كيف تحولت بعض وسائل الإعلام المؤيدة للثورة إلى مميعة للرأي العام؟

d0d6b90ac310829ee1bfff52الاتحاد برس | عبد الوهاب عاصي
يتسم الإعلام الذي ينقل الأحداث الجارية في سوريا بالتبدل في سياسات الطرح، منذ بدء الاحتجاجات الشعبية في البلاد للوقت الراهن. هذا التعاطي قوبل بشجب واسع من شرائح المجتمع المناهض للنظام، خصوصاً لما كان له من دور في تصوير الصراع مع النظام السوري لصالح “الثورة السورية”.
وغالباً ما يرتبط التغير في السياسات التحريرية لوسائل الإعلام؛ وفقاً إلى ماهية التعاطي السياسي للدولة الحاضنة لهم. حتى أصبح الخطاب الإعلامي مرتبط بسياسات الحكومات بشكل واضح، الأمر الذي كان غير ظاهراً بالشكل الذي هو عليه الآن.
وأبرز الاصطلاحات التي تم تغييرها وفقاً لتلك السياسات – بصرف النظر عن تصنيف استخدامها ووسمه للوسائل الإعلامية العربية كانت أم المحلية – هي الثورة السورية ويقابلها (الأزمة السورية – الصراع – الحرب الأهلية – الحرب)، الجيش الحر أو الثوار ويقابله (قوات المعارضة المسلحة – المعتدلة)، شهيد ويقابله (قتيل)، تحرير ويقابله (سيطرة)، قوات النظام ويقابلها (الجيش النظامي – القوات الحكومية)، ميليشيا ويقابلها (قوات – عناصر – مقاتلو). كما أضيفت العديد من المفردات الإعلامية الجديدة والتي في مقدمتها اصطلاح الإرهاب، الجهاديون، وغيرها.
ووظفت الوسائل الإعلامية تلك المفردات بما يتماشى مع التحول في سياسات تحريرها، التي تقضي بتوجيه الشرائح المتابعة لها من الجمهور بالاعتماد على التأثير في اللاوعي الجمعي. وفي هذا الصدد يمكن تصنيف وسائل الإعلام ثلاثة أنواع وهي (إعلام مميع للرأي العام، إعلام مجيش للرأي العام، وإعلام توعوي للرأي العام).
وفيما يخص الإعلام المميع للرأي العام وهو الأكثر انتشاراً يتوزع على قسمين:
أ. نقل خبري موجه: وتستند فيه الوسيلة الإعلامية على نقل الأحداث كما هي عليه، بالاعتماد على أكبر عدد ممكن من المعلومات والإحصائيات، بالإضافة إلى عرض مواقف الأطراف المحيطة بالحدث دون تفسير الأبعاد بالوجه الحقيقي لها، بحيث يعتمد التعليل على الافتراض غير الواقعي، ما يجعل المتابع يتعلق بآمال افتراضية سرعان ما تتبدد وتتلاشى في زمن قريب. وترجع هذه السياسة إلى خلق انفعالات لدى المتابعين؛ تُكوّن جمهوراً واسعاً لهذه الوسيلة الإعلامية.
وكما تعتمد هذه الطريقة على محاولة عدم خسارة طرف شعبي على حساب الآخر بشكل كامل، إذ تحاول بقدر المستطاع أن تترك باباً موارباً تعود فيه لكسب شرائح من الطرف الشعبي الآخر وهذا يلاحظ من خلال المفردات المستخدمة في سياسة التحرير، فعلى سبيل المثال بعدما كانت بعض المحطات الإعلامية تستخدم اصطلاحات الجيش الحر التي يقابلها من الطرف الآخر مفردة قوات النظام، أصبحت تعتمد على عبارات ثابتة عوضاً عنها وهي، قوات المعارضة أو فصائل، فيما يقابلها مصطلح الجيش النظامي من الطرف الآخر.
وهذا التحول يعزا إلى سياسة تصنيف الجمهور المتابع؛ حيث أن استخدام عبارة المعارضة عوضاً عن الحر؛ تُعلَّل للشريحة الرئيسية التي كانت تستهدفها المحطة بأن الحيادية في الطرح هو أحد أهم أنواع المصداقية في نقل الخبر، وبما أن هذه الوسيلة الإعلامية بنت جمهوراً واسعاً عبر الاصطلاحات السابقة بات تغير المصطلح بعد تعليل سبب تغيره كما تم ذكره، أمراً لن يجعلها تخسر إلا عدداً ضئيلاً جداً من المتابعين، لا سيما إن تم تعديل المصطلحات بشكل تدريجي بالشكل الذي لا يؤثر على الوعي العام. وبذلك يتعود الجمهور على الاصطلاحات الجديدة، وأما الطرف الآخر المضاد للطرف الأول أصبح عبر استخدام عبارة المعارضة متقبلاً أكثر للوسيلة الإعلامية وبذلك تكون قد كسبت شرائح جديد، وكذلك يصبح التقبل أكبر حينما أصبح مصطلح قوات النظام يُعبر عنه بالجيش النظامي، خصوصاً وأن ياء النسبة تعطي نوعاً من الشرعية وتؤثر على العواطف حسبما تشير دراسات في علم النفس.
ب. نقل خبري فوضوي أو عشوائي: انتشرت العديد من الوسائل الإعلامية المسموعة والمقروءة عقب سنة أو أكثر من بدء الاحتجاجات الشعبية في سوريا، وبدأت هذه الوسائل عملها دون أي ضبط لسياسات تحريرية لعدم امتلاك الخبرة الإعلامية الكافية، واستمرت في تطوير أدائها وعملها وطرحها الصحفي. ولا شك أن غالبيتها بدأت باستخدام مفردات الثورة في التعبير عن الأحداث، لكن عدداً كبيراً منها أصابته العدوى من تحول سياسات الوسائل الإعلامية الكبرى، فأصبحت تستخدم مصطلحات تعبر عن الثورة بالوصف الذي تدعي فيه الحيادية تلك الوسائل، متجاهلين أسباب التحول.
وعلى الرغم من أن الشريحة المستهدفة لهذه الوسائل هي المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وأيضاً عبر شبكات التواصل الاجتماعي والانترنت، استمرت هذه الوسائل باستخدام المفردات التي تجعلها تخسر جمهورها بدلاً من أن تكسبه، خصوصاً وأن عبارة شهيد بدلت بقتيل وثورة بأزمة أو صراع وثوار بمعارضة، وهو ما لا يقبله عدد كبير من القاطنين في هذه المناطق، وعليه كانت خسارة هذه الوسائل أكبر بكثير مما كانت ترجوه من التوسع بتقليد غير مدروس. وكما اعتمدت هذه الوسائل التي وصفت بالإعلام البديل على نقل الأخبار بصيغة عشوائية، دون أي ضبط لأسلوب الطرح الذي أوجب أن يكون مجيش للرأي العام المستهدف ومنمياً لوعي الجمهور.
واستخدام هذا الأسلوب سواء الموجه أو العشوائي، يؤدي إلى تمييع الرأي العام، حيث يصبح المجتمع ينتظر تلقي الخبر فقط، وهذا مراد التحول في سياسات التحرير.

قد يعجبك ايضا