“كان سبباً في سجني داخل المنزل” ..نساء عربيات يتصدين للعنف الرقمي

الاتحاد برس

 

 

بعد أن كانت المرأة ضحية للعنف الجسدي والتمييز القائم على النوع الاجتماعي في الوطن العربي طيلة عقود، أصبحت اليوم، ومع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، ضحية ولكن لظاهرة جديدة تُعرَف باسم العنف الرقمي وهي شكل آخر من أشكال العنف القائم على أساس التميز بين النوع/الجندر البشري، وغالباً ما يأتي هذا العنف على شكل إهانة أو إساءة لفظية أو تهديد أو ابتزاز أو استخدام ونشر صور أو مقاطع فيديو بغرض التداول والتشهير.

ومع أن العديد من الفتيات من ضحايا العنف الرقمي يفضلن الصمت خشية معاقبتهن واعتبارهن مذنبات، إلا أنّه على الجانب الآخر هناك ناشطات يرفعن أصواتهنَ عالياً، ومبادرات تسعى إلى الحدّ من هذه الظاهرة وبث التوعية في صفوف النساء العرب.

فإلى أي حد يمكن أن ينعكس ويؤثّر العنف الرقمي على الواقع المُعاش واليومي للفتيات؟ وما هي الخيارات المتاحة لهن للتصدّي لتلك الآثار؟ وما هي المبادرات التي تطلقها بعض النساء العرب للوقوف في وجه هذه الظاهرة المستجدّة نسبياً؟

 

مكالمات هاتفية وصور إباحية .. سبباً لتغيبها عن الجامعة

 

هيام (22 عاماً)، طالبة في كلية الصيدلة جامعة دمشق، اضطرت إلى هجران مدرّجات الجامعة والاعتكاف في منزلها بعد تعرّضها للمضايقات المستمرة في الجامعة وعلى فيسبوك من قبل أحد زملائها؛ فتقول للاتحاد برس:

“لم يكن هذا التحرش الأول الذي أتعرض له على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن مقابلتي لشاب متحرش كل يوم في الجامعة كانت مؤذية بالنسبة لي؛ فأصبحت أتفادى الذهاب إلى الجامعة، وأقضي معظم أوقاتي في المنزل معتمدةً على المحاضرات وعند الاضطرار فقط أحضر محاضرات العملي.”.

إلا أن غياب هيام عن الجامعة لم يُجنبها المضايقات؛ فتضيف:

“أخذ يتصل بي على الماسنجر يومياً عشرات المرات،وفي جميع أوقات النهار والليل، ولمّا رأى أني لا أستجيب، أخذ يرسل لي صوراً وعبارات إباحية بلا كلل أو ملل.”.

 

وعندها فقط قرّرت هيام حظره على جميع وسائل التواصل الاجتماعي، فما كان من هذا الشاب سوى أن يلاحقها عبر حسابات مزيّفة يسجّل دخوله عبرها فقط لغرض مضايقة هيام وإرسال مواد إباحية لها، فتقول:

“لم أستطع التخلص منه إلا بتعطيل حسابي على موقع الفيسبوك، واقتصار مراسلاتي على الأصدقاء عبر تطبيق واتساب، وعدم دخول الجامعة إلا لتقديم الامتحانات الفصلية، ولا أزال حتّى اليوم مصممة على الاعتكاف في المنزل لتجنب مقابلته.”.

تحكي هيام أيضاً عن جملة من المضايقات التي تواجه الفتيات بسبب صورهنَ التي تأخذ عند الذكور، بحسب هيام، “طابعاً جنسياً” فيقومون بتداولها دون أي رادع أخلاقي بحجّة أنّ هذه الصورة قد نشرت أصلاً على هذه المنصّات وبالتالي صار من المشروع سحبها وتداولها متناسيين أنّ هذه المواقع صممت لغرض التعارف والتقارب الاجتماعي لا من أجل استغلال الفتيات جنسياً والضغط عليهنَ عبر هذه السرقات غير المبررة أخلاقياً وتربوياً.

 

“أوقفوا العنف الرقمي”.. مطالبات نسائية

 

مع أن معدلات التحرش الرقمي إلى تزايد في عالمنا العربي، ومع أن هيام نموذجاً الآلاف من الفتيات اللواتي يعترضن يومياً لأنواعٍ من العنف الرقمي؛ فإن المنظومة القانونية في البلدان العربية لا تزال إلى اليوم غير قادرة على حماية النساء من التحرش الإلكتروني حتّى بعد سنّها قوانين تُجّرم التحرش الجنسي وتجّرم كل من يُلحق الأذى بالنساء سواء أكان بالفضاء العام أو الرقمي مثل مصر، والجزائر، والمغرب.

وأمام تفاقم الظاهرة وضعف القوانين الرادعة أو غيابها في بعض الدول، ظهرت مجموعة من المبادرات الرامية إلى فضح المتحرشين، والحدّ من التحرش والابتزاز الرقمي.

أطلقت جمعية “التحدي للمساواة والمواطنة” المغربية مبادرة “لنوقف العنف الرقمي”، إضافة إلى إنشائها تطبيقاً إلكترونياً تتواصل من خلاله مع ضحايا التحرش والعنف الرقمي، وتواكبهن إجرائياً وقانونياً.

https://twitter.com/SalamatMENA/status/1245787177520332802

كما وأطلقت ناشطات مصريات على مواقع التواصل الاجتماعي حملة “مبروك.. أنت متحرش مشهور إلكترونياً”، لفضح ممارسات التحرش الجنسي على مواقع التواصل الاجتماعي.

في حين بادرت العديد من المنظمات الدولية والمحلية الأخرى في دعوة الدول العربية إلى تجريم العنف ضد النساء بما فيه التحرش الرقمي والتبليغ عنه، عبر حملات تحفيزية تدعو النساء للبوح ولتقديم شكاوى للسلطات والهيئات الحقوقية.

 

 

غالباً ما يخترنَ الصمت!

 

كشفت دراسة حول العنف الرقمي أجرتها جمعية “امرأة” المغربية أن 70% من النساء اللاتي تعرضن للعنف الرقمي فضلن الصمت خوفاً من إلقاء اللوم عليهن، وعن هذا الموضوع تقول الناشطة النسوية زينب حسن للاتحاد برس بأنّه:

“غالباً ما قد تتعرض الفتاة للعقوبة إن هي تحدثت أمام أحد أفراد عائلتها عن تعرضها لتحرش ما على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن صمت الضحية يعني تعرضها للمزيد من العنف الرقمي، وهذا ما قد يترتب عليه مضاعفات نفسية خطيرة”.

وتضيف زينب:
“إن الآثار النفسية للتحرش الرقمي قد تكون أشدّ وأصعب منه في العنف الجسدي، فالتشهير وتشويه السمعة والابتزاز المالي أو الجنسيونشر فيديوهات أو الصور شخصية، جميعها قد تسبب للفتاة مشكلات عائلية كبيرة، وقد سبق وأن أوصل التشهير بعض الفتيات المراهقات إلى الانتحار، خصوصاً إذا كان التحرش صادراً عن أحد المقربين.”.

وعن الأسباب التي تدفع المرأة الضحية إلى الصمت، تخبرنا زينب:

“عدا عن الخوف من العائلة والمجتمع والعقاب، فإن غالبية النساء لا يعرفن شيئاً عن القانون والإجراءات التي يمكن اتخاذها، يجب أن نعمل كنسويات على نشر التوعية وثقافة البوح في صفوف مثيلاتنا من النساء لتشجيعهن على نشر ومشاركة تجاربهن، ولنساند بعضنا البعض”.

وعلى الرغم من أنّ هناك العديد من حملات التوعية التي تنشط يومياً للتصدي إلى هذه الظاهرة المتفشّية في عالمنا العربي إلا أنّه لا يزال أمامنا الكثير لبلوغ تلك المرحلة التي تكون فيها المرأة قادرةً على ممارسة حرّيتها الفردية على مواقع التواصل الاجتماعي دون خوفٍ من اعتداء أو تنمّر رقمي ما.

قد يعجبك ايضا