في الشام التاكسي “بنت عز” أذلتها أحوال البلاد

الاتحاد برس

حسّان الشيخ

” إنّنا لا نراقب ونستمع فحسب، ولكنّنا نتألّم أيضاً كما يتألَّم جميع من يصعدون إلى جانبنا ليقصّوا علينا كلّ تلك المواجع.”

هذا ما يقوله ميّار (45 عاماً)، سائق تاكسي في دمشق، للاتحاد برس، أو كما ينادوه ويحبّ أن ينادوه أصدقائه معشر الشوفيرية بـ “أبو رستم”.

أبو رستم واحد من مئات وربّما من آلاف سائقي التاكسي السوريين الذين لا يقتصر عملهم على توصيل الزبائن إلى أيّ بقعة من بقاع البلاد الواسعة فحسب، ولكن أيضاً الاستماع إلى مشاكلهم المتزايدة باستمرار وتقديم النصائح ومحاولة المساعدة بكلّ السبل الممكنة.

غير أنَّ تفاقم الأزمة الاقتصادية والمعيشية والخدمية في البلاد جعلت من مهنة سائق التاكسي واحدة من أصعب المهن وأقساها على الاطلاق، هذا إضافة للعديد من التحدّيات التي تواجه مزاولي هذه المهنة. فكيف تبدو دمشق اليوم من عيون هؤلاء السائقون؟ وفي الحين الذي يستمعون به إلى هموم كلّ الناس من يستمع إلى همومهم؟ وما هذه الهموم؟

علبة دخّان وسندويشة فلافل وكاسة شاي يومياً .. هذا ما تدرّه التاكسي عليّ!

يشتغل زهير (24 عاماً)، مجنّد في الجيش ، على تاكسي طراز “داسيا” قديمة مستغلّاً راتبهُ العسكري الذي يتقاضاه الضابط المسؤول عنه مقابل السماح لزهير بعدم الذهاب إلى الدوام، وهو ما نسمّيه باللغة الدارجة السورية “تفيّش”. ولذلك يستطيع زهير أن يعمل كلّ يوم على السيّارة “ورديتين” واحدةً في الصباح وواحدةً في الليل. لكنّ أزمة المحروقات التي شهدتها المدن السورية مطلع العام جعلت زهير بوردية واحدة فقط!، يقول:

“من لمّا صار بدّه الواحد يوقِّف ستّ وسبع ساعات على دور البنزين، صرنا مضطرّين نحنا نداوم الصبح نوصّل الناس وبالليل نداوم بالكازيات .. هي إذا لقينا كازية فيها بنزين. وهالشي بصراحة خلّى كلّ الموازين تختلّ، يعني كنت لحّق باليوم من 15 لـ18 ألف صرت هلّق دوبني لحّقلي 8 9 آلاف ليرة.”

يضيف زهير: ” هي عدا عن تصليح السيّارة والبنزين الحرّ اللي منضطر نشتريه بعد ما تخلص مخصّصاتنا، فبتطلّع آخر النهار بتشوف إنّك دوبك مطلّع حقّ دخّاناتك وسندويشة فلافل وهالكاسة الشاي .. يعني الحقيقة الوضع زفت.”

والجدير بالذكر أنّ مخصّصات السيّارات العمومية في سوريا من البنزين شهرياً 350 ليتر، بينما تحتاج السيّارة العمومي بالمتوسِّط إلى 1000 ليتر، وفي ظلّ قرار جديد لوزارة النفط السورية في منتصف آذار الجاري يقضي برفع سعر البنزين “أوكتان 90” إلى 750 ليرة سوريا بعدما كان 675 ليرة وليتر “أوكتان 95” إلى 2000 ليرة سورية بعدما كان بـ1300 ليرة، أصبحَ متوسِّط ما تستهلكه سيّارة الأجرة شهرياً  26 ألف ليرة للمخصّصات و 100 ألف ليرة للبنزين الحرّ.

يعمل فؤاد (58 عاماً) منذ أربعين عاماً كسائق تاكسي فتلَ بها سوريا “شبراً شبراً”، واليوم أصبح “ختياراً” (بحسب تعبيره) بما فيهِ الكفاية لاتخاذ قرارٍ بالعمل داخل دمشق “الصغيرة” فقط، ذلك دونَ أن يستقبل الطلبات إلى الضواحي الكائنة على أطراف العاصمة، ولكنّ هذا القرار أخذ ينعكس بشكل سلبيّ على عمله، فيقول فؤاد:

” إنّ اقتصار عملي في نطاق مركز المدينة أصبحَ عائقاً بالنسبة لي؛ ففي بعض الأحيان يكون السير على الأقدام أسرع للزبون منَ الركوب بتكسي، خاصّة عندَ الظهيرة حين ينتهي الدوام الرسمي. وصدِّق أنّني أحياناً لا أستطيع شراء علبة دخّان في آخر النهار بسبب أنّ الناس، إمّا من الفقر أو الازدحام، لم تعد تصعد إلى التاكسي.”

ويتوقَّع مراقبون أن تنعكس قرارات السلطات فيما يتعلّق برفع سعر البنزين وتبرير انقطاعه بسبب جنوح سفينة حاويات عملاقة في الممرّ المائي لقناة السويس بشكل كبير على قطّاعي النقل الخاصّ والعام في البلاد، وعلى سائقي التاكسي بشكل مباشر ممّا سيضاعف من معاناتهم.

“الأخبار اللي بتسمعها مو كتير دقيقة.. الخبر الصحّ بتاخده من عندي أنا! “

إضافة لكونهم سائقو سيّارة أجرة يُقلّونك إلى حيث تودّ الذهاب، فإنّهم أيضاً بيت أسرارٍ وصندوق مواجعٍ يمكنك أن تفضي إليهم بكلّ ما لا تستطيع أن تتفوّه بهِ للمقرّبين منك، ولعلّ أبو رستم، سائق تاكسي في دمشق، واحد من السوّاقين الذين يقرؤون حالات زبائنهم من لاحات وجوههم؛ من يريد الحديث ومن لا يريد ذلك من لديه هموم ومن هو فاضي البال، يقول أبو رستم للاتحاد برس:

” صعدت إلى خلف هذا المقود مذ كان عمري 16 عاماً، ومنذ كانت دمشق وسكّانها بسطاء دونَ عجقة أو حرب، كان أجمل شيء حينَ أتأخّر في عملي فلا أعود إلى المنزل وإنّما أنام في السيّارة على جبل قاسيون لتوقظني الشمس صباحاً والشام كلّها في مرمى نظري، كانت لا تزال الحياة بسيطةً ولم أكن مضطرّاً لقراءة الوجوه؛ لأنّ الناس كلّها كانت نهمة على الكلام.”

ويضيف: ” أمّا اليوم فصرتُ أحترز قبل الكلام، فهناك الكثير ممّن لم يعد الكلام بالنسبة لهم ذا قيمة، أو أنّ همومهم لا يمكن ترجمتها إلى حديث مع سائق غريب. ومع ذلك، حين يصعد زبون محتقن إلى جانبي، أحاول أن أسأله بصدقٍ عن حالهِ، أحاول حمله على الكلام؛ لأنّ الكلام كما كانت تقول جدّتي رحمها الله أحسن دواء للنفس.”

يهزّ أبو رستم رأسه ببطء إلى الأعلى والأسفل لحظة تخبره خبراً ما؛ هزّات تشي بأنّ لديه كلاماً آخراً ليقوله حولَ الخبر الذي تفوّهتَ بهِ لتوّكَ، يقول: ” الأخبار اللي بتسمعها من التلفزيونات والجرايد هي كلّها كبها .. مو كتير دقيقة، الخبر الصحّ بتاخده من عندي أنا، أنا اللي كلّ يوم عم أطلع ودور عشرة وخمسة عشرة ساعة وعم أسمع الراديو وأسمع الناس .. وصدّقني أنو الوضع مو متل ما عم يحكوا بالأخبار .. كلها كذب.”

لا يثق أبو رستم بنصف ما يسمعهُ من الراديو على الأثير المحلّي، أمّا النصف الآخر فيخضع إلى أكثر من تأويل وتحليل حتّى يخرج باستنتاجٍ أبعدَ ما يكون عن الخبر، وعندما تسألهُ كيف ذلك؟ يقول:

” يا أخي البلد صارت مو ألنا خلص راحتْ .. فأنت لازم تربط كلشي بتسمعوا بمصالح اللي راحت البلد لعندون. وهيك بتقدر تعرف شوفي ورا هالخبر وورا هداك.”

وعندما تسأل أبو رستم عن حاله وعمّا إذا كان يتمنّى لو يكون عوضاً عن الركّاب ليحكي ما في صدره من مواجع هو اللآخر، فيردّ عليك بالقول: “إنّنا نراقب ونستمع فحسب، ولكنّنا نتألّم أيضاً كما يتألَّم جميع من يصعدون إلى جانبنا ليقصّوا علينا كلّ تلك المواجع، أحتاج إلى ذلك بالتأكيد، وربّما تقوم زوجتي بتلك المهمّة.”

تتضاعف الأزمات في سوريا بشكل يومي حتّى باتت تتطوّق هذه الأزمات مناحي الحياة برمّتها، من المدرسة وإلى العمل ومن الفرن إلى الكازية ومن قطّاع المواصلات إلى قطّاع الصناعة ومن الطاقة إلى المياه، وبالرغم من كلّ ذلك لا يزال سائق التاكسي صندوق مواجع الناس وصاحب الخبر اليقين.  

قد يعجبك ايضا