قصة الموت البطيء لفتيات “الراديوم المضيء “

الاتحاد برس

خلال الحرب العالمية الأولى، ذهبت مئات الشابات للعمل في مصانع الساعات، ورسمن أقراص الساعات بطلاء الراديوم المضيء، ولكن بعد أن بدأت الفتيات – اللواتي تألقن في الظلام بعد نوبات عملهن – في تجربة آثار جانبية مروّعة لهذا العمل، دخلنَ في صراع مع الزمن من أجل تحقيق العدالة؛ التي من شأنها أن تغيِّر قوانين العمل الأمريكية إلى الأبد. فكيف حدث ذلك؟

فتيات الأشباح

مع إعلان الحرب، توافد المئات من نساء الطبقة العاملة إلى الاستوديو حيث تمّ توظيفهن لطلاء الساعات والأقراص العسكرية باستخدام عنصر الراديوم الجديد، الذي اكتشفته ماري كوري في عام 1898. وكانت لوحة الطلب في المصنع “وظيفة النخبة للفتيات العاملات الفقيرات” تشكّل حلماً حقيقياً للواتي حالفهن الحظّ وحصلوا على منصب مصنًّف ضمن أفضل 5٪ من العاملات على الصعيد الوطني، ممّا يمنح النساء الحرّية المالية في وقت تزدهر فيه تمكين المرأة، وكان العديد منهنّ لا تزلن مراهقات، بأيدٍ صغيرة مثالية للعمل الفنّي، وساهمن في نَشْرِ رسالة جاذبية وظيفتهم الجديدة من خلال شبكات أصدقائهم وعائلاتهم؛ في كثير من الأحيان، عَمِلَتْ مجموعات كاملة من الشقيقات جنباً إلى جنب في الاستوديو.

كان لمعان الراديوم جزءاً من جاذبيته، وسرعان ما أصبحن “رسّامات الاتصال الهاتفي” يُعرفنَ باسم “فتيات الأشباح”-لأنّه بحلول الوقت الذي ينتهين فيه من مناوباتهن، يتوهّجنَ هن أنفسهن في الظلام، لقد حقّقن أقصى استفادة من الامتياز، وارتدين ثيابهن الأنيقة إلى المصنع كلّ يومٍ حتّى يتألقنَ في قاعات الرقص ليلاً، وحتّى يرسمنَ الراديوم على أسنانهم لابتسامة من شأنها أن تقتل الشباب من المعجبين.

وطُلب من الفتيات وضع فُرَشهنَ بين شفاههن لإبراز توهّجٍ جذّاب – وهي ممارسة تسمّى “روتين الشفّة، والغمس، والطلاء” كما وصفتها الكاتبة المسرحية ميلاني مارنيش لاحقاً:

“في كلّ مرّة ترفع الفتيات الفرشاة إلى أفواههن، يبتلعن القليل من الطلاء الأخضر المتوهٍّج.”

التوهّج الخَطير

“مولي ماجيا”.. فتاة شابة في بداية العشرينيات، هي الرابعة بين 7 شقيقات لعائلة بريطانية مهاجرة إلى الولايات المتحدة، عملت مع أربعٍ من شقيقاتها في شركة “راديوم الأميركية” بولاية نيوجيرسي، وفي عام 1922، شعرت بآلام في أحد أسنانها.

خلع الطبيب السن، ولكن بعد ذلك بدأت السن التالية تؤلمها وكان لا بدّ أيضاً من خلعها. ومكان الأسنان المفقودة، ظهرت تقرّحات مؤلمة على شكل أزهار داكنة، تتفتَّح باللونين الأحمر والأصفر وتنزّ دماً وقيحاً ورائحةً كريهة.

لم تشفَ آلام “مولي” وأعتقد طبيبها أن “خرّاجاً” واحداً كبيراً يمتدّ من فكّها السفلي إلى سقف فمّها حتّى بعض العظام في أذنيها، لكنّ هذا عُرِفَ فيما بعد بـ”فكّ الراديوم”، بحسب “هورو بوكس” (Horobox).

أصيب الطبيب بصدمة كبيرة عندما أمسك ذقن “مولي” فانكسر عظم الفك في يده، وبعد أيّام قليلة، أزال فكها السفلي بالكامل بنفس الحركة، بالتزامن مع معاناة مولي، شعرت زميلاتها بآلام بدأت هيّنة ومع الوقت ازدادت قسوة، إذ بدأت أسنانهن تتعفَّن وهياكلهن العظمية تنهار.

استقرَّ الراديوم المبتلع في أجساد النساء، وظلّ ينبعث منه إشعاع مستمرّ، أحدث ثقوباً في العظام وتساقطاً للأسنان وتآكلا في الفكّ، وهن على قيد الحياة، وخلال أشهر قليلة، تخلّلت العدوى جسد مولي كاملاً حتّى أنّها كانت تنزف دماً من حلقها، وكانت أوّل فتاة في المصنع تموت عن 25 عاماً جرّاء تعرّضها للإشعاع.

انتصار ثمنه الموت

على الرغم من أنّ الراديوم مادّة مشعّة موجودة في الطبيعة، فإنّ لها آثارا صحّية ضارة في ظلّ ظروف بعينها.

وتعتمد احتمالية حدوث آثار صحّية على كمّية الإشعاع التي يتعرّض لها الشخص، إذ إنّه كلّما زادت الكمّية الإجمالية للتعرّض للإشعاع من الراديوم، زادت احتمالية الإصابة. ووفقاً لمنشور لمكتب الصحة البيئية بولاية ماساشوستس، فقد يؤدي التعرض للراديوم على مدى سنوات عديدة إلى زيادة خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان، وخاصة سرطان الرئة والعظام، كما تبين أن الجرعات العالية منه تسبب فقر الدم، وإعتام عدسة العين، وكسر الأسنان وانخفاض نمو العظام.

ماتت مولي في أواخر عام 1922، وكتب الطبيب في شهادة وفاتها أن السبب هو إصابتها بمرض الزهري.

وبعد وفاتها بـ3 أعوام، ماتت العشرات من العاملات، وقررت زميلتها غريس فراير -وهي إحدى العاملات في مصنع نيوجيرسي- رفع دعوى قضائية، لكنها قضت عامين في البحث عن محام على استعداد لمساعدتها.

ووفقاً للإذاعة الوطنية الأميركية، فإنّه بحلول عام 1927، توفيت أكثر من 50 امرأة كنتيجة مباشرة للتسمّم بطلاء الراديوم. وفي نفس العام، وجدت غريس محامياً ورفعت القضية مع 4 من زميلاتها المصابات.

في عام 1928، حسمت القضية لصالح “فتيات الراديوم”، وبفضلهن تغيّرت ظروف وقوانين العمل، إذ أصبح من حقّ العامل رفع قضية على الشركة المستأجرة لخدماته في حال تعريض حياته للخطر، وتمّ تزويد العمال بمعدّات واقية.

وتلقّتْ الناجيات تعويضات مالية، وذكرت شهادات الوفاة السبب الحقيقي للموت، كما حظرت إدارة الغذاء والدواء المنتجات القائمة على الراديوم، وتمّ التخلّص التدريجي من طلاء الراديوم نفسه في النهاية، ولم يستخدم في طلاء الساعات منذ عام 1968.

قد يعجبك ايضا