريف حلب قريباً إلى منطقة سنية بشكل كامل. عملية التبادل السكاني هذه ستتكرر برأيي في المستقبل القريب في مناطق أخرى لترسم هوية الدولة السنية والدولة التابعة للنظام السوري المحمية من إيران وروسيا.
لا يوجد بديل للأسد عند الأمريكيين ولا عند الروس في الوقت الحالي وأعتقد أن هذا ما سيجعل الأسد جزء من المرحلة القادمة سواءاً كانت تمهيداً لحل سياسي أو لتقسيم نهائي.
من الطبيعي أن يقول لنا أتباع المعارضة السورية التابعة لدول الخليج وقطر وتركيا والمخابرات الفرنسية والبريطانية والأميركية أن رحيل الأسد حتى لو تم الآن ليس بمشكلة لأن البديل جاهز وأن الشعب السوري “العظيم” الذي أنجب “أبو جعفر المغربل” , و”المازوشي الفيتيشي فراس طلاس” و “عبد الرزاق طلاس” الشهير بالحلّاب… قادر على إنجاب رئيس بديل عن بشار. وليعذرني الجميع إذا أهملت أي اسم من أسماء “عظماء” سوريا . طبعاً كل من يردد هذه الإسطوانة يستيقظ في الصباح ويتجه مباشرة إلى مرآة الحمام ليلقي التحية مع ابتسامة غبية على الرئيس القادم لسوريا.
المشكلة ليست إيجاد بديل لبشار، بل أن يكون هذا البديل متوافقاً ومقبولاً من النظام الحالي بما فيه الجيش والأجهزة الأمنية وحلفاء النظام وبشكل خاص روسيا وإيران. طالما أن خيار إسقاط دمشق بالقوة وتدمير ما بقي من سوريا تم تجاوزه من قبل أميركا.

مرثاة لا بد منها : “الثورة” و”الثوار”
يرفضون التدخل الروسي والإيراني ولا يرفضون التدخل الوهابي الإخواني القطري السعودي التركي المدعوم من أوروبا وأميركا. ويحددون من هو صديق ومن هو عدو لسوريا. يصفون النظام السوري بأنه صديق لإسرائيل وبأنه باع الجولان وفي المقابل، عالجت إسرائيل إلى غاية اللحظة أكثر من 1500 من جرحاهم في مستشفياتها على نفقة دافع الضرائب الإسرائيلي المسكين، دون أن تكون إسرائيل طرف مباشر في الحرب السورية، وهو الأمر الذي يلزمها باستقبال الجرحى لأسباب إنسانية.
وأعتقد أن مثل هذه التناقضات وما ترتب عليها من فشل أخلاقي لما يسمى ثورة هو أهم سبب لصمود النظام السوري وتماسكه. المتمردون في سوريا قابلوا التمييز الطائفي الذي اتبعه النظام بإجرام طائفي، وواجهوا بروباغاندا النظام بحملة من الأكاذيب المتناقضة التي أفقدتهم مصداقيتهم أمام شريحة واسعة من السوريين وأمام العالم.
أعتقد أن الدول الغربية التي دعمتهم ستتخلى عنهم قريباً لأنه لافائدة من دعم مشروع فاشل. حتى المنظمات التي تمولها أجهزة المخابرات الغربية سينخفض دعمها لهم تدريجياً. وهنا على الأقل سيصبح لعبارتهم “مالنا غيرك يا الله” معنى.
مئات الملايين من الدولارات أنفقتها الأجهزة الغربية والعربية لتدريب وتطوير كوادر ونخب لثورتهم المزعومة ضاعت ولم تفلح في تطوير أدمغتهم أو طريقة تفكيرهم. ربما المشكلة بالنخب المعارضة!! فأغلب هذه النخب المزعومة مصاب بمرض جنون العظمة والانفصال عن الواقع. ومن الطبيعي أن تحاور أحدهم فتسمع منه كلام عن سوريا المستقبل وأن يحدثك وكأنه قائد لهذه الثورة وملهم لها ومؤسسها ويعدك بمنبر حرّ في سوريا “المستقبل” من منفاه الأوروبي، وإذا لم تقتنع بوجهة نظره تصبح خائن لثورته وعرضة للملاحقة والسجن في المستقبل بتهم لا يفهم معناها لكنه سمع عنها أو قرأها في كتيبات أو مواقع المنظمات التي تدعمه وتعلفه. وكأننا أصبحنا بحاجة إلى شهادة حسن سلوك “ثوري” من هؤلاء.

مبادئ الجمهورية !
استقبلت فرنسا وهي دولة أقدرها وأحترم ثقافتها ومكانتها أكبر عدد من المعارضين السوريين ربما لأنها كانت تحلم بإعادة سوريا لوصايتها المباشرة وترغب بخلق نخب تدين بالولاء لها. لكن منذ أسابيع منيت هذه النخب المعارضة بخسارة قاسية لا تعوض. لا ألوم هؤلاء الأيتام على حزنهم وألمهم لأنهم فقدوا أباهم الروحي وعراب وصديق ثورتهم ( الشهير بأبو الفيز) وخبير الملف السوري في الإدارة العامة للأمن الخارجي (المخابرات الفرنسية الخارجية ) فلاديمير غلاسمان…. لكن لا يمكن لأي منهم أن يقنعني أن الخارجية الفرنسية أو الحكومة الفرنسية منحتهم حق الإقامة بأراضيها لأنهم يؤمنون “بمبادئ الجمهورية” لأنه لو كان هذا الشرط الوحيد للحصول على إقامة في فرنسا لحصل على هذا الحق ملايين السوريين وعشرات ملايين العرب ومئات ملايين الأفارقة!

سوريا أم سورية
النظام فرض على الشعب السوري كتابة سوريا “كسورية” بحجة أنها اسم عربي والحقيقة أن اللفظ دخل إلى اللغة العربية من اليونانية وبالتالي فإن أصل الاسم أعجمي ولا داعي لاختراع أصل عربي له وكتابته بتاء مربوطة.

نوار قسومة_المدن

 

قد يعجبك ايضا