كورونا يغيّب فارس الصحافة العربية “رياض الريّس”.. الحزن يخيّم على محبيه

الاتحاد برس _ بيروت

 

ترجّل فارس الصحافة “رياض نجيب الريّس”أمس السبت عن حصانه، واستفاق محبوه وقرّاءه عل خبر وفاته الذي صدم الجميع خاصة وأنهم يعلمون أن فارسهم مازال يحضر لتحقيق إنجازات كبيرة.

تلقى الراحل خبراته الأولى في جريدة “القبس” الدمشقية، وكانت أولى بداياته الأدبية في كتابة الشعر، فكأنه ورث عن أبيه الصحافة والشعر معًا، وأكد على ذلك حرصه على التوقيع باسمه الثلاثي اعترافًا ووفاء لأبيه الكاتب والصحفي الكبير “نجيب الريّس” وكأنه يراسله بأنه “على خطاك أسير وأتابع يا أبي”.

عمل في جريدة الحياة، مع مؤسسها “كامل مروة” كانت تجربته الأولى كمراسل صحفي في فيتنام عام ١٩٦٦، ثم عمل في جريدة “النهار”، مع “غسان تويني”، وفي مجلة “الصياد مع “سعيد فريحة”.

وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر

أثار نبأ وفاة “رياض الريس” حالة من الحزن عمّت سوريا والعالم العربي، ونعى عدد من الصحفيين والكتاب الصحفي والناشر السوري “الريس” الذي خلّد حضورّا بارزّا في عالم الكتابة والنشر، وترك مئات الكتب التي نشرها في داره  التي أسسها وحملت اسمه “دار الريس”، وصدر عنها بعض أهم الكتب العربية، وكان آخر كتاب حمل توقيعه قد صدر هذا الشهر بعنوان “صحافة النسيان”.

ونعى الدكتور “وردان تامر” الفقيد الكبير على موقع التواصل بعبارات وجدانية مؤثرة “رحل رياض الريس، رحل الصديق الأخير لعمي الدكتور عارف تامر، رحل وفي جعبته الكثير الكثير، عرفته منذ زمن بعيد، كانت رسائله تأتي من لندن كل أسبوع تقريبا، كنت انتظرها لأنزع الطابع البريدي عنها، قبل أن يقرأها عمي عارف، وعندما يأتي إلى دمشق كنا نزوره، كان يحب أن ينزل في فندق أمية، أتذكر ضحكته ذات النكهة الخاصة والقهقهة العالية،المفعمة برائحة دخان الغليون المميزة، رياض نجيب الريس وداعا.. كل الكتب التي أرسلتها ،محفوظة محفوظة ولن تضيع”.

ويعتبر “الريس” أول صحفي عربي وصل إلى “براغ” واستطاع أن يدخل إليها بعد الغزو السوفييتي لـ”تشيكوسلوفاكيا” في عام 1968، وغطى انقلاب اليونان العسكري سنة 1967، وأحداث قبرص.

أما الروائي “فوّاز حداد” فقد نشر مستفيضّا بحزنه وامتنانه  عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل فيس بوك: “آخر المشوار: رياض نجيب الريس يعز علي السوريين نعي “رياض الريس”، كان الأب والأخ والصديق للسوريين جميعاً دون استثناء، لم يتزحزح عن إيمانه بسورية حرة، دولة مدنية ديمقراطية، وكان  سواء بصفته صحفياً أم ناشراً، وطنياً سورياً حتى العظم. وإذا كان لم يتنازل عن عروبته في هذا الزمن، فلأن عروبته لم تكن خاضعة لمرح “رياض الريس”، استكمالاً لمسيرة والده الرائدة “نجيب الريس” الصحفي والسياسي الوطني، صاحب المقالات الجريئة في جريدته “القبس” الناقد العنيف الذي لم تلن قناته للانتداب الفرنسي، ولا للحكومات الوطنية، لم يوفرها من انتقاداته، إنه سجين جزيرة أرواد، التي انطلق منها النشيد الذي حفظه الشباب العرب:
يا ظلام السجن خيم      إننا نهوى الظلام”.

وختم: “شكراً رياض الريس، أنا وكثيرون غيري مدينون لك، لولاك لما رأت كتبي، ربما النور، كنت خير صديق وراعٍ لمسيرتي الروائية. لم تكن ناشري فحسب، كنت المعلم”.

أعمال الريّس

ترك الريس أثرًا عميقًا حافلًا بالعطاء عن مسيرته الصحفية، وتحقيقاته الميدانية، وأسفاره وتحليلاته السياسية في أحوال الخليج، كما عدّ مدرسة في الصحافة والمعرفة والمخاطرة وارتياد الآفاق، تميز رياض الريس بالجرأة في كل خطوة يخطوها. وإذا انحاز في مواقفه السياسية، فليس إلى دولة ولا إلى نظاموهذا ما أعطاه تفرّدًا قلّ نظيره.

“إذا كان لابد من الإنحناء بعد طول تيه، فمن الأفضل أن يموت واقفا” بهذه القناعة ختم رياض نجيب الريس  كتابه “آخر الخوارج

أضاف “الريّس” إلى مسيرة إنجازاته إنشاء صحيفة “المنار” في لندن التي تعتبر أول صحيفة أسبوعية عربية تصدر في أوروبا، بالإضافة إلى مجلة “الناقد”، و”النقاد”، ومكتبة “الكشكول” التي أسسها في لندن.

ضاقت الفضاءات بأحلام الريّس ومؤلفاته و بما ينوي إصداره من كتب جريئة لا تتورّع في تسمية الخلل بمسمياته، فقدّم “الريس” للمكتبة العلمية أكثر من 30 كتاباً من تأليفه، وافتتح داراً للنشر حملت اسمه وجهعل لندن مقرًّا لها واشتهر اسمها بين أبرز دور النشر العربية.

أسرة مجلة النقاد

وجاء كل ذلك بأسلوب لافت لجمهوره الذي اعترف للريّس بأنه كان ناشراً ذو أسلوب خاص، وكثيرة هي شهادات المؤلفين الذين أصدروا أعمالهم معه وأخذوا بمقترحاته ونقاشاته حول الأفكار وزوايا المقاربة وطرق الكتابة وغيرها من الأمور التي جعلت لمنشورات “رياض الريّس” نكهة خاصة من الإثارة والعمق.

أصدر الريّس مجلة “الناقد” (1989 – 1995) ولاحقاً أطلق مجلة طريفة بعنوان “النقّاد” وكان لها تطلّعّا فريدّا بتناول كواليس الثقافة والمثقفين العرب، كما أعلن عن “جائزة يوسف الخال للشعر” و”جائزة الناقد للرواية”، وهو ما يعبّر عن تنوّع في الاهتمام وإلمام كبير بالأدب والصحافة قلّما يجده المهتمون لدى مثقفين عرب آخرين.

ومن أبرز مؤلفاته:

  • الخليج العربي ورياح التغيير
  • صراع الواحات والنفط: هموم الخليج العربي
  • أرض التنين الصغير: رحلة إلى فيتنام
  • قبل أن تبهت الألوان صحافة ثلث قرن
  • صحافي ومدينتان
  • مصاحف وسيوف
  • رياح الشمال
  • رياح الجنوب
  • رياح الشرق
  • رياح السموم
  • الفترة الحرجة

أمضى الراحل العقدين الأخيرين من حياته في بيروت  الفضاء الممتد لمسقط رأسه دمشق،  إلّا أن “الريّس” توقف عن الكتابة، وقد عبّر عن رغبته في مواصلة الإنتاج الصحفي مشيراً إلى حالة “النبذ” التي مارستها الصحف البيروتية ضدّه، وكتب ذلك في مذكّراته “صحافي المسافات الطويلة” (2017) الذي تميّز بروح حزينة ومنها قوله: “ها أنت تقف وحيداً أمام صندوق حياتك، الذي كسائر صناديق الآخرين، لا يفتح بسهولة. وربما سيكون عليك كسره أو رميه على الأرض، ستجد في هذا الصندوق فتات من بطاقات الآخرين البريدية أو قطعاً من صناديقهم فهذا ما يفعله الأصدقاء حين يغيبون. يتركون في ذاكرة من بقي حياً عاداتهم المفضلة، أصواتهم، رؤيتهم للحياة، ونكرانهم المتواصل للموت. وهذا ربما ما أفعله الآن”.

يذكر أن “رياض الريس” من مواليد دمشق عام 1938، ووصّف “أحد آخر كبار الصحافة العربية المكتوبة” ويعتبر من أبرز الصحفيين والكتاب السوريين، والده الأديب السياسي الشهير الراحل “نجيب الريس”، وعمل “رياض” صحفياً غطّى العديد من مناطق النزاعات الساخنة القديمة كاليمن وفيتنام، بالإضافة إلى دول الخليج العربي.

توفي إثر اصابته بفيروس كورونا في بيروت يوم أمس السبت 27 أيلول، عن عمر ناهز 83 عامًا، قضى عشرات الأعوام منها في المغترَب، رحل ولم يحقق أكبر أحلامه بالعودة إلى مسقط رأسه دمشق ولو كان ذلك حشو الكفن.

 

قد يعجبك ايضا