عين عيسى اختبارٌ جديدٌ للأزمةِ السوريّةِ


بعد سجالاتِ البحرِ المتوسط حول التنقيب عن الغاز وحدود المياه الاقتصاديّة والتوتر مع اليونان وأوروبا، وقبلها معارك ليبيا، انتقلت أنقرة بالأدوات نفسها إلى القوقاز، وانخرطت في جبهاتِ الحربِ بإقليم ناغورني كراباخ، ومع توقيع اتفاق موسكو لوقف إطلاق النار في 9/11/2020، انتهى فصلٌ دمويٌّ شاركت فيه أنقرة واستثمرته لصالحِ توسيعِ نفوذها بالقوقازِ.

كانتِ المفاجأة أن خذلت موسكو حليفتها أرمينيا، خلافاً لسقفِ التوقعات المرتفع بدعمٍ روسيّ ليريفان. وبعد الاتفاق طُرح السؤال حول جبهة المُشاغلة الجديدة التي قد تفتحها أنقرة، إذ إنّها تتبنّى سياسة الانتقال من جبهة إلى أخرى، لأسباب بنيويّة تعود إلى طبيعة النظام السياسيّ “الأوتوقراطيّ” في أنقرة وأسلوب تعاطيه مع أزمات الداخل وكذلك السياسة الخارجيّة والقائمة على التصعيد وخوض المعارك المجانية واستثمار الروافع الدينيّة، وصرف عوائد تلك المعارك في تسويات أقرب لصيغة الصفقات.

وفي 15/11/2020 لوحّت وزارة الدفاع التركية بإمكانيّة القيام بعملية عسكريّة في منطقة عين عيسى، وبالفعل بدأتِ القواتِ التركيّةِ قصف قرى في ريف عين عيسى وتل أبيض، وهي مستمرةٌ حتى اليوم.

وبذلك فمع صمت المدفعيّة في جبهات أرتساخ، دوّتِ المدفعيّةِ في ناحية عين عيسى، ليكون الانتقال بنفسِ الأدواتِ والأسلوب، أي الاعتماد على القصف المدفعيّ والطائرات المسيّرة، وعلى الأرضِ المرتزقةُ الموالين لها من السوريين.

وهو لا يختلفُ عن معارك الوطيّة في ليبيا وتغيير مجرى الحرب هناك، وهذا هو المقصود بالحرب المجانية التي تستثمر عوائدها سياسيّاً، وعين عيسى استكمالٌ لخطة بدئ العملُ بها في جرابلس.

لماذا عين عيسى؟

تواصل أنقرة معاركها في الميدان السوريّ بأسلوب التدرّج، وبعد مراحل استهدفت الأطراف عبر القضم التدريجيّ انتقلت إلى استهداف بلدة عين عيسى، بما لها من رمزيّة كونها إداريّاً وسياسيّاً وعسكرياً مركز الإدارة الذاتيّة في شمال وشرق سوريا، وفيه تتمركز مؤسسات مجلس سوريا الديمقراطيّة.

أي أنّها تستهدفُ جملةَ المشروعِ المطروحِ حلاً للأزمة السوريّة، وتصرُّ على توصيفه مشروعاً كرديّاً خالصاً، أو أنّه مشروع حزب العمال الكردستانيّ، لتستثمرَ بذلك سِمةَ الإرهاب التي أطلقت على حزب العمال، التي تشاركها بها دولٌ غربيّة من بينها الولايات المتحدة الأمريكيّة، وكما في معاركَ سابقةٍ يصمتُ العالم أمام مشاهدِ خروجِ الأهالي ونزوحهم إلى منافي العراءِ.

المسألة الثانية المهمة، هي طبيعةُ الصراعِ في سوريا والذي أخذ طابع حربِ الطرق والتحكمِ بشرايين الانتقال بين المناطق، وتحديداً الطرق الدوليّة التي تصلُ إلى الحدود، (إم 4 ــ إم5).

وتتمتعُ بلدة عين عيسى بأهميّة استثنائيّة في موقعها على الطريق الدولي إم 4 الذي يبدأ من الحدودِ العراقية ويصل إلى مدينة حلب ومنها إلى الداخل والساحل السوريّ، كما أنّ فرض الحصار على أيّة منطقة يعني الوصول إلى الطرق وإغلاقها، وبالنسبة لأنقرة فإنها تستهدفُ تقطيع مناطق شمال سوريا وتحجيم جغرافية الإدارة الذاتيّة.

القضم التدريجيّ

التدرج الذي بدأته أنقرة في شمال سوريا كان احتلال جرابلس في 24/8/2016 أولى محطاته، ومن بعدها الباب والتي تختزل كلّ الصراع في الميدان السوريّ، إذ التقى على مشارفها ثلاث قوى عسكريّة، وحسمها نتيجتها لصالح أنقرة يعني التوافق الروسيّ والأمريكيّ، رغم أن الجيش السوريّ كان قد وصل إلى بلدة تادف القريبة.

كما أن معركة الباب كانت فاتحة التنسيق بين موسكو وأنقرة، والتي أدت إلى إعلان حلب خالية من المسلحين في 22/12/2016، واعتُبر ذلك بداية الانهيار وتقلص المساحات الخارجة عن سيطرة دمشق.

ووفقاً لمعطياتِ تجربة التعاون المكتسبةِ من معركة الباب، جاء العدوان على عفرين في 20/1/2018 واحتلالها (عملية غصن الزيتون)، بالتزامن مع ترحيل المسلحين من ريف دمشق والغوطة الشرقية إلى شمال البلاد والمناطق الحدوديّة حيث الجيوب التركيّة.

فيما لم تخرج عمليّة “نبع السلام” التي بدأت في 9/10/2019 وانتهت باحتلال تل أبيض ورأس العين عن السياق نفسه، وكان الاتفاق مع موسكو في 22/10/2019 تثبيتاً للاحتلال.

تعمل أنقرة وفق جداول زمنيّة محددة ولا يمكنها إطالة زمن “غزوها” لتنتهي سريعاً بتدخلٍ دوليّ يثبّت التغيير على خارطة الميدان، والزمن المتاح حالياً هو وجود الرئيس ترامب في البيت الأبيض، حتى إذا ما بدأت ولاية الرئيس جو بايدن تكونُ الخارطة أمراً واقعاً، وأيّ تغييرٍ فيها يستلزمُ صفقة تُصرفُ عوائدها في أكثر منحى اعتباراً من الداخل التركيّ لتعزيز شعبيّة نظام أردوغان وترميمها مقابل تصاعد الاحتقان وانتقادات المعارضة التركيّة، فيما الهدف الذي يتحقق في سوريا هو تعميقُ الجرح الكرديّ وعرقلة التوافق بينهم.

روسيا وأميركا

 

يستثمر أردوغان في كلّ حالات التدخل في سوريا التفويضَ الروسيّ، ذلك لأنّ موسكو تعتبر كل دور تركيّ في شمال سوريا هو نتاج مخرجات أستانه، وسيكون على حسابِ الوجودِ الأمريكيّ وتقليصاً لمساحة الإدارة الذاتيّة التي يواصل وزير الخارجية الروسيّ انتقادها ووصفها بالدويلة أو الحكومة البديلة.

والمطلوب حلٌّ للأزمةِ وفق المواصفات القياسية الروسيّة، أي بترجيحِ الأسلوبِ العسكريّ حتى لا يبقى شيء للتفاوضِ حوله لاحقاً.

وما يحصل في شمال سوريا هو القضمُ التدريجيّ للجغرافيا، وهي الخطةُ ذاتها المتبعة في محافظة إدلب، والتي تنطوي على تصعيدٍ عسكريّ، تليه هدنةُ تثبيتِ خارطةِ الميدان. ومنذ اتفاق حلب إخراج المسلحين منها نهاية 2016 والتي جاءت بصيغة مقايضة، اعتُمد هذا الأسلوب وتوكيل المهمة لأنقرة، وبذلك نُقلت مفردات الأزمة السوريّة إلى مناطق بديلة في الشمال حيث جيوب التركيّة.

ويتكرر مشهد انسحاب القوات الروسيّة، لتكونَ إشارات تفاهم في الميدان، ففي 1/12/2020 انسحبت 3 دوريات روسيّة من محيط بلدة عين عيسى، وفي 25/10/2020 رصد المرصد السوريّ لحقوق الإنسان، توجّه رتل عسكريّ روسيّ إلى منطقة تل تمر بريف الحسكة، قادماً من حلب.

وتزامن مروره من طريق حلب- الحسكة الدوليّ بريف عين عيسى، مع القصفِ التركيّ على المنطقة، والموقع المستهدف كان على بعد نحو 3 كم من الرتل الروسيّ. ولليوم الثاني قصفت القوات التركية قريتي خالدية وهوشان بريف تل أبيض الغربي كما قصفت محيط بلدة عين عيسى. ولم تبدِ موسكو أيّ امتعاضٍ إزاء القصف التركيّ حتى اليوم.

وتأكيداً على نياتها بتثبيت وجودها بدأت القوات التركيّة في 19/11/2020 بإنشاء قاعدة عسكريّة في قرية طماميح، على بعد نحو 2 كم من ناحية عين عيسى، وأحضرت معدات لوجستيّة ومواد بناء لإنشاء القاعدة.

وواصلت القوات التركيّة في 21/11/2020 قصفها الصاروخي مستهدفة مخيم عين عيسى وفي اليوم الثاني سقطت قذائف على حاجز عين عيسى، ما أدى لإصابة اثنين من قوى الأمن الداخلي “الأسايش” بجراح. هذا التزامن بين إنشاء القاعدة والقصف يُراد رسالة به رسالة واضحة، بتوسيع النفوذ باستخدامِ القوةِ العسكريّةِ.

ما قيل ليلاً كشفه النهار

وفق وجهة النظر التركية فإن إدلب هي جغرافيا التسويات والمقايضة لصالح موسكو، فيما تصرف أنقرة عوائد اتفاقها في مناطق الكرد وعلى طول الحدود، والشهية التركية مفتوحة لخوض المعارك المجانية على حساب السوريين المرتزقة الذين تسوقهم حيث تشاء، بعدما باتت أنقرة المرجعية الوحيدة لكلّ المحسوبين على عنوان “المعارضة” الفضفاض والمستهلك، سواء السياسيّة ممثلاً بالائتلاف أو العسكرية ممثلة بميليشيات المرتزقة. ولتبدأ بعد الاحتلال بإجراءات التغيير الديمغرافي وتتريك المناطق المحتلة وربطها إداريّاً بالمحافظات التركية على الطرف الآخر من الحدود.

وعندما رفضت أنقرة في اجتماع الخبراء العسكريين في 17/9/2020 العرض الروسيّ بتحديد الوجود العسكريّ التركي في إدلب، إلا أنها فيما بعد أخلت بعض نقاط المراقبة، وإذا الأمر قد أُنجز بصيغة المقايضة فالسؤال يدورُ حول المقابل. ومن غير شكٍّ أن أنقرة ستطلبُ رخصةً روسيّة بعملية عسكريّة جديدة.

وليس مصادفة إن بدأ القصف التركيّ الموسّع على ريفي عين عيسى وتل أبيض الغربي، عقب ساعات من انسحابٍ وصفه موالون لتركيا بالمخزي من نقطة المراقبة التاسعة في “مورك ” بريف حماة، وهي أكبر النقاط في 20/10/2020، ومن ثم إخلاء نقطة “شير مغار” في جبل شحشبو، شمال غرب حماه، في 3/11/2020 نوفمبر الحالي، وتخلي في 7/11/2020 نقطة “معرحطاط” على الطريق الدولي دمشق- حلب بريف إدلب الجنوبي.

هذا الانسحاب أدى إلى موجة استياء واسعةٍ. لأنه إقرارٌ تركي بتآكل خطوط سوتشي 17/9/2018، وتثبيتٌ لمعطى ميدانيّ جديد بعد اتفاق موسكو في 4/3/2020.

وبالمقابل أقام الجيش التركيّ في 30/11/2020 قاعدة في تل بدران ببلدة كنصفرة بمنطقة جبل الزاوية، وفي 2/12/2020 عززت القوات التركيّة مواقعها بمعسكر المسطومة غرب مدينة إدلب وبلدتي أبلين والبارة بجبل الزاوية.

وتواصل دخول أرتال التعزيزات العسكريّة عبر الحدود. ومعلوم أن إعادة الانتشار شمالاً تعني الاقتراب من مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام، التي تسعى أنقرة إلى تعويمها والضغط لتبدي مزيداً من البراغماتيّة اعتباراً من إعلانها فك الارتباط مع القاعدة، إلا أنّ أنقرة تحاول ضمّها إلى تشكيلات “الجيش الوطنيّ” الذي شكّلته.

وإذ لا يمكن معرفة تفاصيل الاتفاق الروسيّ التركيّ، إلا أن ما قيل ليلاً، كشفه النهار، وفي حديث منسوب لقياديّ عسكريّ من قسد، كشف عن طلبٍ روسيّ رسميّ من قوات سوريا الديمقراطيّة تسليم بلدة عين عيسى، إلى القوات الحكوميّة، وليبدو ذلك أنّه شرطٌ لوقفِ القصفِ التركيّ.

لتكون أمام خيارين إما استمرار المواجهات العسكريّة أو الانكفاء وإخلاء البلدة، وبعبارة أخرى فالطلبُ الروسيّ يعني موافقةً ضمنيّةً على القصفِ التركيّ، والدفع لإنتاج اتفاقٍ يشبهُ اتفاق 13/10/2019 الذي انتشرت بموجبه القواتُ الحكوميّة شرق الفرات لتعودَ إليه دون معارك.

بالمجمل لا تمتلك أنقرة إمكانية اتخاذ قرارٍ بعملٍ عسكريّ في سوريّ ما لم تستند إلى موافقةٍ مسبقةٍ من موسكو مستغلةً الزمن بدل الضائع الأمريكيّ.

 

الأراء الواردة في زاوية قلم توك لا تعبر بالضرورة عن الاتحاد برس
قد يعجبك ايضا