قرباغ وصراع العروش

 

 

خلال الحقبة السوفيتية، وبعد استقلال أرمينيا وأذربيجان تحولت مشكلة قرباغ، التي تجلّت على أنها قضية داخلية بين الدولتين العضوتين في الاتحاد، إلى مشكلة عالمية تؤثر على المنطقة برمتها. واستمر النضال من أجل الهيمنة على آرتساخ، التي أصبحت مفتوحة لتدخل القوى الإقليمية والعالمية فيها.

لقد بدأ الصراع الأذربيجاني الأرمني على إقليم ناغورنو منذ بدايات القرن 19 واستمر ليومنا هذا؛ حيث مرت هذه المشكلة بقرنين من الزمان، والتي لا تزال تنمو ضمن إطار مطالبات الحدود العرقية القومية بين الطرفين.

وعلى الرغم من إن روسيا كانت الوسيط الوحيد بينهما إلا أن الوضع حاليا أخذ بعدًا دوليًا وتم إشراك جهات عالمية، تجاوزت الوساطة الروسية.

اليوم، تستند الخلافات في منطقة ناغورنوقرباغ على أسس جغرافية وتاريخية مختلفة بين الطرفين.

تقع قرباغ في الجنوب الشرقي من جبال القوقاز حيث يسود المناخ القاري هناك، ويعتمد اقتصادها بشكل أساسي على العديد من المنتجات كالفاكهة وزراعة الزيتون والحبوب والماشية وصيد الأسماك. وتحتوي ايضا منشآت صناعية صغيرة.

وعلى الرغم من محدودية اقتصادها، إلا أن موقعها الجغرافي أكسبتها أهمية جيوسياسية مكنتها من السيطرة على أرمينيا وإيران ونظرا لهذه الأهمية أصبحت مركزًا للمنافسة بين القوى الثلاثية الكبرى في منطقة جنوب القوقاز وهي روسيا وتركيا وإيران. وبسبب مواردها الجوفية وموقعها الجيوسياسي أصبحت قرباغ مشكلة دولية.

ومن جهة أخرى، تعود أسباب اهتمام الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية بها إلى رغبتهم الشديدة للاستفادة من ثرواتها في الطاقة والتي تعتبر خط نقل مهم ينقل نفط الشرق الأوسط وآسيا الوسطى إلى أوروبا؛ حيث ينظر إليها على أنها “طريق الحرير ” الجديد.

منذ اكتشاف النفط والغاز الطبيعي في ساحل بحر قزوين لأذربيجان، أصبح الاستقرار السياسي والاجتماعي للبلاد مصدر قلق للدول الغربية. وفيما يتعلق بأمن نفط بحر قزوين تلعب الولايات المتحدة الضامنة لنقل الموارد الطبيعية لأذربيجان إلى الأسواق العالمية دورًا فعالًا في السياسة الخارجية.

وبسبب مصالحهم الاقتصادية فإن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي لا يدعمان أذربيجان بشكل علني بل في الخفاء، فمن الواضح أنهما يحاولان تحقيق التوازن بين المصالح الاقتصادية والاستراتيجية بدلاُ من دعم أي من الجانبين، إضافة إلى قوة اللوبي الأرمني والمدعوم من السكان الأرمن في الولايات المتحدة والتي تشكل 25% من الكونغرس أصبحت عائقا أمام دعم البلاد لأذربيجان علانية، ولذات السبب قامت أوروبا بإتباع نفس السياسة.

المنطقة التي تقع فيها أذربيجان مهمة جدا لروسيا، التي تريد السيطرة على طرق تصدير نفط بحر قزوين أكثر فأكثر، وبذلك بدأت العلاقات الآذرية الروسية، التي كانت تشهد برودا في التسعينيات بالانتعاش في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ولاسيما بعد إعلان أذربيجان أن روسيا شريكتها الاستراتيجية. وعند تقييم العلاقات بين البلدين، يجب الأخذ بعين الاعتبار بأن قرابة مليوني أذربيجاني يعملون في روسيا وأن لروسيا لوبي مهم في أذربيجان.

إيران وقره باغ

من ناحية أخرى، تنتهج إيران سياسات مؤيدة للأرمن في القوقاز ضد إمكانية توحد السكان الأذريين في بلادها مع أذربيجان.  ونظراً لأهمية إقليم ناغورنو الإسترايجية بالنسبة لها أصبحت إيران في مضمار المنافسة السياسية والاقتصادية مع تركيا، فإن احتلال آرتساخ من قبل أذربيجان سيسبب مشاكل خطيرة لإيران، ولاسيما إن إسرائيل تريد بناء جدار حول إيران من أجل فرض سيطرتها الاستراتيجية عليها من خلال دعمها لأذربيجان في المنطقة.

إن موقع ناغورنو كراباغ مهم جدا بالنسبة لإسرائيل. فالأخيرة تستطيع عن طريق أذربيجان التأثيرعلى الأذريين الموجودين في إيران وبالتالي استخدام المنطقة كقاعدة عسكرية لعملية محتملة ضد إيران.

في حين أن المشكلة بين أرمينيا وأذربيجان هي مشكلة تاريخية وسياسية وليست اقتصادية، إلا أنها ذات أهمية اقتصادية للقوى العالمية. لهذا السبب، فإن الحرب في قرباغ ليست فقط بين أرمينيا وأذربيجان. إنما حرب تشارك فيها أيضا القوى العالمية والإقليمية.

في صباح يوم 27 سبتمبر 2020 بدأت شرارة الحرب، حيث أعلنت أرمينيا وجمهورية آرتساخ الأحكام العرفية والتعبئة الكاملة، بينما أعلنت أذربيجان في 28 سبتمبر الأحكام العرفية الجزئية وحظر تجول وحالة حرب على طول الخط الحدودي فقط، ولم تعلن حربا شاملة على أرمينيا حتى لا يتم التساؤل حول شرعيتها في العالم. كان إعلان هذه الحالة استراتيجية صحيحة لأذربيجان، لأنها لو أعلنت حربا شاملة، لكانت في وضع صعب على الساحة الدولية.

في 10 أكتوبر وبوساطة روسية تم الاتفاق رسميا على هدنة إنسانية بين الطرفين من أجل تبادل الأسرى والجرحى بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ولكن تم تجاهل الهدنة من قبل أذربيجان نتيجة للضغوطات التركية عليها.

في 9 نوفمبر 2020، بوساطة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقع الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان اتفاقية وقف إطلاق النار وانتهاء النزاع في منطقة قرباغ ودخل الاتفاق حيز التنفيذ في 10 نوفمبر 2020 الساعة 00.00 بتوقيت موسكو. حيث توقفت القوات الآذرية في الأرضي التي احتلتها.

بنود الاتفاقية:

  • في 15 نوفمبر 2020 يجب على القوات الأرمنية تسليم منطقة كليجار لأذربيجان.
  • في 20 نوفمبر 2020 يجب على القوات الأرمنية تسليم منطقة أغدام لأذربيجان.
  • في 1 ديسمبر 2020 يجب على القوات الأرمنية تسليم منطقة لاتشين لأذربيجان.

وبموجب الاتفاق وبالتزامن مع انسحاب القوات المسلحة الأرمنية تقوم وحدات حفظ السلام الروسية بالانتشار على طول خط التماس ناغورنو مع ممر لاتشين، ولأجل الربط بين آرتساخ وأرمينيا تقرر فتح ممر لاتشين الذي يبلغ عرضه 5 كيلومترات، دون التأثير على مدينة شوشا.  وفتح ممر يربط أذربيجان بناختشيفان برا يمر من الأراضي الأرمنية، وهذان الممران سيكونان تحت سيطرة قوات حفظ السلام الروسية.

بعد كل هذه التطورات، انتقلت حدود قرباغ مع إيران إلى أيدي أذربيجان. بعد هذا الاتفاق، توجد مشكلة كبيرة ستواجهها إيران قريبا، وهي مشكلة تغيير التركيبة السكانية في المنطقة؛ حيث يتم نقل أعداد هائلة من المرتزقة السوريين والليبيين والأفغان مع عوائلهم الذين ينحدرون من أصول تركمانية وبوصاية ودعم تركيا إلى قرباغ وتوطينهم وتجنيسهم بالجنسية الأذربيجانية. هذه الجماعات بالفعل إيران تقوم بمحاربتها في سوريا، لذا هي غير مرتاحة نهائيا من هذه التطورات التي تحدث على حدودها.

وبهذه الطريقة تقوم تركيا بإنشاء منطقة إرهابية جديدة بمثابة غرفة عمليات عسكرية تدير منها سياستها التوسعية ولكن هذه المرة في منطقة القوقاز.

وعلى ما يبدو أن قوات حفظ السلام الروسية التي جاءت إلى المنطقة ستبقى بشكل مؤقت. لذلك سارعت تركيا الى تمرير مشروع قانون إرسال جنود أتراك إلى أذربيجان للبرلمان والذي تم قبوله في 17 نوفمبر، إذًا كل ما جرى على أرض قرباغ ما هو إلا صراع العرش.

قد يعجبك ايضا