كلاوي عتيقة للبيع

يُجرّم القانون السوري المعدّل رقم /30/، بتاريخ 20/11/2003 تجارة الأعضاء البشرية، ولكن عدم اشتراطه صلة القرابة مع المريض المحتاج سهّل عمليات التجارة غير الشرعيى بها وشجع عليها بحسب قانونيين.

منذ عدة أشهر انتشرت ظاهرة بيع الأعضاء البشرية ( الكلية) بسوريا عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي. في الخفاء أيضا، يكتبون في الإعلانات مريض بحاجة للتبرع بكلية. بل إن بعض الصفحات الفيسبوكة بدمشق وطرطوس نشرت في الآونة الأخيرة أي أقل من شهرين.. أكثر من إعلان لبيع الكلية.

لفت نظري منذ إسبوع على صفحة الفيس بوك الخاصة بسوق طرطوس المستعمل الإلكتروني والذي يتابعه أكثر من ربع مليون طرطوسي، إعلانًا صريحًا عن شابة تريد بيع كليتها بثلاثة ملايين ليرة سورية وطبعا تواصلت معها على الخاص وحكيت لها قصة محمد الذي اشترى كلية بـ 250 الف عام 2004.

عام 2004 ودون أن يشعر محمد شقيقي الأكبر بأعراض واضحة.. قال له طبيبه أنه مصاب بقصور كلوي مزمن
هنا بدأت رحلة العلاج الطويلة والتي امتدت لأكثر من سنتين، إجراءات غسيل الكلى وزيارة الأضرحة ونذر النذور للأولياء الصالحين من أجل شفائه، كان من بين تلك النذور التي نذرتها والدتي أن تشحد الملح مطلع الصبح من ثلاثة بيوت في حارتنا وهي حافية القدمين.

في صباح اليوم التالي ومع بزوغ الضوء شاهدتها وهي تدخل بيت أم جورج السقا لتخرج وبيدها كمشة ملح لتخرج وتدخل بيت أم وليد وتختم طقسها ببيت أم كريم شربا.

بدأت أمّي برش الملح مكان كليتي شقيقي ودائما دعائها يمزق السماء… ومازال جرس دعائها للآن معلّقاً برأسي كجرس الكنيسة لحظة مرور طائرة ورقية أضاعها طفل.

فيما بعد، علمت أن تلك البيوت المملحة بأقدام أمي العارية….كانت مزيجًا من كل الطوائف الموجودة بحارتنا بطرطوس، وبقي صوت دعائها مستمرًا كمكبر صوت المأذنة… لحظة خرق طائرة صديقة لجدار صوتها..
يالله يازين العابدين تشفي ابني. والدي اشترى خروفًا صغيرًا، نذره كي يشفى محمد، وكانت مهمتي أن اهتمّ بتربية الخاروف بالنهار وفي الليل مرافقة محمد بغسل كليَته.

محمد يقرر الذهاب للعلاج عند مريم نور في بيروت

قرر أخي الذهاب إلى بيروت مع صديقه للعلاج عند مريم نور. طلبت منهم النزول بفندق خاص لأنه يقدم طعامًا يخدم مرضى القصور الكلوي.

مضت الأيام ومر الوقت مع ابتزاز وبرنامج صارم للأكل من نور؛ مات صديق محمد المريض هو الآخر نتيجة برنامجها الصارم وابتلى أهله بمصاريف نور والفنادق الباهظة، سارعت إلى لبنان وهرّبت محمد من المشفى ومن ومريم نور والموت معًا.

عدنا سالمين إلى طرطوس، حيث عاد محمد إلى غسل كليتيه خلال الأسبوع مرتين وعدت أنا إلى الاهتمام بتربية خاروف الكلية أي الذي ندره الوالد لشفائه.

أمضى محمد أكثر من سنتين حتى تم تأمين ثمن كليه له؛ فقد وضعت إعلاناً مأجوراً بجريدة الثورة السورية مطلع عام 2004 وخلال أقل من ساعتين اضطريت لإغلاق موبايلي لكثرة أصحاب الكلى المستعدين للتبرع أغلبهم من ريف حلب الشمالي والبعض من ريف الحسكة وريف القدموس بطرطوس. أسعار الكلية تتراوح بين المائة والخامسة وسبعين الف ليرة سورية والثلاثة مائة، وحسب نظافتها أي عمر صاحب الكلية.

من بين المتصلين شاب في عقده الثاني ومن خلال تكرار اتصاله بي ورسائله تهاتفنا والتقينا بطرطوس تعرفنا واتفقنا على السعر ومن ثم الذهاب لدمشق مستشفى ابن النفيس التخصصي الوحيد بسوريا بوقتها لزراعة الكلية. نعم ومن خلال الاتصالات ومصدرها كان ريف حلب الأكثر فقرًا ويليه ريف الحسكة ومن ثم ريف القدموس.

وعودة لنسبة المعلنين عن بيع الكلى من خلال صفحات الفيس الآن، أي عام 2020، تكون دمشق وبعدها ريف طرطوس بالمرتبة الأولى. لولا غياب التواصل مع أهالينا في المخيمات وربما تكون عندهم النسبه الأكبر. ناهيك عن العصابات المنظمة من داعش وغيرها من خلال خطف الأطفال وبيع كلياتهم.

المتبرع

على باب المشفى وتحت شجرة السرو المعمره، وقبل أن التقي بالمتبرع، كان يقف رجلًا طويلًا يلبس لباسًا عربيًا كأنه من ريف حلب وبصوت خفيض… ينادي كلاوي كلاوي، اقتربت منه لظني أنه بائع الكلاوي أي الفول..

قلت له وين عربة الفول.. وبعد عدة أسئلة منه وكأنني بفرع تحقيق وبعد أن تأكد أنني مرافق مريض يحتاج لزراعة الكلي.. قال لي.. بدك تبيع ولا تشتري… وهنا تذكرت رحلتنا بتأمين ثمن الكلية من بيع البيت بسعر رمزي، وهنا قلت له دون تردد سأبيع كليتي.

أخذني جانبًا بعيدًا عن المشفى لمكان أي بيت كان فيه رجل بالاربعينات من عمره عرفت فيما بعد أنه دكتور أخذ مني عينة دم وبول. وتابع رجل الكلاوي مهمته معي بعد أن اتفقنا على السعر. بعد عدة شروط اتفقنا عليها ومن خلالها أن أوقع على سندات أمانة قبل الذهاب لنزع الكلية. كل هذه الإجراءات لم أقم بها مع المتبرع.

ونبنهي الرجل الطويل من أنني تبرعت بالكلية وليس بعتها لأن البيع ممنوع. وأنه سيأخذ من مني مبلغًا وقدره خمسون ألف وساطة له.. وحين أعلمت محمد عن الحدث رفض بقوة.

رحم الله تلك الأيام إذا ما قارنتها بالأيام التي نعيشها الآن، حيث العصابات المنظمة التي تخطف البشر وتقوم بنزع أعضائهم من كبد وكلى وكل ما يحتاجه الجسد ومن ثم يقومون بقتل الضحايا بحجة تدريبهم خارج الحدود ومن ثم يقومون بفعل فعلتهم.

مرّ شهران منذ أن تمّ العثور على مقابر جماعية في سوريا والعراق بمناطق كانت تسيطر عليها “داعش” والشواهد الحية لغياب الأعضاء الحيوية منها كالقلب والكبد والكلية والدليل الرسمي في هذه القضية، أي من خلال الاكتشاف للمقابر الجماعية بالمناطق التي كان يسيطر عليها التنظيم الإرهابي.

كان كلام السفير العراقي لدى الأمم المتحده محمد علي الحكيم حيث قدم الأدلة على أن داعش يعتمد الاتجار في الأعضاء البشرية مصدرًا للدخل.. وأضاف أنه أقدم أي داعش على قتل الأطباء الذين رفضوا التعاون معه.

التحاليل

بدأت رحلة التحاليل مع محمد حيث تحاليل الأنسجة بألمانيا والتصالب بالجامعة الأمريكية ببيروت؛ ففي تلك الفترة لا يوجد تلك التحاليل وبما تيسر للسوري إلا في هذه الجهات. اذكر جيدًا سعر تحليل الأنسجة خمسة وسبعون ألف ليرة سورية والتصالب أربعين ألف. إلى حين موعد صدور نتائج التحاليل والتي تحتاج لأكثر من عشرين يومًا.

ودّعنا المتبرع بعد أن زودناه بموبايل جديد وكل ما طلب وكلنا خوف من أن لا يعود حيث لا عقود بيننا ولا أي شيء يلزمه معنا سوى الاتفاق الشفوي بيننا.

وقبل خروجنا من المستشفى ناداني الرجل الطويل وكلمني بلغة فهمتها لوحدي.. وقلت له… أنا ذاهب إلى طرطوس وبيننا هاتف…

لم يتركني بسهولة وقال لي لدي متبرع لديه تحاليل أنسجة بسعر 275 ألف ليرة سورية.. وعندي بائع أي قصده متبرع بلغة بيع وشراء الكلية …. لدي متبرع لديه تحاليل أنسجة وأسعاره مقبولة ومضمون من عدم هروبه قبل العملية … تركته وصوته الخفيض يعلو لاصطياد مريض آخر… كلاوي.. كلاوي…

كما قلت لا يوجد قانون بيع الأعضاء بسوريا حتى الآن. في حين أن المريض في إيران والمتبرع لا يعرفان بعضهما البعض إلا بعد إتمام العملية ويكون الضامن هو المشفى. المتبرع سافر لعفرين منطقته وأنا ومحمد سافرنا إلى طرطوس حيث عدت للاهتمام بالخاروف ومرافقة محمد لغسل الكلية.

الرجل الطويل والذي ينادي “كلاوي كلاوي” علمت فيما بعد أنه جزء من شبكة لبيع الأعضاء لاتنتهي داخل المشفى، حيث يقولون للمريض أن كلية المتبرع “مليفة” أي مسرطنة كما حدث لمحمد في عملية الزرع الأول، وتم بيع كلية المتبرع دون أن يدري المريض والمتبرع وأنا بماذا حدث و يحدث وسوف يحدث.

عام 2014 كشفت صحيفة ديلي ميل البريطانية عن تحول تنظيم داعش في سوريا والعراق إلى الاتجار بالأعضاء البشرية لتمويل نشاطه، وأن التنظيم يقوم بتجنيد أطباء أجانب لاستئصال الأعضاء الداخلية، ليس فقط من جثث مقاتليها، وإنما أيضًا من الرهائن الأحياء ومن بينهم أطفال.

وتابعت الصحيفة حيث يتم تهريب الأعضاء إلى بلدان مجاورة من بينها تركيا و تباع لأوروبا وغيرها.. لدرجه ان هناك أكثر من 13 ألف فرنسي ينتظرون متبرعًا. فالقرنية بفرنسا تباع بـ 1170 يورو وأمام القلب 1050 والكلية 2500 يورو. انتهى تقرير الصحيفة.

اتصل بنا المستشفى بدمشق وبشرني خيرًا من أن التحاليل بينهما متوافقة بنسبة كبيرة وأن عملية الزرع بعد إسبوع، فرح الجميع بالخبر حتى الخروف كان فرحًا.

فقلت بيني وبين نفسي ولأنني تعبت وأنا أعلف الخروف وأحمّمه وأصبح صديقي.. سأقوم بتبديله بخروف آخر لا أعرفه كي لا أحزن عليه قبل نجاح العمليه.

وأنا في حديقة المستشفى انتظر نجاح العملية… كانت نظرات بائع البلاوي أقصد الكلاوي ومفردها كلية ونظراته المندسة تراقبني وصوت مسبحته وهي تطقطق وصوته المرتفع على غير العاده.. كلاوي كلاوي… كأنني أتذكره الآن وهو مع داعش يساعدهم على اصطياد أعضاءنا، لم أكن أعلم أنه يتعامل مع مافيا داخل المشفى إلا فيما بعد.

اتصلت أمي للمره العاشره “ياعلي طولت العمليه وخايفة ع اخوك وعلى المتبرع”، قلت “لا تخافي الممرضة طلعت من شوي وقالت انو منيح”. تابعت: “أمي ياااا علي خروف الندر بطل ياكل ويشرب وصار ضعيف وقلبي مو مطمئن”.. هونت عليها وقلت خايف من الذبح لأن الندر سيتحقق، ولم أقل لها أنني سأبدّل الخاروف بخاروف آخر.

طبعا الآن ومع غلاء الأغنام تحولت النذورة للفراريج.. ومع غلاء الفروج سينذر الناس مكعب ماجي. خرج الجرّاح من غرفة العمليات عابس الوجه حاد الملامح وقال لي كلية المتبرع متليفة أي مسرطنة. قلت والتحاليل بألمانيا وبيروت؟ قال مو شغلتي.

لم يخطر ببالي وقتها أنها شغلة الرجل الطويل والذي وصلني صوته الآن وكأنه يقول.. صار عنا كلية جديدة للبيع
كلاوي كلاوي…

عاد الخروف إلى نشاطه رغم حزنه المتضامن مع حزن الجميع بما فيهم المتبرع، وهنا عاد محمد لغسل كليته وعدت إلى تربية الخروف بانتظار متبرع جديد. كان أبوعبدو المتبرع الثاني بعد انتظار ستة أشهر كي يلتئم الجرح لتنتفتح جروحنا للمرة الثانية. نجحت العملية وبول محمد، والتبول يعني نجاح عملية الزرع.

وبعد نصف ساعة قالوا لي مات محمد بحجة عدم وجود أكسجين بمشفى ابن النفيس بدمشق عام 2004 مات محمد صقر علي وعاش وانتعش صوت بائع الكلاوي

ملاحظة… والدتي والتي نشرت ندر الملح… تشحد الآن الملح والسكر ليتوازن ضغطها.
ووالدي الذي نذر الخروف… مات ولم يكن يعلم أن محمد كان الخروف لتجار الأعضاء.

الأراء الواردة في زاوية قلم توك لا تعبر بالضرورة عن الاتحاد برس

قد يعجبك ايضا