قطر وجيرانها.. إعصار لكن في فنجان

علاء الدين الخطيبقطر وجيرانها.. إعصار لكن في فنجان

الاتحاد برس – علاء الدين الخطيب

طغت الحرب الإعلامية بين الحكومة القطرية وحكومات الخليج خاصة السعودية والإمارات العربية المتحدة على كل الأنباء والأحداث في الفضاء العربي، وتزايدت التكهنات بعد إعلان المقاطعة شبه الكاملة من قبل السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر لقطر؛ وتراوحت ردود الفعل ما بين التعصب لأحد الطرفين على حساب شيطنة الآخر، وما بين الشماتة من الجميع (خاصة معسكر دعم نظام الطاغية السوري)؛ كما ازدهرت خلال أيام قصص نظريات المؤامرة، فعاشقو السعودية نسجوا قصصا عن مؤامرات كونية قطرية إيرانية وربما إسرائيلية أميركية ضد “قلعة الإسلام السني”، والطرف الآخر نسج قصص المؤامرات الكونية الأميركية السعودية الإسرائيلية على “منارة الحرية ودعم القضية الفلسطينية قطر”. وما بين الاثنين غذى الإعلام كل الحكايات، إن كان من باب الأجندة السياسية، أو من باب الإثارة وجذب القراء، فانهالت الأخبار التي تنقل “خططا وتحالفات ومؤامرات” سرية لم يسمع بها أحد لليوم، وظهر أن بين العرب والسوريين المئات ممن هم على اطلاع على أدق وأعمق أسرار المخابرات الإقليمية والدولية. باختصار تحول صراع الأشقاء، الذي يخسر به الجميع، إلى فيلم أكشن هندي على مصري، لكن ليس أميركيا لأن انتاج هوليوود يعرف كيف يقنعك بأي خيال أو مبالغة.




لفهم ما حصل، ومحاولة وضعه ضمن سياقه التاريخي والموضوعي، يجب أولا وضع بعض الحقائق المتفق عليها بين الجميع، سواء مشجعي الفريق الأبيض أو الأسود.

أولا، علاقات الحكومة القطرية متوترة تاريخيا بالحكومات السعودية والإماراتية والبحرينية والمصرية منذ بدايات تسعينات القرن الماضي، بعد وصول الأمير حمد إلى الحكم، فيما لا يمكن تجنب تسميته سوى أنه “انقلاب أبيض” قام به الابن حمد بن خليفة على أبيه خليفة بن حمد آل ثاني، أثناء تواجد الأب في الخارج للعلاج، يومها ولولا الفيتو الأميركي الواضح لاجتاح جيش السعودية قطر. فالخلاف بين العائلتين استحكم منذ وصول الأمير حمد، كذلك لم يستطع الأمير حمد تجاوز تأثير السعودية في بناء علاقة راسخة مع حكام الإمارات والبحرين، كما أن علاقاته مع حسني مبارك كانت سيئة واستمرت كذلك، فلم يحدث أن تبادلا الزيارات حتى من باب البروتوكولات الديبلوماسية.

ثانيا، كل دول الخليج العربي حلفاء استراتيجيون للولايات المتحدة الأميركية، وهذه شريعة أميركية مؤسسة من الحرب العالمية الثانية، لم يخالفها أي رئيس أو إدارة في البيت الأبيض؛ كما أن هذه الدول بحاجة ماسة ودائمة لعلاقة عميقة مع البيت الأبيض لضمان حمايتها من الحكومات الأقوى عسكريا في المنطقة وخاصة إيران والعراق، وقد كان اجتياح صدام للكويت أكبر ناقوس خطر ما زال صدى رنينه يرفرف فوق مياه الخليج العربي؛ طبعا ناهيك عن الخطر الإيراني المعلن والواضح. فإشاعات تخلي الإدارة الأميركية عن السعودية أو قطر أو غيرهم من دول الخليج لا تعدو أن تكون عناوين إثارة إعلامية، مثلما اعتدنا كعرب أن نسمع منذ أن أصبحنا نسمع التلفزيونات ونقرا الصحف، فما بالك بسوق الإعلام العصري المتوحش، والمتجرد من أي مهنية، والذي يريد على الأقل جذب ملايين القراء، ناهيك عن الأجندات السياسية. فلربما ما زلنا نذكر كم قالوا إن واشنطن أدارت ظهرها للسعودية ودول الخليج باتجاه إيران، لكن ها هي ترسخ علاقاتها مع العرب الخليجيين، ولا تحاول حتى الاقتراب من إيران.

ثالثا، لا يمكن لأي دولة خليجية عربية الثقة بالنظام الإيراني، وما يُشاع عن انتقال قطر للضفة الإيرانية هو محض حرب إعلامية؛ فحكومة قطر امتلكت من الخبرة التاريخية ما يكفي لتعرف كيف تبني علاقاتها، وهي ليست بحماقة أن ترهن مستقبلها في حلف مع النظام الإيراني المنهك أساسا في الحفاظ على نفسه، والعاجز للآن عن إنقاذ أهم حلفائه الاستراتيجيين أي النظام الأسدي.

رابعا، لا يمكننا استخدام نفس المنهج التحليلي السياسي العادي، الذي يستخدم عادة لتحليل علاقات الدول الديمقراطية والكبرى في العالم، أي وفق المصالح والاستراتيجيات، وعلى قاعدة أن هذه الدول هي دول مؤسسات وليست دولا تتبع مزاجيات زعمائها ومشاعرهم. فمن المعروف مثلا أن ترامب حاليا هو من أكثر السياسيين المكروهين في أوروبا الغربية وكند وأستراليا، لكن لا يمكن أن نتخيل تدهورا بالعلاقة بين أي منهم مع واشنطن لأن زعيما غربيا لا يطيق لون ترامب البرتقالي، وهذا أيضا ينطبق على الصين في علاقتها مع واشنطن، وكذلك روسيا.

أما في منطقتنا، حيث يحكمها الديكتاتوريون منذ الاف السنين، فما أكثر أن تصارعت الحكومات بسبب الجفاء بين الزعماء، فلم ننسى صراع صدام وحافظ الأسد، أو صراع القذافي والعائلة السعودية، والحب بين مبارك وبين العائلة السعودية، وغير ذلك كثير.

خامسا، العلاقات الاقتصادية البينية في دول مجلس التعاون الخليجي، هي للأسف ما زالت علاقات ضعيفة بالمعايير النسبية لما يجب أن يكون بين دول أي إقليم يعي حكامه مصالحهم. فمثلا أهم شركاء قطر التجاريين، استيرادا وتصديرا، هم دول شرق آسيا والدول الغربية، كذلك الأمر مع بقية دول الخليج العربي، وحتى مصر وتركيا بحجمهما الضخم لا يشكلان ذلك الشريك الاقتصادي الأساسي الذي لا يمكن التخلي عنه.

سادسا، قصة دعم الحكومة القطرية للإخوان المسلمين، قصة قديمة ويعرفها الجميع، وهي مقابل موضوعي لدعم الحكومة السعودية للسلفية الإسلامية السياسية وغير السياسية، ولا يملك أحدهما أن يلوم الآخر لأنه يريد من الدين شعارا وغطاء؛ والغرب السياسي طبعا تابع ذلك بقرب، وخاصة الإدارات الأميركية المتعاقبة، فلطالما انتقد بعض الإعلام الأميركي والغربي سكوت حكوماته عن سياسة دعم الإسلامية السياسية من قبل الحكومات الخليجية العربية. وبالواقع ليس كما قال وزير خارجية قطر، أن هذا النقد جديد ومفاجئ، فالوزير اعتمد على أن المواطن العربي لم ولن يقرأ الإعلام الأميركي والغربي، وأطلق كلامه في الهواء وهو على ثقة أن لا أحد سينفي، فمن يملك قدرة النفي الإعلامية، هو مثله متورط في دعم الإسلام السياسي الآخر السلفي.

النتيجة

قد لا تكون أسباب هذا الاندلاع المفاجئ للتشاحن والتهاجي بين قطر ودول الخليج العربي ومصر واضحة تماما، لكنها بالتأكيد ليست مؤامرة كبرى أميركية أو إيرانية، فالإدارة الأميركية لا تلعب النرد وتهمل مصالحها، وإشاعات فيصل قاسم أنها تريد تجزيئ المجزئ وتقسيم المقسم لا تغادر تفسيرات نظريات المؤامرة الخرافية، التي يتم استخدامها كمخدرات جماعية منذ سبعين سنة في منطقتنا؛ ولا إيران تملك القدرة على نسج هذه المؤامرة الكبرى، كما لا يمكن لأي حكومة خليجية التحامق لدرجة تصديق أن النظام الإيراني يمكن أن يكون حليفا ضد الآخرين وأنه يستطيع تعويضهم، والأهم أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تسمح بذلك؛ بالنسبة لسلطنة عمان فهي دولة مؤسسة تاريخيا على علاقات التوازن مع الجميع والنأي عن أي صراع إقليمي.

الأسباب الحقيقية برأيي تكمن أولا في العلاقات الشخصية بين العائلات الحاكمة، وسوء تقدير من قبلهم حاليا للعلاقات الدولية بعد زيارة ترامب الناجحة إلى السعودية، وأيضا بعد الزيارة غير المثمرة لأردوغان إلى الولايات المتحدة الأميركية؛ ولربما يكون هناك تحت الطاولة لعبة مخابراتية بين حكومات هذه الدول أغضبت السعودية والإمارات، لكن إن كان شيء من ذلك، فبالتأكيد لن يعرفه أحد من عامة الناس ولا حتى من كبار الصحافيين العرب، أصحاب المصادر والاتصالات الخاصة.

أضف لذلك تراكم هائل خلال السنين السبعة الماضية لتناقضات عميقة بين الحكومة السعودية والقطرية في اليمن وسورية، تناقضات رأينها كسوريين دماء تسيل بين فصائل الطرفين تتقاتل مع بعضها، وهي بنفس الوقت تحت نيران النظام الأسدي والمليشيا الإيرانية.

إذا هناك برميل بارود بين حكومات هذه المنطقة، كان يتضخم ويزداد مع الزمن، دون جهود واعية حقيقية وعميقة لنزع فتيله، لأن المسيطرين على القرار هم أشخاص وليس مؤسسات دول، وقد حصل سوء تقدير حاليا فجر الأزمة. لكن الإدارة الغربية والمصالح الأميركية والدولية لن تسمح لهذا البرميل بالانفجار حاليا، وستضغط لإعادة ضبط الأوضاع بعد امتصاصها في هذه الموجات الإعلامية الإعصارية من الحرب الكلامية، إنه إعصار وليس زوبعة، لكن سيبقى ضمن جدران الفنجان الممسوكة دوليا؛ لكن قد يدفع السوريون مرة أخرى فاتورة هذا الإعصار وفاتورة تهدئته كما جرت العادة خلال سبع سنين.

قد يعجبك ايضا