لبننة سوريا وسورنة لبنان

نديم قطيشلبننة سوريا وسورنة لبنان

  • الشرق الأوسط – نديم قطيش

يحلو للبنانيين، سياسيين ومعلقين، أن يمتدحوا ما حباهم الله به من سكينة وهدوء في ظل الحرائق المندلعة في المنطقة، لا سيما في سوريا.




السكينة والهدوء – وفق هذا المقياس – هما جفاف أنهار الدم بينهم، وغياب القذائف وحمم الحرب عن مدنهم. جلهم لا ينتبه إلى أن لبنان على هذه الحال لأنه سبق الجميع إلى حروبه الداخلية منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ظهيرة الرابع عشر من فبراير (شباط) 2005.

ليسامحني القارئ السوري. له الحق في اعتبار الجريمة السورية المفتوحة من الفداحة بحيث لا تجوز مقارنتها مع غيرها. وله الحق في ألا يرى أي صواب في المقارنة بين ما شهده لبنان وبين مقتل نحو نصف مليون سوري وتهجير ونزوح 12 مليونًا، وتدمير أجزاء مهولة من الحيز المديني السوري. هذا صحيح.

لكن تجارب الدول، أو تجارب انهيارها، لا تقاس فقط بكم الدماء المهدورة للأسف. استقر لبنان، بعد اغتيال الحريري وسلسلة الاغتيالات اللاحقة، والمنتهية حتى الآن باغتيال الوزير محمد شطح، في بقعة من الجمود، تسعى سوريا إليها. جمود القتل، وهدوء المدافع، واستقرار ميزان القوى على الأرض، والبحث في إعادة بناء الأوطان والهويات وكل التفاصيل المتعلقة. سبق اللبنانيون، السوريين في الوصول إلى المكان الذي تسعى مبادرة لافروف – كيري لأخذهم إليه. الاستقرار اللبناني. أي استقرار توازن القوى على جثة الدولة والوطن. ثم محاولة استئناف السياسة.

استقرار لبنان بهذا المعنى هو استقرار الوطن الميت، والكيان الميت، والدولة الميتة. في الجثة السورية بعض روح، لن تدوم طويلاً قبل أن تغادر.

الإطار، النظري حتى الآن، لمبادرة لافروف – كيري، هو قبول أميركا بضرب جبهة النصرة في مقابل ضغط موسكو على بشار الأسد لوقف الغارات على الأحياء المدنية. الطموح الأبعد هو الوصول إلى وقف تام للأعمال العسكرية. أي الهدوء والسكينة على ما بقي من جثة سوريا. ليس واضحًا حتى الآن لماذا ستقبل موسكو بأن تُباع من كيسها. فلواشنطن مصلحة أمن قومي في أن تضرب فصيلاً تضعه على لوائح الإرهاب، ولا داعي لاعتبار هذه المصلحة، خدمة تقدم لموسكو. تيار جدي داخل المعارضة السورية، بات يعتبر أن ضرب «النصرة» ووقف الأعمال الحربية ضرورة استراتيجية لحماية الثورة السورية وإعادة الاعتبار للسياسة والسياسيين، وبالتالي للحل الذي بات يتفق الجميع على أنه سياسي. فالكلمة الآن لمن يملك السلاح، ومن يملك السلاح له مصلحة في استمرار الحرب، واستمرار الحرب يعني المزيد من دفع المجتمع السوري نحو التطرف وإلغاء الجسم السياسي للثورة. لكن مرة أخرى، ليس واضحًا، ما هو الإطار الزمني الذي تتطلع إليه موسكو للحل السياسي. كما أن لا شيء يضمن ما إذا كانت التضحية بجبهة النصرة، المؤذية لنظام الأسد، والتي تضع إسقاط النظام بين أولوياتها، ستُجَيَر لصالح الحل السياسي أم سيستفاد منها لنزع أسنان الثورة. فـ«النصرة» وإن كانت ليست من فصائل الثورة السورية، بمعنى غيابها تمثيليًا عن الأجسام السياسية، لكنها بلا شك واحدًا من المخالب المهمة التي أنهكت الأسد وجيشه وشكلت مرتكزًا للتوازن مع الآلة العسكرية الأسدية وحلفائها.

الأكيد، أن بين الأهداف غير المعلنة لفلاديمير بوتين، هو خروج الأسد معززًا مكرمًا من سوريا بعد أطول فترة ممكنة. والأرجح أنه سينجح في هذا الهدف، الذي ينطوي عمليًا على إنهاء عقيدة «تغيير الأنظمة» الأميركية، وخلق تاريخ دموي ومكلف لهذه العقيدة بحيث لا يُفَكر فيها في المستقبل حيال روسيا أو أي من حلفائها. يريد بوتين أن يفرض قاعدة جديدة في العلاقات الدولية، وهي أن لا تغيير أنظمة بعد إسقاط معمر القذافي. كل هذا يعني أن المعارضة تغامر بتسليم رقبتها، بلا مخالب، لمرحلة طويلة تشبه ما يعيشه لبنان اليوم، مقابل مكسب وحيد، ولكن مهم، وهو وقف حمام الدم السوري.

السوريون إذن على موعد مع ما يعيشه لبنان الآن. استقرار الدولة الفاشلة والمجتمع الأكثر فشلاً، نتيجة تشظي الهوية الوطنية السورية، بمثل ما تشظت الهوية الوطنية اللبنانية. ومن الاستقرار هذا، إن حل، ينطلق البلدان لإعادة صياغة كل شيء.

في الأثناء، يمارس السياسيون اللبنانيون لعبتي الانتظار واستنباط النيات. رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري رشح سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية وينتظر تبلور ظروف هذا الخيار. حزب الله ينتظر ما يراد منه في سوريا، وما سترسو عليه توازنات الأدوار بين موسكو وطهران وإسرائيل. استنباط النيات لعبة أقرب إلى قلب الدكتور سمير جعجع. يفترض أن حزب الله لا يريد الجنرال ميشال عون رئيسًا فيقدم على ترشيحه، قافزًا فوق حقيقة أن حزب الله خَبِر عون في حرب 2006 ويعرف أنه فيما راودت أفكار التخلي أقرب المقربين إليه، بحسب أرشيف ويكيليكس، لم يتزحزح الجنرال، ولم يجبن. أطلعني الجنرال على جانب من التهديدات التي وصلته يومها، وأحتفظ بها لنفسي إلى أن يعلنها هو متى شاء.

سألعب لعبة مشتركة بين اللعبتين، وهي التكهن وفق معادلات ذهنية وليست سياسية. ليس بوسع حزب الله أن يأتي بعون رئيسًا من موقع المنتصر في سوريا. هذا عدوان على عدوان. لكن بوسعه أن يأتي بعون رئيسًا من موقع المهزوم في سوريا. فهذه ضمانة لضعيف.

حقيقة مشتركة يعرفها الجميع، هي أن لبنان الجديد سيولد في ضوء سوريا الجديدة، وهذا قد يطول. ويطول كثيرًا!

لبننة سوريا الآن جارية وتبدأ بعدها سورنة لبنان.

 

قد يعجبك ايضا