لا حرب في الخليج العربي

علاء الدين الخطيبلا حرب في الخليج العربي

الاتحاد برس – علاء الدين الخطيب

صدفة سمعت السيد عبد الباري عطوان، بتسجيل حديث على اليوتيوب هذا الصباح، بأسلوبه المعتاد المؤثر يعلن ما توصل له من قراءة: “لا تستغربوا إن أفقنا على أنباء حرب عسكرية بين قطر وبين السعودية والإمارات”؛ لست هنا بصدد نقاش ما قاله السيد عطوان، فقد عودنا منذ عقود على معلوماته الحصرية، وتوقعاته الغير عادية، التي غالبا لم تصب، وأحيانا أصابت كأي لاعب نرد، لكن ما طرحه هو أحد العناوين المقلقة والمخيفة عند الكثيرين، والمفرحة والداعية للشماتة عند آخرين، لكنها بسوق الإعلام جذابة ومستقطبة للمتابعين، الذين بغالبيتهم اعتادوا ألا يعجبوا بالفيلم إن لم يحوِ إثارة وتشويقا ومفاجآت. باختصار وفي المقدمة أقول: لا حربا في الخليج العربي بين قطر والسعودية، أما لماذا فسيتضح من قراءة ثانية متأنية لما يحدث.  

أسباب الأزمة 

لا يمكن لأحد ممن يتكلمون على الفضاء العام، حتى الذين يدعون معرفة المخفي، أن يعرف السبب الحقيقي الذي فجر الأزمة بين ليلة وضحاها؛ وكما ذكرت بمقال سابق على الاتحاد برس، لا مكان لاتهامات المؤامرة بين الطرفين في القراءة الموضوعية لما يجري؛ أسباب الجفاء بين العائلتين الحاكمتين السعودية والقطرية تعود لعام 1996، يوم انقلب الأمير حمد على أبيه المريض، وهي مستمرة دون تحسن إلى اليوم، ولعلنا نذكر خلال السنين الأخيرة الحروب الإعلامية بين قناتيّ الجزيرة والعربية كل فترة، في مجال فضح أسرار ومهاجمة العائلة الجارة اللدود. والأهم أن تناقض السياسة القطرية مع السعودية منذ بدء الانتفاضات العربية قد أوصل الأزمة إلى القمة.  

هنا يمكننا القراءة من الخارج، دون ادعاء معرفة أية أسرار، ووضع الحقائق ضمن سياقها الموضوعي، ودون الولوج في تحليلات اللغة والكناية والمعاني المضمرة لما يقوله السياسيون من كل الأطراف. التطور الأهم ضمن دائرة التحليل هنا، خلال السنين الماضية، هو تسارع خطوات إقامة تحالف استراتيجي بين تركيا وقطر، وهذا بدا واضحا جدا في الموقف شبه الموحد للحكومتين في مصر وليبيا واليمن وسورية، في نفس الوقت لم تشهد العلاقات التركية السعودية السياسية ازدهارا حقيقيا، بل بقيت علاقات قلقة متوجسة لا تدعمها الثقة المطلوبة، طبعا العلاقات التركية المصرية مع السيسي كانت وما زالت بأسوء حالاتها؛ ولعل هذا التنافر شجع التقارب التركي القطري أكثر، بالإضافة لتوافق رؤية الحكومتين على أن استخدام الإخوان المسلمين كمنهج إعلامي وأداة تأثير في الشارع هو الاستراتيجية الأفضل للتعامل مع نتائج الثورات العربية.  

الحلف القطري التركي 

ما زاد القلق والغضب السعودي كان الإعلان والمباشرة في تأسيس قاعدة عسكرية تركية في قطر، غضبٌ تحاشى السعوديون إبرازه للعلن كي لا تتحول العلاقات الباردة مع تركيا إلى صدام معها، فالسؤال المنطقي هنا: ما الحاجة العسكرية والاستراتيجية لهذه القاعدة، خاصة أنها لم تأت ضمن استراتيجية للناتو باعتبار تركيا عضوا مهما به؟ قيل الكثير حول هذه القاعدة لكن الخلاصة تجمع على أنها رسالة سياسية أكثر منها عسكرية من قبل تركيا للجميع، لروسيا وللولايات المتحدة الأميركية ولإيران، وأيضا رسالة هامة للشارع التركي الذي يرتكز أردوغان في قيادته له على عامل الحلم القومي بتركيا الدولة العظمى؛ أما من الناحية القطرية فلا يوجد مبرر حقيقي سوى خوفها المستمر من جوارها، سواء السعودي أو الإيراني، وبالتالي رغم وجود قاعدة أميركية في قطر تضم حوالي 10000 جندي وموظف أميركي، إلا أن زيادة الدرع العسكري لقطر الدولة الصغيرة، وإقحام دول إقليمية كبرى ليرتبط أمنها بأمن الإمارة، سيحقق ضمانا أكبر في المستقبل، خاصة وأن التحالف الاستراتيجي بين قطر وتركيا وصل مرحلة متقدمة، وبنفس الوقت تركيا حليف استراتيجي للولايات المتحدة، وبالتالي لن يؤدي ذلك لتوتر مع الأميركيين.  

تم توقيع اتفاقية إنشاء القاعدة التركية العسكرية في قطر في العام 2014، وحتى نهاية العام 2016 لم يتواجد بها أكثر من 150 جندي تركي يؤسسون دون تسرع البنية التحتية للقاعدة، وفي الشهور الماضية كانت مسودة قرار تمويل القاعدة والمباشرة في تنفيذها في طريقها للبرلمان والرئاسة التركية، قبيل اندلاع الأزمة الحالية؛ لكن كما يبدو أن تركيا وقطر قررتا التسريع في عملية تأسيس القاعدة، وقرار التمويل حظي بموافقة كبيرة في البرلمان التركي من قبل حتى المعارضين الأتراك.  

إذا هناك ما يكفي من أسباب توتر بين الحكومتين السعودية والقطرية، تراكمت خلال العقود الثلاث الماضية لتتحول إلى بركان كامن. يضاف إلى ذلك ما نشر، وغالبا هو صحيح، عن محاولات الطرفين التسلل عبر العائلتين الحاكمتين لقلب الحكم بطريقة ناعمة، وربما المسعى القطري كان أوضح وأسهل بحكم ضخامة العائلة السعودية الحاكمة، الغير منسجمة أساسا مع بعضها البعض.  

إذا ماذا حدث خلال الأسابيع الماضية وفجر كل هذا الغضب؟ هنا من الصعب الجزم بأي شيء، لكن من الواضح أنه كان الشعلة التي أشعلت كل القنابل السابقة بين الطرفين، وليس السبب الوحيد ولا الكافي لما حدث. البعض يتحدث عن أن ترامب في زيارته للسعودية قد أعطاها الضوء الأخضر الذي أرادته من 1996، يوم انقلاب الأمير حمد على أبيه، وهنا لا يمكن النفي القاطع طبعا، لكن لا يمكن أيضا الجزم بحدوثه، فهو إن حصل فقد حصل في مناخ سري لا يمكن أن يخرج للخارج بهذه السهولة الساذجة التي رددها الإعلام العربي، وهو أيضا ليس كافيا لهذا الاشتعال العاصف للحرب الكلامية والاقتصادية والسياسية. 

الموقف الأميركي 

الموقف الأميركي من الأزمة هو كلمة السر في تصاعدها أو تباطئها، فلا ننسى أن من أوقف الجيش السعودي عام 1996 عن دخول قطر كان فيتو أميركي شديد الوضوح، وما زال السؤال حول هذا الفيتو أساسيا في سير هذه الأزمة. اختلطت زيارة ترامب للسعودية بالكثير من القصص الساذجة، التي انتشرت بسرعة في الإعلام والشارع العربي، ما بين مقولات “السعودية اشترت ترامب ب500 بليون دولار”، وما بين “ترامب أعاد السعودية للحظيرة الأميركية”.  

طبعا ترامب نفسه كالعادة لم يفوت الفرصة أيضا للتلاعب بالشارع الأميركي بمقولات وتويترات لا تنطلي سوى على السذّج، وبكل الأحوال فترامب حتى بعد دوسه عتبة البيت الأبيض لم يتوقف عن عادة إطلاق التصريحات “الخلبية” الشعبوية، التي سرعان ما ينقضها، فالتوتر مثلا الذي خلقه مع الصين، عاد وابتلع كلامه وأعلن صداقته وإعجابه بالرئيس الصيني، فليس مستغربا عليه الآن هذه التصريحات. فالاقتصاديون يعلمون أن ما أُعلن عنه هو اتفاقيات بالحروف الأولى لشراء كميات كبيرة من السلاح، واستثمارات في الولايات المتحدة خلال العشر سنين القادمة، وما أكثر الاتفاقيات التي تم توقيعها بالحروف الأولى وتم نسيانها أو مماطلتها. 

مؤخرا على وقع تصاعد الأزمة الخليجية، أطلق ترامب تصريحات مؤيدة للسعودية، وقاسية نسبيا تجاه قطر، لكن هل هذا هو فعلا الموقف الأمريكي؟ بالواقع كل تصريحات المسؤولين الأميركيين الأقرب إلى فهم آلية صنع القرار لخدمة الاستراتيجية الأمريكية عارضوا تويترات ترامب بدبلوماسية، فهو بالنهاية رئيس بلدهم، وبينوا أن الموقف الأميركي هو مع حل سياسي هادئ وإيقاف التصعيد. 

لكن هل تكفي قراءة التصريحات السياسية لتقييم الموقف الأميركي؟ بالطبع لا تكفي، والتاريخ أكبر شاهد وخاصة في السنين الماضية حول سورية؛ لتقييم الموقف الأميركي لا بد من التذكير بحقائق موثقة بالأرقام: 

  • قاعدة العديد العسكرية الأميركية في قطر هي أكبر قاعدة عسكرية في المنطقة، ولها أهمية استراتيجية وعسكرية ضخمة جدا بالنسبة للبنتاغون والوجود الأميركي في الشرق الأوسط ووسط آسيا وصولا لسواحل البحر المتوسط وأطراف الهند، وبالتالي يستحيل أن يتخلى البنتاغون عنها، على الأقل تقنيا وعسكريا في هذه الظروف بالذات. كما أن عملية نقلها ليست مجرد قرار يتخذه الأميركيون بين ليلة وضحاها ثم ينفذونه في غضون أسابيع، هذا مستحيل تقنيا، عدا عن أن الأسباب السياسية الموجبة لوضعها في قطر لم تتغير جوهريا.  
  • تسيطر قطر على حوالي ثلث سوق الغاز الطبيعي المسال LNG في العالم، أي ما يقابل 10% من سوق الغاز الطبيعي الكلي، تليها أستراليا في سوق LNG بنسبة 12%؛ والغاز المسال القطري يمثل ثلث ما تستورده دول آسيا ونصف ما تستورده الدول الأوروبية؛ أي أن استقرار الإنتاج القطري للغاز الطبيعي المسال هو مطلب عالمي عالي الأهمية، لا يمكن التلاعب به دون كوارث عالمية في السوق، والمتضررون هم حلفاء الولايات المتحدة الأميركية أساسا، وأهمهم اليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا، والغاز الطبيعي ليس مثل النفط يمكن تعويضه بسهولة وخلال شهور، فلا يوجد مصدِّر غاز طبيعي مسال يمكن أن يعوض حتى ربع الإنتاج القطري، أوروبا فقط يمكنها التعويض من خلال أنابيب الغاز الطبيعي الروسي، لكن لا أوروبا ولا واشنطن يودون وضع رقبة أوروبا في اليد الروسية لا حاليا ولا في المستقبل البعيد. 
  • قد لا تكون قطرا مستثمرا ضخما في الولايات المتحدة مقارنة بالسعودية أو الإمارات العربية المتحدة، فمجموع الاستثمارات الأجنبية الخارجية ما بين العام 2012 والعام 2015 في الولايات المتحدة القادمة من قطر بلغ 10 بلايين دولار، ومن السعودية 45.6 بليون دولار، ومن الإمارات قرابة 100 بليون دولار؛ لكن كل هذه الدول الثلاثة مع بعضها لا تشكل سوى 1.36% من مجموع الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الولايات المتحدة، ربما أشير أن استثمارات إسرائيل بنفس الفترة وصلت إلى 90 بليون دولار. 

لكن مجموع الاستثمارات الأميركية المباشرة في قطر خلال نفس الفترة بلغ 33 بليون دولار، وفي السعودية 39 بليون دولار، وفي الإمارات 8 بليون دولار، ومجموعهم يمثل 0.43% من الاستثمارات الأميركية خارج الولايات المتحدة الأميركية. 

فهل يمكن للولايات المتحدة أن تتخلى عن حماية 33 بليون دولار أميركي في قطر، فقط لكي تراضي أمراء السعودية؟ يبدو هذا مستبعدا تماما ضمن المنطق الاقتصادي الحاكم للسياسة الدولية. 

الإرهاب والإخوان بين السعودية وقطر 

لا يهمنا هنا الدخول في التاريخ وتفاصيل علاقة الإخوان بالسعودية، وتحولهما من أصدقاء وحلفاء أيام عبد الناصر إلى خصوم في مرحلة مبارك، ثم إلى أعداء بعد الثورات العربية. لكن الجميع يعلم، بمن فيهم طبعا الإدارة الأميركية، أن حكومات كل هذه المنطقة استخدمت الإسلام والإسلام السياسي لمصالحها السلطوية، فإن كانت قطر ومن ثم تركيا تبنوا جماعات المنهج الإخواني، فإن السعودية تابعت دعم المنهج السلفي المتشدد عند كل حلفائها، بمن فيهم مبارك أيام كان حاكما لمصر، وحاليا مع السيسي. والإرهاب الإسلامي المتظاهر على شكل داعش والقاعدة والنصرة وجيش الإسلام وغيرهم ليس وليد الإخوان المسلمين والسياسة القطرية والتركية لوحدهم، بل بجزء كبير منه أيضا هو وليد السياسة السعودية التقليدية التي لم تتغير منذ عقود.  

هذا المنهج في استخدام الدين سياسة متأصلة في كل دول العالم تاريخيا، لكنها مستمرة بقوة في الشرق الأوسط ووسط آسيا، واستخدام الإسلام كأداة تبرير وحكم استخدام قديم لكن مستمر، من قبل كل زعماء العرب، مهما قالوا في الليبرالية أو الشيوعية؛ ومع انقلاب الخميني على الثورة الإيرانية تزايدت أهمية استخدام الإسلام في الصراع بين طهران والرياض، اعتمادا على تاريخ مرير بين السنة والشيعة، وعند بدء نمو الاقتصاد القطري مع تزايد حصة الغاز الطبيعي في سوق الطاقة، وجدت الحكومة القطرية، بحكم خصومتها العميقة مع الحكومة السعودية، أن استخدام الإسلام ضرورة ملحة في لعبتها الصراعية، ووجدت في الإخوان ونهجهم مقابلا موضوعيا قويا للإسلامية السلفية الوهابية، والتي هي الأداة السعودية.  

أما في سورية، فالجميع غذى الإرهاب الإسلامي، سواء السني أو الشيعي، وداعش بالذات تحوي بالعدل إرهابيين من كل هذه الدول مع أموال تدعمهم. فمبررات الإرهاب وما يساق على ذلك هي للتسويق الإعلامي لا أكثر ولا أقل، ولا علاقة لها بالخلاف الحقيقي بين حكومات الخليج. 

 

الخاتمة 

ميزان القوى الدولية، وحالة سوق الطاقة العالمي، والمصالح الأميركية، لا يمكن أن تسمح بتصعيد الأزمة الخليجية فوق مستوى الحرب الإعلامية والاقتصادية والسياسية، وستضمن تهدئتها على مدى الشهور القادمة، ونفس المعايير لن تسمح أيضا لانقلابات مفاجئة في التحالفات كما يشاع، كأن تنتقل قطر إلى الحضن الإيراني، فهذا خط أحمر أميركي لا يمكن أن يحدث لنفس الأسباب التي ذكرتها سابقا، عدا عن أن النظام الإيراني لم يبن علاقات ثقة متبادلة مع أي حكومة بالمنطقة سوى حكومة النظام الأسدي والحكومة التركية، والدول لا تقلب تحالفاتها بين يوم وليلة. ما حدث بين إيران وقطر مؤخرا هو براغماتية سياسية بحتة، يفرضها الواقع، والنظام الإيراني استغلها بمهارة. 

على المستوى السوري، لن تنعكس هذه الأزمة خيرا على المأساة السورية، فخلال 6 سنوات لطالما تقاتلت الفصائل الإسلامية التي تعلن معارضتها للطاغية الأسد، فيما بينها فقط لإيصال رسائل بين قطر والسعودية. 

 

مراجع 

مقال قطر وجيرانها.. إعصار لكن في فنجانعلى شبكة الاتحاد برس 

البرنامج الحكومي الأميركي SelectUSA 

الاتحاد العالمي للغاز International Gas Union 

 

 

قد يعجبك ايضا