فيلم “الأب”.. والسؤال حول أن تكون عجوزًا

الاتحاد برس

 

“ألا تتذكر؟”يصبح هذا السؤال غير الضار عادة بمثابة جسر للمحادثة وحشو في الكلام اليومي وصليباً لا يستطيع “أنتوني هوبكنز” في فيلم “الأب” تحمله بعد.

هكذا بدأ “أنتوني” العجوز البريطاني، الذي يقطن شقة فاخرة في لندن، انزلاقه الحتمي إلى الخرف حتّى فَقَد الوقت أي معنى بالنسبة له مع أنه ظلّ يحاول مواكبته عبر التحديق المستمر إلى ساعته التي يعثر عليها حيناً ولا يستطيع إيجادها أحياناً.

“أنتوني” والابنة المتخيلة

يلعب الزمن دوراً كبيراً في فيلم “الأب”، فنرى كيف تضيع ذكريات “أنتوني” بعد إصابته بمرض آلزهايمر حتى يصل به الأمر  إلى انتظار ابنته التي سيعرف المشاهد مع تقدم الزمن الفيلمي أنّها غير موجودة أصلاً.

لقد جسد مخرج العمل “فلوريان زيلر” خصائص هذا الشكل المنهك من الضمور العقلي ببراعة شديدة على الشاشة؛ فتم ترشيحه فيلمه لعدد من الجوائز في مهرجان أوسكار 2021، أهمها أفضل ممثل وأفضل ممثلة مساعدة وأفضل فيلم وأفضل إخراج.

أبدع “زيلر” في تصوير فقدان الذاكرة المُعطل، وعدم قدرة العجوز على التمييز بين الصباح والمساء، والرعب اللامتناهي الذي يعيشه، إلى جانب خسارته التدريجية للهوية مستنداً على مسرحيته “La Pere” التي كتبها رفقة “كريستوفر هاميتون”.

ومع أن الابنة الوحيدة لـ “أنتوني” في الفيلم حاولت مراراً أن تجد حلاً لمشكلة والدها عبر تعيينها ممرضة للاعتناء به، إلا أنها اكتشفت مع مرور الوقت عجزها عن فعل شيء فلا أحد يرضى الاعتناء بوالدها الذي يرفض الاعتراف بتقدمه في العمر، ويرفض أي مساعدة تقدمها ابنته، إنّ الفيلم مجرد قصة بسيطة ومألوفة عن التدهور العقلي المفجع لأب محبوب.

يصرّ “أنتوني على أن ابنته “آن” متزوجة ويصاب بالحيرة والكرب جراء سفرها إلى فرنسا، لكن المُشاهد يرى “آن” تُنكر مع تقدم الفيلم أنها متزوجة أصلاً. كما أنّ العجوز يُشبّه ممرضته الخاصة بابنته الغير موجودة، ليكتشف المشاهد فيما بعد أنّها تحمل ملامح أخرى لا تشبه تلك التي رسمها “أنتوني” في خياله وجعلنا نراها.

“إنه فرصة ليجرب الجمهور مراحل التقدم في السنّ”

يجمع فيلم “الأب” بين الغموض والدراما النفسية، إنه تصوير مهيب لأشياء تتساقط، فحتّى الناس والوقت أصبحوا زلقين بالنسبة للعجوز الخرف، تهرب الأيام منه فلا يفعل شيئاً سوى التمسك بساعته بقلق شديد، ويتوقف الحديث كلما أتى على ذكر ابنته المتخيلة “لوسي”.

وبينما يظن المُشاهد أنّه قادر على تجميع الجدول الزمني للفيلم وربط الأحداث ببعضها، يضعه نهج “زيلر” في قلب ذكريات “أنتوني” المشوهة، إنها تقنية وحشية ومرعبة مدعومة بتلاعب في تفاصيل المحيط ما يجعل المشاهد يتساءل دائماً “أين نحن؟” أو “متى؟”

يتصرف “أنتوني” وكأنه طفل صغير يخشى أيما خشية أن ينتهي به الحال في دار للمسنين، أما ابنته “آن” فتقع في حيرة بين عودتها إلى مدينة باريس وعيش حياتها وبين مشاعرها المتضاربة وشفقتها على والدها العجوز الذي لا يحتاج ممرضة بقدر حاجته إلى وجود ابنة ترعاه.

في نهاية الفيلم تعانق الممرضة “أنتوني” وتقول له أن كل شيء سيكون على ما يرام في مشهد يُجسد كلّ مشاعر الأسى والضياع التي تجتاح دواخل الأب العجوز في خريف حياته.

يضع الفيلم المُشاهد في حالة من التعاطف المؤثر ولربما يجعله يعيش كوابيساً ضبابية دافئة، هذا ما حكى عنه صناع الفيلم بقولهم أن العمل هو “فرصة لتجربة الجمهور لمراحل وعلامات التقدم في السنّ كما لو كانوا مكان الشخصية الرئيسية”. أما “هوبكنز” الذي بلغ من العمر 83 عاماً فقد قال في مقابلة أجريت معه مؤخراً أنه مازال غارقاً في لحظات تصوير الفيلم التي قد توحي له بما سيكون عليه ساعة وفاته.

بالتأكيد يعد فيلم “الأب” واحداً من أجمل الأفلام التي تناولت حال المصاب بهذا الاضطراب العقلي لما فيه من لفتات إخراجية ذكية جداً تلتقط حتّى التفاصيل الصغيرة من حياة مرضى “آلزهايمر” الذي يعاني منه سنوياً أكثر مئات الآلاف من المسنين حول العالم.

قد يعجبك ايضا