قطر و المعارضة السورية من الرعاية إلى الوصاية

قطر والمعارضة السورية من الرعاية إلى الوصايةقطر والمعارضة السورية من الرعاية إلى الوصاية

منتصر عبد الرحيم

إن حكومة قطر تسعى دائماً لفرض نفوذها عبر مالها السياسي المؤدلج فكرياً والذي يلقى أرضية خصبة عند العديد من التنظيمات والأحزاب المحسوبة على المنهج الإسلامي الراديكالي.

التواجد القطري على الساحة السورية في بدايات الثورة:

أما في سوريا سعت قطر ومنذ أواخر عام 2011 إلى تمويل بعض المجموعات العسكرية التي ثارت ضد النظام السوري وسيطرت عليها فيما بعد التوجهات السياسية الإخوانية فكانت هذه المجموعات يد الإخوان المسلمين التي ستسيطر على الحكم في سوريا كما اعتقدوا.

ومن ثم ازداد الدعم المالي واللوجستي بازدياد رقعة المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري فتشكلت فصائل كبرى خاضعة تماماً للسيادة القطرية وتأخذ قرارتها منها، ما دفع قطر لإجراء معسكرات تدريبية لهذه الفصائل داخل الأراضي القطرية كان الهدف منها ليس التدريب العسكري –حسب ما علمنا من بعض المتدربين- ولكن الهدف هو التوجيه السياسي والعقائدي ضمن هذه المعسكرات ولكي يكون لهم أكثر تبعية.

ولم يقتصر الدعم المالي واللوجستي على من كان يمثلها فكرياً وتنظيمياً داخل الأراضي السورية وإنما حاولت لتنظيم أكبر قدر ممكن من عناصر وضباط الفصائل المسلحة وذلك عن طريق الإغراءات المالية أو المناصب العليا وخاصة أن حكومة قطر كانت مسيطرة على كافة مفاصل المعارضة السياسية وبيدها كل مقومات الدعم المالي واللوجستي.

ومع بدء ظهور التنظيمات الجهادية في سوريا كتنظيم القاعدة المتمثل بفرعه “جبهة النصرة” وكذلك تنظيم “دولة العراق” والذي سمّي فيما بعد “تنظيم الدولة في العراق والشام” لاحظنا وجود العديد من المقاتلين القطريين ضمن هذه التنظمات وخاصة المتواجدة في مناطق ريف إدلب وريف اللاذقية، وكان بعض هؤلاء المقاتلين من عائلات معروفة في قطر ولهم تمويلهم العائلي والعشائري الخاص من داخل دولة قطر.

وفي عام 2013 قُتل عدة مقاتلين من دولة قطر بمعارك بين “جبهة النصرة” و قوات النظام في ريف إدلب وخاصة بمحيط معسكرات الحامدية ووادي الضيف وكذلك في أريحا، ومن بين القتلى “عمر الهزاع و علي القطري و محمد المرّي”.

وكانت بيوت العزاء تُقام داخل دولة قطر من قبل أهل المتوفيين داخل سوريا بعمليات القتال الدائر فيها.

حملات دعم ومنظمات اغاثية هدفها غالباً يكون غير انساني:

سعت حكومة قطر إلى إطلاق عدة حملات تبرع مالي وعيني منذ بداية الثورة السورية في عام 2011 ووصلت هذه الحملات لجمع تبرعات بعشرات ملايين الدولارات، حيث كانت هذه التبرعات ترسل لصناديق الإخوان المسلمين أو المجلس الوطني والائتلاف والتي يُشرف على توزيعها للفصائل العسكرية وبعض المجموعات الصغيرة عن طريق المكتب المالي للإخوان المسلمين.

والغريب بالأمر أننا كنا نلاحظ حملات تبرع شخصية داخل دولة قطر بعيداً عن الحكومة في الظاهر ولكن لها علاقاتها بشخصيات سياسية داخل الحكومة القطرية، مع العلم أن دولة قطر موقعة على اتفاقية عدم تمويل الارهاب ضمن مؤسسات حكومية أو حملات التبرع الشخصية.

ومن بين هذه الحملات كانت حملة “نصرة للغوطة الشرقية” وحملة “مدد أهل الشام” وحملة “جاهد بمالك” وحملة “حلب لبّيه” والكثير الكثير.

وكانت هذه التبرعات المالية تتحول إلى سوريا لدعم بعض المجموعات العسكرية، وقلّة قليلة كانت تصرف للمخيمات الإنسانية للنازحين أو العائلات المتضررة من قصف النظام.

وفي الآونة الاخيرة بتنا نلاحظ سيطرة “الهلال القطري” و “قطر الخيرية” على أغلب الأعمال الإنسانية في الأراضي المحررة وخاصة في محافظتي إدلب وحماة، وقسم كبير من تبرعات هذه المنظمات المالية أو العينة تؤول إلى “هيئة تحرير الشام” حالياً ولها حصتها الأكبر من الدعم المالي والإغاثي حيث تستولي الهيئة على غالبية مادة الطحين المقدمة من هذه المنظمات والتي تقوم بخبزه وبيعه للمواطنين بتلك المناطق ما يقدم لها دعم مالي بعدة ملايين الدولارات.

وكذلك تأخذ هيئة تحرير الشام ما يقارب ثلث الدعم المقدم من هذه المنظمات بحجّة سيطرتها على المناطق التي تغطيها هذه المنظمات.

اتفاقيات برعاية قطرية:

شهدت الساحة السورية توقيع عدة اتفاقيات بين تنظيم جبهة النصرة سابقاً أو هيئة تحرير الشام حالياً من جهة والنظام السوري أو الإيراني من جهة ثانية وكانت كل هذه الاتفاقيات برعاية قطرية.

ففي عام 2014 كانت اتفاقية الإفراج عن 13 راهبة و 3 مساعدات مسيحيات من “معلولا” مقابل الإفراج عن بعض المعتقلات السوريات ومن بينهن بعض زوجات قياديين من تنظيم جبهة النصرة في سوريا، وطبعاً كانت هذه الاتفاقية بوساطة قطرية أشرفت عليها لعدة شهور من التواصل بين قيادات جبهة النصرة وحزب الله اللبناني والنظام السوري.

ومن بعدها كان الاتفاق على إفراج جبهة النصرة وتنظيم الدولة في العراق والشام على بعض الجنود اللبنانيين المعتقلين داخل الاراضي السورية في جرود القلمون مقابل الإفراج عن 13 سجيناً داخل السجون اللبنانية ومن بين المفرج عنهم “سجى الدليمي” زوجة زعيم تنظيم الدولة السابقة، وكانت هذه الاتفاقية برعاية قطرية وبتشاور مباشر مع قيادة جبهة النصرة وحزب الله والحكومة اللبنانية، حيث دامت هذه التشاورات والمفاوضات ما يقارب العام ونصف.

وأما اتفاق الفوعة-الزبداني والذي تم توقيعه بين “جيش الفتح” في إدلب و “حزب الله” مع النظام السوري بمحيط مدن الزبداني ومضايا كان كذلك برعاية قطرية وهدفه تفريغ مدن الزبداني ومضايا من ثوارها مقابل إخراج جرحى الفوعة وكفريا الشيعيّتين بريف ادلب إلى مناطق سيطرة النظام للتداوي، ولكن كان الهدف الأساسي غير المُعلن هو إخراج قيادات حزب الله المحاصرة بتلك البلدتين منذ سيطرة جيش الفتح على كامل محافظة إدلب، حيث تم تنفيذ عدة عمليات مبادلة أدت لخروج ما يقارب 4000 شخص من الطرفين.

وأما الاتفاق الأكبر كان اتفاقية “المدن الخمس” (الزبداني- مضايا- الفوعة-كفريا- مخيم اليرموك)، والذي كان برعاية قطرية وبمفاوضات مباشرة داخل قطر بين مندوب هيئة تحرير الشام المدعو “حسام الشافعي” أو زيد العطار وبين مندوب عن حزب الله البناني وكذلك مندوب عن كتائب حزب الله في العراق والذي قام بخطف الصيادين القطريين ومن بينهم شخصيات من العائلة الحاكمة في قطر.

وبعد عدة لقاءات مباشرة ومفاوضات عن بُعد تم الاتفاق في قطر على إبرام اتفاقية “المدن الخمس” والتي يتم من خلالها تفريغ كامل أهالي ومسلحي بلدات “الفوعة وكفريا والزبداني ومضايا وبلودان” بالإضافة لإخراج مقاتلي “جبهة النصرة” في مخيم اليرموك باتجاه محافظة إدلب، وبالتالي يكون قد تم تهجير أكثر من 65 ألف مواطن سوري من هذه البلدات مقابل مليار دولار تأخذها هيئة تحرير الشام وإفراج 26 صياداً قطرياً كانوا قد اعتقلوا داخل الأراضي العراقية خلال نزهة صيد.

الدعم العسكري المباشر لبعض الفصائل الإسلامية في سوريا:

قامت حكومات قطر الحالية والسابقة بتمويل التشكيلات العسكرية ذات الميول الإسلامية وخاصة السلفية الجهادية والإخوانية منذ بداية الثورة السورية وهذا ما أثر سلباً على الوضع الراهن للثورة وتشتت مفاصلها.

فقد قامت حكومة قطر السابقة بالتمويل المباشر لبعض المجموعات والكتائب التابعة تنظيمياً لحركة الإخوان المسلمين منذ أوائل عام 2012 لتشكل فيما بعد ما يُسمى “الدروع” و “هيئة حماية المدنيين” وبالتالي تشكيل فصيل “فيلق الشام” المدعوم إخوانياً.

وعند تشكيل حركة أحرار الشام كان لها حصة الأسد من التمويل من قبل بعض الشخصيات الاعتبارية في دولة قطر ومنظمة قطر الخيرية والحكومة القطرية، وهذا نفسه انطبق على تنظيم جبهة النصرة والتي سمّيت فيما بعد فتح الشام ثم هيئة تحرير الشام، حيث كان لها قسمٌ من الدعم المالي المباشر وخاصة بعد فتح مكتب لحركة الطالبان في قطر وعلاقة بعضهم مع تنظيم جبهة النصرة التي كانت مبايعة لتنظيم القاعدة العامل في أفغانستان.

وفي الآونة الأخيرة بتنا نسمع من بعض قادات وإعلاميي حركة أحرار الشام وهيئة تحرير الشام كلمات عن دعمهم لدولة قطر ضد الدول التي قاطعتها في الفترة الاخيرة وأن لدولة قطر الفضل الكبير بدعم الحركة والهيئة بشكل مباشر أو بدون مباشر.

ويتخوّف بعض قياديي وإعلاميي الحركة والهيئة من تشكيل تيارات عسكرية وسياسية موازية وموالية للسعودية والإمارات في سوريا والذي سينعكس على الأرض في المناطق المحررة السورية.

قطر والمنظمات الإرهابية خارج سوريا:

تسعى قطر لإقامة علاقات قوية مع أغلب التنظيمات الإسلامية “السنيّة و الشيعيّة” في الدول المجاورة لها، فعلاقات قطر مع حزب الله اللبناني والعراقي والحشد الشعبي قوية جداً، ويتجلى ذلك بحرية الحركة والنشاط لممولي هذه التنظيمات داخل قطر وإنشاء الشركات الاقتصادية الداعمة لها دون أي محاسبة او مراقبة.

كما لدولة قطر علاقات قوية جداً مع دولة إيران والتي بها الدور الأكبر بمعاناة الشعب السوري لما تقدمه من دعم مالي وعسكري للنظام السوري، ولكن قطر أبت إلا أن تقوي علاقاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع إيران ضاربة عرض الحائط كل الدماء التي سالت بسوريا بسبب إيران وحلفائها.

وكذلك تدعم قطر بعض الحركات الجهادية المدعومة من حركة الإخوان المسلمين كحماس والجهاد الاسلامي، حيث الدعم الأكبر يكون لهذه الحركات وبالتنسيق المباشر مع دولة إيران التي تدّعي دعمها لمقاتلة الإسرائيليين وتحرير فلسطين.

وأما علاقة دولة قطر بحركات الجهاد السلفي في أفغانستان والباكستان فلها باع طويل بذلك ومنذ القرن الماضي وحتى اللحظة، وما فتح حركة طالبان مكتبها الوحيد بدولة قطر إلا برهانٌ على ذلك، حيث أصبحت قطر مركزاً لانطلاق أعمال حركة طالبان في أفغانستان والممول الرئيسي لها.

قد يعجبك ايضا