بعد أن نهبه ضباط السلطة سابقاً.. آثار الساحل السوري وذهبه من عراقة الأرض إلى الصناديق الروسية

الاتحاد برس ـ خاص
سام نصر_مياس حداد

 

لم يكن صباح “أبو الزين ” أحد سكان قرية “البودي” (19 كم عن قاعدة حميميم) اعتياديًا، فوجود مواطنين أجانب بالمنطقة يُعتبرُ أمرًا غير مألوفٍ، منهم من كانَ باللباس العسكري الروسي، وآخرين كانوا مدنيين.

الأسئلة التي دارت بذهنه عند رؤيته لهم لم تتأخر إجابتها، بعد أن أُشيع بالمنطقة أن الروس يرغبون بشراء قطعة أرض وبناء منزل سكني عليها.

صفقة الشراء سرعان ماتمت وتبعها تشييد هيكل الطابق الأول فقط، ليتّضح بعد عدة أشهر لـ “أبو الزين ” وجيرانه، وجود حفرة داخل المنزل وإخراج ما فيها من قاع الأرض، تاركين المنزل بما فيه من الحجارة والإسمنت.

مراسل “الاتحاد برس”، التقى بـ”أبو الزين ” الذي أكّد أن مغادرة الروس للمنطقة سبقها خروج صناديق مغلقة يُعتقد أنها ذهب مدفون وآثار بواسطة آليات تابعة للقوات الروسية، وذلك تحت ظل تجاهل أمني واضح حيال كل ما حصل.

روسيا تشتري الأراضي 

شراء الأراضي من الجانب الروسي، ضمن قرى وأرياف الساحل السوري، وبأضعاف ثمنها الحقيقي، بات واضحًا للغاية لدى الكثير من أهالي تلك القرى، ما دفع مراسلي “الاتحاد برس”، لرصد ما يحصل في تلك المناطق الريفية.

طريقة الشراء تلك تتم بطريقتين، إما من خلال سوريين مقربين من الروس، أو سوريٌّ حاصلٌ على الجنسية الروسية ويعمل لدى الجانب الروسي، وإما عن طريق الاستئجار من الدولة بشكل مباشر، بعد شراء الأخيرة للعقار، ومن ثمَّ التأجير للروس، كون أن عملية التأجير تحتاج لمرسوم رئاسي جمهوري. وفق القانون رقم /11/ لعام 2011، والذي أتاح للأجانب تملّك جميع أنواع العقارات في سوريا، وفق ما شرح محامي صحيفة “الاتحاد برس”.

تأكيدات تلك المعلومات جاءت على لسان الشاب “أحمد ـ اسم مستعار” بعد أن باعت أسرته “الفيلا” الخاصة بهم في قرية “القبيسية” بتلك الطريقة، بعد عرضها بمبلغ 800 مليون ليرة سورية، ليقدم لهم مبلغ مليار و 100 مليون مقابل إخلائها بالسرعة القصوى، ومن خلال بيعها للدولة بدايًة؛ ليتضح له ولعائلته لاحقًا أن أشخاصًا بجنسية روسية يترددون إليها يوميًا.

وتُعتبر منطقة “القبيسية” والقرى المحيطة كـ”بنجارو وبخضرمو” من المناطق التاريخية والغنية بالآثار، ماجعلها موضع اهتمام للروس الذي برزَ وجودهم وكثرت عمليات شراءهم للأراضي والمنازل هناك، وفقَ مايُشاع في تلك المناطق.

عمليات شراء عقاراتٍ بمساحاتٍ واسعةٍ، ماتزال تتكرّرُ يومًا بعد يوم في تلك القرى  إضافة إلى “حرف المسيترة والبودي ووادي الملوك وقلعة بني قحطان وتل سيانو” وغيرها، وذلك بناءً على معلومات تصل إلى باحثين وخبراء ورجال أعمال روس يسعون وراء الذهب والآثار.

أماكن وجود الآثار والذهب تنقل إلى الروس، عن طريق بعض الأهالي والسكان الطامحين لبعض المال أو التقرب من الجانب الروسي، أو من خلالِ خرائط جيولوجية أو مخطوطات تاريخية، ولكن ما يعتمد عليه بشكل أساسي هو أجهزة المسح الطبوغرافي المتطورة التي يستخدمها الخبراء الروس ويصل سعرها إلى “100” ألف يورو .

رجال أعمال حطوا بقاعدة حميميم

 كما يبدو أن موضوع الآثار والدفائن السورية، من ذهب وكنوز وغيرها من مقتنيات تعود لحضارات سابقة كاللقى الذهبية من عملات رومانية أو هياكل لمعابد يهودية، شكّل موضع اهتمام الروس منذ بداية تدخلهم العسكري بالبلاد سنة 2015. لكن البدء بالتنقيب والبحث بشكل كبير جاء بعد الاستقرار الميداني والعسكري الذي فرضته موسكو في بعض المناطق.

مصدرٌ رفيعُ المستوى، ومهتمٌّ بالتحركات الروسية ضمن سوريا، أكد لـ“الاتحاد برس”، أن هناك مجموعة من الشخصيات الروسية، المقربة من الكرملين وبوتين شخصيًا، زارت سوريا في مارس/آذار من العام الماضي 2020.

الشخصيات الست قاموا بجولات ميدانية، تزامنًا مع طلعات جوية مستمرّة بطائرات هيلكوبتر ضمن أرياف الساحل السوري، وأشيع حينها أن زيارتهم متعلقة بموضوع الاستثمارات وبناء المنشآت السياحية، فيما أكّدَ المصدر ذاته أن تلك الشائعات أُطلقت لتغطية الغاية الأساسية، وهي البحث عن الآثار والذهب في تلك المناطق.

زيارة الشخصيات الست، سبقها طلعات جوية بطائرات “الدرون”، لسبر بعض المناطق، التي اتّضح لاحقًا وبعد عدة شهور أنها أًصبحت ملكًا للروس، حيث لم يشيد فيها أي مبنى وإنما تم حفر العشرات من المواقع فيها، وبعضها يمنع الاقتراب منه حتى اليوم.

آثار تتجاوز الحواجز بسهولة

الضوء الأخضر الممنوح من السلطة السورية لم تعد موسكو بحاجة إليه مع مرور الوقت، لامتلاكهم السيطرة العسكرية والسياسية على الداخل السوري، ليبدو المشهد تسهيلًا تارةً، وعجزًا مصحوبًا بخجلٍ تارةً أخرى.

ضابط جمارك يعمل ضمن إحدى الحواجز الواصلة بين أرياف طرطوس واللاذقية، لخّصَ الحكاية بحوادثٍ يتعرض لها مرارًا، وروى لمراسل “الاتحاد برس”، ما يجري معه منذ أكثر من سنتين.

شاحناتٌ كبيرةٌ مغلقةٌ، تشبه برادات نقل الخضار والفواكه، تمر بشكل أسبوعي من أرياف طرطوس واللاذقية، يقودها روس بنوافذ سوداء وباتجاه قاعدة حميميم. تلك الشاحنات ممنوعة من التفتيش أو الفحص، وبمجرد التدخل فيها يتصل السائق أو مرافقيه فورًا بالمسؤولين عنهم.

صدمة الضابط الذي طلب عدم ذكر اسمه “لا يمكن نسيانها”، وذلك عند تدخّله في المرة الأولى بتلك الشاحنات، مااستدعى شخصًا روسيًا “يتحدث العربية بطلاقة” للإتصال من السفارة الروسية بنقطته، من أجل السماح للشاحنات بالعبور وتحت طائلة المسؤولية.

القصة لم تنته هنا، فأكثر من 4 اتصالاتٍ من قبل ضباط سوريين لم تتوقف حينها، بغرض التأكيد على عدم التعرّضِ لمثل هذه الشاحنات مرةً أخرى وكأنها طرقات مفتوحة لهم من وإلى القاعدة. وفقًا للضابط.

ما الذي تحتويه؟ ولما كل هذا التشديد؟ أسئلة جالت بفكر الضابط على الحاجز، لتبدأ ملاحقته للقصة والطريق الذي سلكته قبل الوصول إليه، ليتبيّن أنها شاحنات كانت ضمن قرى “البودي ـ حوران البودي ـ قلعة بني قحطان ” التي زارها الروس وجرت عمليات تنقيب عن الآثار ضمنها.

رواياتٌ أخرى عززت قصة الضابط، فالحديث عن عمليات تهريب ونهب كبيرة للساحل السوري وأريافه، يشغل بال الكثيرين من سكان المنطقة؛ السائق “نضال ـ اسم مستعار ” الذي يسافر بشكل يومي على طريق طرطوس اللاذقية، أكد لـ“الاتحاد برس”، وجود شاحناتٍ كبيرةٍ لا تخضع لأي تفتيش أو مساءلة، وإنما ينتهي الأمر بنزول السائق أو مرافقيه للحديث مع المسؤول عن الحاجز وتسليمه لأكياس سوداء صغيرة يعتقد أنها تحتوي على “أموال”.

“الامر تكرر عدة مرات وشاهدته شخصيًا”، هذا ما أكّده السائق، لكن للفضول سلطة على الأشخاص، ليتجرأ “نضال ” في إحدى المرات ويسأل أحد المجندين عند مروره عن القصة، ليأتي الجواب ” مابقى تسأل أحسن ما يدفنوك”.

أخبر الروس عن مكان الأثار وستقتلك السلطة

انتهاء البحث عن الآثار في مكان، يعني بدايته في مكانٍ آخر، فقصة “البودي” التي انتهت فعليًا مع آخر ضربة لمعول في التراب، قد تكون إعلانًا لبداية قصة أخرى لكن بمعول آخر ومكان مختلف .

باطن الجغرافيا السورية الغني بالآثار والذهب واللقى، أتاح للكثير من الجهات فرصة البحث عنها، وبالرغم من أن الدخول الروسي على “الخط” شكل ما يشبه عملية “الاحتكار”، لكن تبقى هناك فرصة واسعة أمام “أهل الكار” ألا وهم رجال السلطة السورية من ضباط وتجار حرب، يقومون بعمليات التنقيب والبحث منذ عشرات السنين واتخذوها كتجارة خاصة بهم .

عدّة مناطق في سوريا وفي الساحل السوري وتحديدًا ريف اللاذقية الواسع، شهد على مئات القصص من عمليات التنقيب من قِبلهم تاريخًا وحتى اليوم. أغلب القرى هناك تحتوي على “مزارات” أو “تشريفات” كانت بمثابة علامات لوجود آثار أو ذهب تحتها وبالقرب منها .

أحد أهالي قرية “تل سيانو” والذي استطاعت “الاتحاد برس” الوصول إليه بعد معلومات عن كونه أحد خبراء الآثار وأماكن وجودها في تلك المنطقة والقرى المحيطة بها، تحدث عن وجود “صراع خفي” يتعلق بالبحث عن الذهب والآثار بين تجار تابعين للسلطة السورية من جهة وروسيا التي كثفت تواجدها هناك من جهة أخرى .

الرجل الذي تجاوز منتصف الخمسين من عمره، قال أنه تلقى تهديدًا بالقتل من قبل أحد الأشخاص السوريين التابعين لإحدى الجهات بعد وصول الروس للمنطقة، في حال قدم لهم أي معلومة عن أماكن يعلم بوجود الآثار ضمنها أو سبق وأن استخرجت منها.

كما وطُلب من هذا الشخص الاتصال به على الفور، في حال تواصل معه الروس أو الأشخاص الذين يعملون معهم، ومن وقتها يخشى “وليد /اسم مستعار” أن يتواصل معه أحد، حتى أنه فكر بالسفر خارج البلاد لكنه يقول أنه “مراقب” من قبلهم، في إشارة للمخابرات السورية.

قد تشرح قصة “وليد” مدى “الوجع والضرر” الذي تعانيه تجارة سلطة دمشق في هذا المجال بعد الوصول الروسي إليها، بعد أن كانت المتحكم الوحيد بها، وتدر عليها بمئات ملايين الدولارات سنويًا.

وبالاتّجاه من الريف إلى البحر، فـ”كورنيش جبلة” المليء بالمدافن الفينيقية الأثرية، وكانَ خيرُ مثالٍ منذُ منتصف العام الفائت2020 حتى اليوم، وذلك لما يفعله مسؤولي السلطة بتاريخه وآثاره، فالشاطئ الصخري الذي وضعته منظمته “اليونيسكو” على لوائح التراث العالمي باتَ اليوم رملًا وحطامًا تحت آليات الحفر والهدم، لتحويله إلى منشآت سياحيّةٍ بعد صفقة استثمارات ومزادات ورشاوى فيما بينهم، وبتراخيص مُدّتها 15 عامًا.

وفي الجهة الأخرى من الكورنيش الصخري، استغلّت مؤسسة “الإنشاءات العسكرية” بمن فيها من مسؤولين مُقربين من السلطة، مناطق لطالما حمتها منظمة “اليونيسكو” أيضًا قبلَ الحرب، وأنشؤوا فوقها نحو 30 مبنى ووزعوه فيما بينهم، فيما باعوا قسمًا آخر لمن خرج ضدّهم في حي الجبيبات الغربية قبل نحو 9 أعوام.

 

 

اقرأ المزيد:
كورنيش جبلة.. تاريخ بالاف السنين يُباع بالدولارات لمُقربين من السلطة

 

 

حالات أخرى تظهر هنا وهناك يمكن أن تُقرأ “بنفس اللغة”، لكنها تأخذ طابعًا رسميًا ومباشرًا، مثل ما جرى قبالة جزيرة أرواد على ساحل طرطوس، حيث احتجت جهات حكومية تابعة للسلطة السورية على إعلان مدير معهد العلوم الاجتماعية والعلاقات الدولية الروسي، “ديمتري تاتاركوف”، في 27 من كانون الثاني الماضي، اكتشاف البعثة الروسية لميناء قديم هناك.

وصول الأخبار للشارع السوري من قبل الروس، شكّل إحراجًا للسلطة وحكومتها أمام السكان، لتجبر السلطة السورية عن طريق مدير عام المديرية العامة للآثار والمتاحف، “نظير عوض”، للإعتراف بالحادثة والكشف عن الميناء الأثري الذي وضعت روسيا يدها عليه، بعد قول “عوض” أن على الروس أن يقارنوا المكتشفات هناك بملفات ووثائق سورية تمتلكها دمشق حول الموضوع.

نوع اللقى تحدد مكان البحث

بالرغم من أن عمليات البحث والتنقيب لدى كافة الأطراف في تلك المناطق متشابهة بالصورة العامة، إلا أنها تختلف بالغاية ونوع “اللقى” التي يرغبون بالحصول عليها.

“الاتحاد برس” تواصلت مع أحد خبراء الآثار (رفض الكشف عن اسمه)، بعد ملاحظة أن هناك مناطق تحتوي على الآثار لكن قلة من تجار السلطة أو الروس يجرون عمليات تنقيب ضمنها، بينما تحظى مناطق أخرى باهتمام أكبر، ليشرح لنا الخبير أن السبب هو “نوع اللقى وسعرها وأهميتها”.

اختلاف الآثار واللقى بين المناطق على امتداد الساحل السوري المتاخم للبحر والسهل القريب والجبال، يخضع لتاريخ الحضارات والأقوام التي سكنتها ودفنت كنوزها بسبب كثرة الحروب والتهجير القسري على أمل العودة. فما تجده على الساحل لا تجده بالضرورة في الجبال.

طبيعة اللقى الأثرية مُختلفة، حيثُ ستجد في الساحل لوحات حجرية حصر موزايك قديمة فخار وسيرميكيات وحلي من أثر روماني أو بيزنطي أو يوناني أو سوري قديم، وقليلٌ ما تحتوي على الذهب وصناديق المجوهرات وقد لاتكون في المدافن كمية الذهب المرتجاة، وفق ما شرح الخبير لكنها تحوي لقى أثرية لا تقدر بثمن وقلة يجرؤون على استخراجها وبيعها.

برأي الخبير أن التماثيل الحجرية بأنواعها وما شابهها خطر حقيقي على غير المدعومين من طرفٍ ما من السلطة فهي جرمٌ حقيقي في تهريب الآثار ويمكن أن تقع الفأس برأس التاجر الصغير لذلك يعملون كوسطاء إشارات ودلالين لبعض المواقع ويكتفون بالعمولة.

أما ما يشاع عنه أنه من أثر يهودي كمدافن ملكية ووسيطة وقبور بأنواعها السطحية والحجرية “نواغيص” فتحتوي جرار ذهب بكميات معقولة، أغلب تلك القرى تكون في ارتفاعات متوسطة وعالية عن سطح البحر سطا بعض تجار الآثار المشاهير في الوسط الجبلاوي على مناطق كاملة في مناطق قرى العمود والقلعة وحرف المسيترة.

تلك القرى كانت محط اهتمام “الأتراك والمغاربة” أيضًا، ولطالما شهدت استقدام “خبراء” من البلدين لتلك المناطق، للبحث عن الذهب والآثار، ورافق وجودهم قصص شعبية عن “الرصد والجان” وطرق وأساليب فك “الذهب المرصود”. ويقول الخبير أن كلها كانت مجرد حكايات وخزعبلات لإبعاد الناس عن تلك المناطق.

يُذكر أن الساحل السوري، وبالأخص مدينة جبلة وريفها بناها “الفينيقيون” وأطلقوا عليها اسمها الحالي، ويمتد تاريخها لعصر البرونز القديم الرابع 2400 – 2000 ق.م، كما بيّنت المكتشفات في تل التويني الأثري، وتشتهر بآثارها الفينيقية والرومانية والإسلامية القديمة.

تكثر حول مدينة جبلة وفي أريافها التلال الأثرية مثل منها تل سوكاس وتل سيانو وتل جلال وبرج الروس وتل التويني وتل المصيطبة وتل السخابة وتل إيريس وتل الصليب وقمة نيبال، إضافة للأضرحة والمدافن الفينيقية على طول الشاطئ الصخري، والقلاع كقلعة المينقة وقلعة بني قحطان، وقد تم تصنيف المدينة والشاطئ الصخري الأثري كـ”منطقة تراث عالمي”.

قد يعجبك ايضا